
السابق اجتماع تنسيقي للقيادات المكون المسيحي في الأردن يؤكد دعمه لتعديلات قانون مجالس الطوائف

خاص- ملح الأرض
صوّتَ المجمّعُ العامُّ لكنيسةِ إنجلترا بأغلبيةٍ ساحقةٍ بلغت 253 صوتًا مقابل 47، لصالحِ قرارٍ تاريخيٍّ يُلزمُ الكنيسةَ بالتضامنِ مع الشعبِ الفلسطيني، ودعمِ مقاومتِه السلميةِ للاحتلالِ الإسرائيلي، بعد أربعِ سنواتٍ من تأجيلِ هذا الملف.
كما أعلن المجمّعُ الكنسي، المنعقدُ في مدينةِ يورك البريطانية، التزامَه بالتفاعلِ مع إعلاناتِ “كايروس فلسطين“، بما يشملُ وثيقةَ عام 2025 التي تُصنّفُ العدوانَ الإسرائيليَّ على قطاعِ غزة جريمةَ إبادةٍ جماعية، ومحاولةً لطمسِ الوجودِ الفلسطيني.
وفي السياقِ ذاته، يفرضُ النصُّ الجديدُ على الكنيسةِ اعتمادَ سياساتٍ استثماريةٍ مسؤولة، تقضي بسحبِ الأموالِ والتبرعاتِ من منظومةِ الاحتلال، استنادًا إلى الرأيِ الاستشاريِّ لمحكمةِ العدلِ الدولية الصادرِ عام 2024 بشأنِ عدمِ شرعيةِ الاستيطان، وسطَ مطالباتٍ للحكومةِ البريطانيةِ بوقفِ التواطؤ.
ورأت الصحفية وعضو “كايروس فلسطين”، وعضو مبادرةِ مهدِ المشرق، هند الشريدة، أنَّ تصويتَ المجمّعِ العامِّ لكنيسةِ إنجلترا يُمثّلُ انتصارًا تاريخيًا، وثمرةً لسنواتٍ من العملِ الذي قادته حركةُ “كايروس فلسطين”، مؤكدةً أنَّ أهميةَ القرار لا تنبعُ من التصويتِ وحده، بل من المكانةِ التي تتمتعُ بها كنيسةُ إنجلترا بوصفِها الكنيسةَ الرسميةَ للدولةِ البريطانية، التي يتولى الملكُ رئاستَها، فيما يشغلُ أساقفتُها مقاعدَ دائمةً في مجلسِ اللوردات.
وأضافت في حديثها لـ ملح الأرض أنَّ القرار، وإن لم يتبنَّ وثيقةَ “كايروس فلسطين” بصورةٍ كاملة، فإنه دعا قيادةَ الكنيسةِ وأعضاءَها إلى دراستِها ومناقشتِها، معتبرةً ذلك خطوةً متقدمةً تُمهّدُ لمزيدٍ من الاعترافِ بمضامينِ الوثيقة.
وأشارت إلى أنَّ جميعَ المحاولاتِ التي سعت إلى تعديلِ أو تلطيفِ المصطلحاتِ الواردةِ في الوثيقةِ باءت بالفشل، مؤكدةً أنَّ الحركةَ تمسكت بشهادةِ المسيحيين الفلسطينيين، وأبقت على توصيفِ ما يجري في قطاعِ غزة باعتباره حربَ إبادةٍ جماعية، وامتدادًا للمشروعِ الصهيونيِّ الهادفِ إلى الاستيلاءِ على فلسطين وتفريغِها من سكانِها، إضافةً إلى توصيفِ الواقعِ بأنه نتاجُ عقودٍ من الفصلِ العنصريِّ والاستعمارِ الاستيطاني، مع الدعوةِ الصريحةِ إلى المقاطعةِ وسحبِ الاستثمارات.
وفي نفس السياق علّق النّائب البطريركيّ لبطريركيّة اللّاتين في القدس المطران وليم الشوملي في حديث خاص لـ ملح الأرض أن هذا التصويت يدلُّ على تغيّرٍ واضحٍ من قبل الكنيسة الإنجليكانية وبالتالي من قسم لا بأس به من المجتمع البريطاني تجاه القضية الفلسطينية.
أما المنسق العام لكايروس فلسطين رفعت قسيس فقال لـ ملح الأرض إن التصويت التاريخي للمجمع العام لكنيسة إنجلترا بأغلبية ساحقة، حول استقبال والإصغاء لصوت كايروس فلسطين الثانية، لا يمثّل مجرد إقرار لقرار كنسي ما، بل يعكس اعترافًا متزايدًا بشرعية صوت المسيحيين الفلسطينيين. فقد أثبتت النتيجة أن محاولات تهميش وثيقة كايروس فلسطين لم تنجح، وأن الكنيسة اختارت الإصغاء إلى أصحاب الأرض.
وتابع قسيس أن ما جرى يكشف أن المعركة لم تكن حول نص القرار بقدر ما كانت حول من يمتلك الحق في صياغة الرواية الأخلاقية واللاهوتية بشأن فلسطين داخل الكنائس. واليوم، تؤكد هذه النتيجة أن صوت كايروس فلسطين وصوت المسيحيين الفلسطينيين بعد كايروس فلسطين لم يعد هامشيًا، بل أصبح مرجعًا كنسيًا مؤثرًا وحاضرًا في الحوار الكنسي العالمي.
واستكملت الشريدة لـ ملح الأرض حديثها أنَّ النتيجةَ الكاسحةَ للتصويتِ تعكسُ تحوّلًا في المزاجِ العامِّ داخلَ بريطانيا، وليس داخلَ الكنيسةِ فحسب، مضيفةً أنَّ بريطانيا بدأت تُدركُ مسؤوليتَها التاريخيةَ المرتبطةَ بوعدِ بلفور، وما ترتب عليه من دعمٍ متواصلٍ لإسرائيل على مدارِ عقود، وصولًا إلى الحربِ الجاريةِ على قطاعِ غزة.
وبيّنت أنَّ القرارَ واجه حملةَ معارضةٍ واسعةٍ من اللوبي الصهيوني، الذي سعى إلى تجريمِ الروايةِ الفلسطينية، من خلالِ اتهامِ الوثيقةِ بمعاداةِ السامية، والاحتكامِ إلى تعريفِ “التحالفِ الدوليِّ لإحياءِ ذكرى الهولوكوست” لمعاداةِ السامية، إلا أنَّ الوثيقةَ – بحسبِ الشريدة – كانت واضحةً في التفريقِ بين اليهوديةِ بوصفِها ديانة، وبين الصهيونيةِ باعتبارِها أيديولوجيا سياسية، كما ميّزت بين اليهودِ الحلفاءِ للقضيةِ الفلسطينية وبين السياساتِ الإسرائيلية.
وأكدت الشريدة أنَّ تمسّكَ المجمّع الكنسي بالمصطلحات الواردة في وثيقة “كايروس فلسطين”، ورفضَه جميعَ المحاولات الرامية إلى تلطيفها أو تعديلها، يعكسُ التزامًا أخلاقيًا من الكنيسة بعد كل ما سُفك من دماء في قطاع غزة، معتبرةً أنَّ توصيف العدوان بوصفه جريمةَ إبادةٍ جماعية ومحاولةً لطمس الوجود الفلسطيني لم يأتِ من فراغ، وإنما استند إلى واقعٍ ميدانيٍّ عاشه وشهده كثيرون.

وأوضحت أنَّ الزيارات التي قام بها مسؤولون كنسيون إلى فلسطين، ومن بينها زيارة رئيسة الأساقفة، أسهمت في نقل صورة الواقع كما هو، مشيرةً إلى أنَّ “كايروس فلسطين” دأبت منذ تأسيسها على دعوة الوفود والكنائس إلى زيارة الأراضي الفلسطينية والاطلاع مباشرةً على ما يجري، لأنَّ ما يعيشه الفلسطينيون – بحسب تعبيرها – ليس طرحًا نظريًا، بل واقعٌ يوميٌّ ملموس.
وأضافت أنَّ من يزور فلسطين يشاهد بأمِّ العين مظاهرَ الفصل العنصري، من الحواجز العسكرية المنتشرة بين المدن والقرى، والتي يتجاوز عددها – وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) – ألف حاجز، إلى جانب الجدار الفاصل، والطرق المخصَّصة للمستوطنين، وإغلاق الطرق، والاستيلاء على الأراضي، وما يرافق ذلك من ممارساتٍ تمسُّ حياة الفلسطينيين اليومية وكرامتهم.

ولفتت إلى أنَّ ما يتعرض له المسيحيون الفلسطينيون يُعدُّ جزءًا من هذه المعاناة، مشيرةً إلى أنَّ نحو 4% من المكوّن المسيحي في قطاع غزة قد أُبيد خلال الحرب، إلى جانب استهداف الأماكن الدينية، وقتل الصحفيين، وفي مقدمتهم شيرين أبو عاقلة، فضلًا عن الاعتداءات المتكررة التي تطال المدنيين.
وقالت لـ ملح الأرض إنَّ الفلسطيني يعيش يوميًا تحت وطأة الخوف من الاعتقال أو القتل أو الاحتجاز على الحواجز العسكرية، مؤكدةً أنَّ الحديث عن الظلم الواقع في فلسطين ليس مبالغةً أو توصيفًا نظريًا، وإنما حقيقةٌ يلمسها كلُّ من يزور الأرض ويشاهد ما يجري عليها، مضيفةً أنَّ النكبة وما تبعها من أحداث ليست مجرد رواية تاريخية، بل واقعٌ مستمر، تتحمل بريطانيا جزءًا من مسؤوليته التاريخية منذ وعد بلفور.
وفيما يتعلقُ بتوجّهِ كنيسةِ إنجلترا نحو اعتمادِ سياساتٍ استثماريةٍ مسؤولة، تقضي بسحبِ الأموالِ والتبرعاتِ من منظومةِ الاحتلال، أكدت الشريدة أنَّ “كايروس فلسطين” لم تكتفِ يومًا بإطلاقِ المواقف أو الاكتفاءِ بالصمت، بل دعت دائمًا إلى ترجمةِ المبادئ إلى خطواتٍ عملية، انطلاقًا من قناعةٍ بأنَّ السلامَ الحقيقيَّ لا يمكن أن يتحققَ إلا بإحقاقِ العدالة، وأنَّ العدالةَ لا تنفصلُ عن الالتزامِ بالقانونِ الدولي.
وأضافت أنَّ الارتكازَ إلى الرأيِ الاستشاريِّ لمحكمةِ العدلِ الدولية يُمثلُ مسارًا قانونيًا وسلميًا في آنٍ واحد، مؤكدةً أنَّ الإيمانَ لا يقتصرُ على الصلاة، بل ينبغي أن يقترنَ بالفعلِ والعملِ من أجلِ نصرةِ الحق.
وأوضحت أنَّ وثيقةَ “كايروس فلسطين” صيغت بروحِ الوفاءِ لكلِّ من دفعوا ثمنَ الاحتلالِ والحرب، واستندت إلى القيمِ المسيحيةِ وتعاليمِ السيدِ المسيح، وفي مقدمتها قوله: “الحقُّ يُحرركم“، مشيرةً إلى أنَّ الوثيقةَ تعمدت قولَ الحقيقةِ بوضوحٍ وجرأة، دون مواربةٍ أو استخدامِ عباراتٍ مخففة.
وشددت على أنَّ الوثيقةَ لم تدعُ في أيِّ مرحلةٍ إلى العنفِ أو القتل، وإنما دعت إلى السلام، والاحتكامِ إلى القانونِ الدولي، والاعتمادِ على الآلياتِ القانونيةِ لتحقيقِ العدالة، معتبرةً أنَّ الاستنادَ إلى الرأيِ الاستشاريِّ لمحكمةِ العدلِ الدولية يُجسدُ موقفًا “حكيمًا ووديعًا” في آنٍ واحد، وينسجمُ مع التعاليمِ المسيحيةِ التي تدعو إلى الجمعِ بين الحكمةِ والوداعة، وإحقاقِ الحقِّ بالوسائلِ السلمية.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!