
السابق تراجع أعداد المسيحيين في الأردن وفلسطين خلال العقد الأخير… ووديع أبو نصار: القضية ليست أرقامًا بل حقوقٌ وشراكةٌ ومواطنة

بقلم: رفعت عودة قسيس
أثار قرار المجمع العام لكنيسة إنجلترا، في تموز/يوليو 2026، والقاضي بدعوة الكنيسة إلى الإصغاء إلى المسيحيين الفلسطينيين ودراسة وثيقة كايروس فلسطين الثانية، موجة غير مسبوقة من الاعتراضات والضغوط قادتها مجموعات مسيحية ويهودية صهيونية. وقد بدا حجم الحملة لافتًا، خاصة إذا ما قورن بطبيعة القرار نفسه، الذي جاء بصيغة متوازنة ومحدودة، ولم يتضمن أي إجراءات عملية أو عقابية. وهذا يطرح سؤالًا مهمًا: لماذا استُقبل هذا القرار بهذا القدر من التصعيد؟

كيف يمكن تفسير هذا الهجوم غير المسبوق من قبل مجموعات مسيحية ويهودية صهيونية على كنيسة إنجلترا؟ في رأيي، هذا هو السؤال الاستراتيجي الأهم، خاصة وأن كنائس عديدة في الولايات المتحدة وأوروبا اتخذت قرارات أكثر جرأة، بما في ذلك المقاطعة وسحب الاستثمارات، دون أن تثير هذا المستوى من الاهتمام. وفي هذه العجالة سأحاول، بتقييم أولي سريع، تقديم بعض الفرضيات.
أولى هذه الفرضيات تتعلق بالمكانة الخاصة لكنيسة إنجلترا. فهي ليست مجرد كنيسة أخرى، بل تحتل مكانة فريدة بوصفها الكنيسة الرسمية في إنجلترا، ويرأسها الملك نفسه. كما أن لها تأثيرًا واسعًا داخل الكنائس الأنجليكانية في العالم، وتتمتع بحضور كبير في الحياة العامة البريطانية. ولذلك فإن أي قرار يصدر عنها يحمل وزنًا رمزيًا وسياسيًا يتجاوز آثاره العملية.
أما الفرضية الثانية فتتعلق باختلاف الظرف السياسي والتوقيت. فقد جاء هذا النقاش بعد ما يقارب ثلاث سنوات من حرب الإبادة على غزة، وفي مرحلة يشهد فيها الرأي العام الدولي تحولًا ملحوظًا. فقد أصبحت الكنائس والحكومات والجامعات والمنظمات الإنسانية أكثر استعدادًا لاستخدام اللغة التي استعملتها كايروس الثانية، والتي كان من الصعب سياسيًا استخدامها في السابق، كمصطلحات الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، والاحتلال الكولونيالي وغيرها. وقد رفع ذلك من مستوى المواجهة والحساسية السياسية، واستدعى ردود فعل أقوى من الجهات التي ترفض هذا التوصيف. ويبدو أن هذا كان أحد أسباب شدة الحملة. وعليه، فقد تكون هذه الجهات المعارضة لكايروس قد رأت أن هذا التوقيت لم يعد يسمح بالافتراض بأن مواجهة الكنائس بالحجج التقليدية ستكون كافية أو حاسمة لمنع تبني الوثيقة وانتشارها.
وترتبط بذلك فرضية ثالثة، وهي أن توصيات ومطالب وثيقة كايروس الثانية تمثل شيئًا مختلفًا عما سبق. فعادة ما كانت مطالب كايروس من الكنائس ذات طبيعة تنفيذية، مثل مراجعة الاستثمارات أو سحبها، أو الدعوة إلى المقاطعة أو إلى وقف الاستيطان او وقف إطلاق النار، أو دعم المساعدات الإنسانية لغزة، أو تنظيم زيارات “تعال وانظر”. أما وثيقة كايروس الثانية فهي مختلفة؛ إذ تقدم رواية لاهوتية فلسطينية مسيحية منسجمة ولا تطلب من الكنائس مجرد القيام بإجراء معين، بل تدعوها إلى إعادة النظر في كيفية الإصغاء إلى صوت المسيحيين الفلسطينيين والتعامل معه، وإلى التفكير في قضايا لاهوتية عميقة تتعلق بالاحتلال، والإبادة الجماعية، والصهيونية المسيحية، والكتاب المقدس، ومعنى الشهادة المسيحية. وغالبًا ما يكون للأفكار عمر أطول من القرارات؛ فعندما تبدأ الكنائس بدراسة وثيقة لاهوتية، فإنها قد تؤثر لسنوات طويلة في رجال الدين، والمعاهد اللاهوتية، والوعظ، والعبادة، والقرارات المستقبلية. ولهذا قد تكون أهميتها الاستراتيجية أكبر من مجرد قرار يتعلق بسحب الاستثمارات.
ومن هنا يمكن الانتقال إلى فرضية رابعة، وهي الخشية من تصاعد قوة وتأثير كايروس فلسطين في الأوساط الكنسية والدولية. فشدة الحملة نفسها قد تكون دليلًا على أن كايروس أصبحت أكثر تأثيرًا. فهذه المنظمات التي سارعت إلى كتابة المذكرات والبيانات، وإطلاق حملات التوقيع والتهديد والتخويف، لن تستثمر هذا القدر من الجهد السياسي والإعلامي لمهاجمة جهة أو وثيقة تعتبرها غير مؤثرة. إن حجم البيانات، والرسائل، والضغوط، والتغطيات الإعلامية، يشير إلى أن بعض الجهات كانت ترى أن وثيقة كايروس الثانية قد يكون لها تأثير يتجاوز حدود كنيسة إنجلترا. وهذا بحد ذاته مؤشر على حجم التأثير الذي باتت تمثله كايروس فلسطين، سواء لمن يتفق مع مواقفها أم يختلف معها.
. ويضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في الخوف من تأثير “الدومينو”. فتاريخيًا، كثيرًا ما تنتقل القرارات الكنسية الكبرى من كنيسة إلى أخرى، كما تنتشر الأفكار اللاهوتية بسرعة داخل الشبكات المسكونية. فإذا بدأت كنيسة إنجلترا بدراسة وثيقة كايروس الثانية، فقد يشجع ذلك كنائس أخرى، بروتستانتية وإصلاحية وكاثوليكية وأرثوذكسية، على حذو حذوها. وفي كثير من الأحيان، يكون منع الخطوة الأولى أسهل بكثير من مواجهة انتشارها بعد أن تتبناها عشرات الكنائس.
. ختامًا، أميل إلى الاعتقاد بأن الحملة لم تكن تستهدف القرار بحد ذاته. فالقرار النهائي المعدّل كان في الحقيقة متوازنًا ومحدودًا؛ إذ دعا الكنيسة إلى الإصغاء إلى المسيحيين الفلسطينيين، ودراسة وثيقة كايروس فلسطين، مع التأكيد في الوقت نفسه على الالتزام بالحوار بين الأديان، ورفض معاداة السامية، ورفض الكراهية ضد المسلمين. ولو كان القرار وحده هو موضع الخلاف، لكان حجم الحملة أكبر بكثير مما يستدعيه مضمون القرار.
ولهذا أصل إلى فرضية مختلفة، مفادها أن المعركة الحقيقية كانت تدور حول من يمتلك الشرعية في صياغة الرواية الأخلاقية واللاهوتية حول فلسطين داخل الكنائس. فإذا أصبحت كايروس فلسطين لا يُنظر إليها كحركة مناصرة، بل كصوت لاهوتي موثوق يصدر عن الكنيسة الفلسطينية الأصيلة في الأرض المقدسة، فإن تأثيرها سيتجاوز بكثير حدود قرار واحد يصدر عن المجمع العام. ومن هذا المنطلق يصبح من الأسهل فهم طبيعة الحملة؛ فهي لم تكن، على ما يبدو، تتعلق بإسقاط قرار بعينه، بل بمنع ترسيخ إطار لاهوتي قد يؤثر مستقبلًا في تعليم الكنائس، ومواقفها، وسياساتها، وعملها في مجال المناصرة.
ويعزز هذه الفرضية أن معظم الانتقادات لم تركز أساسًا على القرار نفسه، بل انصبت على كايروس فلسطين، من خلال رسائل متكررة ولافتة مفادها: لا تستقبلوا هذه الوثيقة، ولا تتعاملوا معها باعتبارها صوتًا مسيحيًا ذا شرعية، ولا تمنحوها مكانة طبيعية داخل الحياة الكنسية. وهذا يوحي بأن الهدف لم يكن فقط منع تمرير قرار في المجمع العام، بل منع كايروس فلسطين من اكتساب الشرعية الكنسية، ومن أن تصبح وثيقتها مرجعًا لاهوتيًا معترفًا به داخل الكنائس الأنجليكانية.
وربما يكون هذا هو الاستنتاج الأهم الذي يمكن الخروج به في هذه المرحلة. فإذا كانت هذه القراءة صحيحة، فإن ما جرى في كنيسة إنجلترا لم يكن مجرد خلاف حول قرار كنسي عابر، بل مؤشرًا على صراع أعمق حول من يملك حق تفسير الواقع الفلسطيني أخلاقيًا ولاهوتيًا داخل الكنائس العالمية. ومن هذه الزاوية، قد يكون حجم الحملة نفسها دليلًا على أن صوت كايروس فلسطين لم يعد هامشيًا، بل أصبح حاضرًا ومؤثرًا إلى الحد الذي جعل كثيرين يسعون إلى الحد من شرعيته قبل أن يتحول إلى مرجعية كنسية أوسع


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!