
السابق “المفهوم القانوني والواقعي لأحكام الإرث والوصية” ندوة في النادي الأرثوذكسي تناقشُ أبعادَ مشروع قانون الوصيّة والإرث للمسيحيين

ليث حبش- ملح الأرض
أثار قرارُ مجلسِ الوزراء بالموافقةِ على الأسبابِ الموجبةِ لمشروعِ القانونِ المعدلِ لقانونِ مجالسِ الطوائفِ المسيحيةِ لسنةِ 2026 اهتمامًا واسعًا في الأوساطِ القانونيةِ والكنسيةِ والمجتمعية، باعتباره خطوةً جديدةً في مسارِ تنظيمِ قضايا الأحوالِ الشخصيةِ للمسيحيين في الأردن. ويأتي المشروعُ تمهيدًا لإرساله إلى ديوانِ التشريعِ والرأي لاستكمالِ الإجراءاتِ الدستوريةِ اللازمة قبل عرضه على مجلسِ الأمة والسيرِ في مراحلِه التشريعيةِ المختلفة.
وتتركز أبرزُ التعديلاتِ المقترحة حول إدراجِ الوصيةِ والتبني ضمن المسائلِ التي تخضعُ للقوانينِ الكنسيةِ للطوائفِ المسيحيةِ المعترفِ بها في المملكة، وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاشِ حول حدودِ اختصاصِ المحاكمِ الكنسيةِ والمحاكمِ النظامية، ومدى انعكاسِ هذه التعديلاتِ على حقوقِ المواطنين المسيحيين ومستقبلِ ملفاتٍ أخرى ما تزالُ محلَّ نقاش، وفي مقدمتها قضايا الإرث.
وفي هذا السياق، استطلعَ “ملح الأرض” آراءَ عددٍ من المختصين والناشطين والشخصياتِ المجتمعيةِ المسيحية، الذين أجمعوا على أهميةِ الخطوة، مع تفاوتِ وجهاتِ النظر بشأن مدى كفايتِها لتحقيقِ جميعِ المطالبِ التي يطرحُها أبناءُ المكوّنِ المسيحيِّ في الأردن.
ليث نصراوين: التعديلاتُ تُعزِّزُ الخصوصيةَ الدينيةَ وتُوفِّرُ وضوحًا قانونيًّا أكبر
يرى أستاذُ القانونِ الدستوريِّ في كليةِ الحقوقِ بالجامعةِ الأردنية الدكتور ليث نصراوين أن التعديلاتِ المقترحةَ تمثلُ خطوةً تشريعيةً مهمةً في اتجاهِ احترامِ الخصوصيةِ الدينيةِ للطوائفِ المسيحيةِ المعترفِ بها في الأردن، مؤكدًا أن الدستورَ الأردنيَّ كفلَ لهذه الطوائفِ حقَّ إدارةِ شؤونِها الدينيةِ والأحوالِ الشخصيةِ الخاصةِ بأبنائها من خلالِ مجالسِها ومحاكمِها الكنسية.
وقال نصراوين في تصريحٍ خاصٍّ لـ”ملح الأرض” إن إدراجَ الوصيةِ والتبني ضمن المسائلِ الخاضعةِ للقوانينِ الكنسيةِ يأتي في إطارِ استكمالِ هذا التوجهِ الدستوريِّ وتوضيحِ نطاقِه بصورةٍ أكثرَ دقة، خاصةً أن هاتين المسألتين ترتبطانِ بشكلٍ مباشرٍ بالبنيةِ الأسريةِ والعقائديةِ للطوائفِ المسيحية.
وأوضح أن أهميةَ التعديلِ لا تقتصرُ على الجانبِ الدينيِّ فحسب، بل تمتدُّ إلى الجانبِ القانونيِّ أيضًا، إذ من شأنِه أن يُحققَ قدرًا أكبرَ من اليقينِ القانونيِّ ويمنحَ أبناءَ الطوائفِ المسيحيةِ وضوحًا أكبرَ فيما يتعلقُ بالجهةِ المختصةِ بالنظرِ في هذه القضايا والقواعدِ القانونيةِ الواجبةِ التطبيقِ عليها.
وأشار إلى أن المشروعَ يُعالجُ إشكالياتٍ كانت تُثارُ أحيانًا بشأنِ تحديدِ المحكمةِ المختصةِ في بعضِ القضايا المرتبطةِ بالوصايا وآثارِها القانونية، لا سيما عندما تتداخلُ الجوانبُ الدينيةُ مع المسائلِ الماليةِ والعقارية. وأضاف أن النصَّ الصريحَ على اعتبارِ الوصيةِ من مسائلِ الأحوالِ الشخصيةِ للطوائفِ المسيحيةِ من شأنِه أن يُقللَ من احتمالاتِ تنازعِ الاختصاصِ أو تضاربِ التفسيراتِ القانونية.
وأكد نصراوين أن التعديلاتِ المقترحةَ تُعززُ الأمنَ القانونيَّ والاستقرارَ التشريعي، من خلالِ توفيرِ قواعدَ أكثرَ وضوحًا للمتقاضين والمحامين والقضاة، الأمرُ الذي يُسهمُ في تقليلِ النزاعاتِ الإجرائيةِ والشكليةِ وتسريعِ إجراءاتِ التقاضي. كما شدد على أن الأهميةَ الحقيقيةَ للتعديلِ تكمنُ في تأكيدِ احترامِ الدولةِ لخصوصيةِ المسيحيين في المسائلِ المرتبطةِ بهويتِهم الدينيةِ والأسرية، مع المحافظةِ في الوقتِ نفسه على وحدةِ المنظومةِ القانونيةِ وسيادةِ أحكامِ الدستور.
اقرأ أيضا: “المفهوم القانوني والواقعي لأحكام الإرث والوصية” ندوة في النادي الأرثوذكسي تناقشُ أبعادَ مشروع قانون الوصيّة والإرث للمسيحيين
نسرين حواتمة: التبنيُ يحملُ بُعدًا إنسانيًّا واجتماعيًّا يستحقُّ الاهتمام
من جهتها، اعتبرت نسرين حواتمة، مؤسسةُ خدمةِ “سندك”، أن إدراجَ قضايا التبني ضمن اختصاصِ المحاكمِ الكنسية يُشكّل أحدَ أبرزِ الجوانبِ الإيجابيةِ في مشروعِ القانونِ المعدل، لما يحملُه من أبعادٍ إنسانيةٍ واجتماعيةٍ تتجاوزُ الإطارَ القانونيَّ البحت.
وقالت حواتمة لـ”ملح الأرض” إن التبني يُمثّل فرصةً للأطفالِ فاقدي الرعايةِ الأسريةِ أو الأيتامِ للنموِّ في بيئةٍ أسريةٍ مستقرةٍ تمنحُهم الحبَّ والأمانَ والانتماء، وهو ما ينسجمُ مع مبدأِ المصلحةِ الفضلى للطفل، الذي يُشكّل أحدَ أهمِّ المبادئِ الإنسانيةِ والاجتماعيةِ المعاصرة.
وأضافت أن أهميةَ هذه الخطوةِ تنعكسُ كذلك على الأسرِ التي لم تتمكن من الإنجاب، إذ تُتيحُ لها فرصةَ اختبارِ مشاعرِ الأبوةِ والأمومةِ واحتضانِ طفلٍ يحتاجُ إلى أسرةٍ ترعاه وتوفّرُ له الاستقرارَ النفسيَّ والاجتماعي.
وفي المقابل، أشارت حواتمة إلى أن عددًا من أبناءِ الكنائسِ المسيحيةِ كانوا يأملون أن تتضمنَ التعديلاتُ معالجةً لقضيةِ الإرثِ أيضًا، باعتبارِها من الملفاتِ التي ما تزالُ تُثيرُ نقاشًا واسعًا داخلَ المجتمعِ المسيحيِّ الأردني.
وترى حواتمة أن التعديلاتِ ستُسهمُ في الحدِّ من حالاتِ التداخلِ في الاختصاصاتِ بين المحاكمِ الكنسيةِ والمحاكمِ النظامية، وستوفّرُ مرجعيةً أوضحَ للمتقاضين والمحاكم، الأمرُ الذي ينعكسُ إيجابًا على استقرارِ الأحكامِ القضائيةِ وسرعةِ الفصلِ في القضايا المتعلقةِ بالأحوالِ الشخصية.
وأكدت أن الآثارَ العمليةَ الكاملةَ لهذه التعديلاتِ ستتضحُ بصورةٍ أكبر بعد استكمالِ مراحلِ إقرارِ القانونِ وصدورِ النصوصِ النهائيةِ وآلياتِ التطبيق، مشددةً على أهميةِ أن تكونَ مصلحةُ الأسرةِ والطفلِ في صُلبِ أيِّ تشريعاتٍ مستقبليةٍ تتعلقُ بهذا المجال.
اقرأ أيضا: ملح الأرض تُقارنُ بين القانون النافذ والتعديلات المُقترحة على الأحوالِ الشخصية للمسيحيين
لينا مشربش: خطوةٌ إيجابيةٌ لكنها لا تزالُ دونَ سقفِ التطلعات
أما رئيسةُ رابطةِ مسيحيي المشرق في الأردن لينا مشربش، فقد وصفت التعديلاتِ بأنها خطوةٌ إيجابيةٌ ومهمة، لكنها في الوقتِ ذاته لا تُلبي جميعَ التطلعاتِ التي يطرحُها أبناءُ المكوّنِ المسيحي، وخاصةً فيما يتعلقُ بملفِّ الإرث.
وقالت مشربش لـ”ملح الأرض” إن هناك حاجةً إلى مراجعةٍ أوسع لبعضِ القضايا المرتبطةِ بالأحوالِ الشخصية، مشيرةً إلى أن عددًا من المواطنينَ المسيحيين كانوا يأملون أن تتضمنَ التعديلاتُ معالجةً لمسألةِ الإرثِ والمطالباتِ المتعلقةِ بالمساواةِ في بعضِ الحقوقِ المرتبطةِ به.
وأضافت أن التعديلاتِ الحاليةَ تمثلُ تقدمًا في اتجاهِ الاعترافِ بصورةٍ أوضح بحقِّ المسيحيين في تنظيمِ شؤونِهم الشخصيةِ وفقَ عقيدتِهم وقوانينِهم الكنسية، وهو ما ينسجمُ مع النهجِ الدستوريِّ الأردنيِّ القائمِ على احترامِ التعدديةِ الدينيةِ والثقافية.
وأوضحت أن المشروعَ جاء نتيجةَ جهودٍ ومطالباتٍ قادتها المرجعياتُ الكنسيةُ ومجلسُ رؤساءِ الكنائس، إلى جانبِ شخصياتٍ وفعالياتٍ مسيحيةٍ مختلفة، معتبرةً أن ذلك يعكسُ حالةً من التوافقِ حول أهميةِ تطويرِ التشريعاتِ المتعلقةِ بالأحوالِ الشخصيةِ للمسيحيين.
وأكدت مشربش أن التعديلَ من شأنِه أن يُزيلَ جانبًا من الغموضِ الذي كان يُحيطُ ببعضِ المسائل، وخاصةً الوصيةَ والتبني، وأن يُحددَ بصورةٍ أوضح اختصاصَ كلٍّ من المحاكمِ الكنسيةِ والمحاكمِ النظامية، بما يُحققُ مزيدًا من الوضوحِ والعدالة.
وفيما يتعلقُ بمشروعِ نظامِ الخبرةِ أمام المحاكمِ النظاميةِ لسنةِ 2026، أشادت مشربش بالإصلاحاتِ المقترحة، معتبرةً أنها ترفعُ من مستوى المهنيةِ والكفاءةِ والشفافية، وتُعززُ من دورِ الخبراءِ في خدمةِ العدالةِ وتحقيقِ النزاهةِ والحيادِ في العملِ القضائي.
هيثم عريفج: التعديلاتُ تفتحُ البابَ أمامَ تنظيمِ الوصيةِ والتبني ضمن المرجعيةِ الكنسية
بدوره، أكد المحامي هيثم عريفج أن التعديلاتِ المقترحةَ تمثلُ تطورًا مهمًّا في مسارِ تنظيمِ قضايا الأحوالِ الشخصيةِ للمسيحيين، موضحًا أن المشروعَ يفتحُ البابَ أمامَ إقرارِ تشريعاتٍ أكثرَ وضوحًا تتعلقُ بالوصيةِ والتبني ضمن المرجعيةِ الكنسية.
وقال عريفج في تصريحٍ خاصٍّ لـ”ملح الأرض” إن من أبرزِ النتائجِ المتوقعةِ للتعديلِ إتاحةَ المجالِ أمامَ تنظيمِ الوصيةِ وفقَ الأطرِ التي ستحددُها المجالسُ الكنسيةُ المختصة، بحيثُ تصبحُ هذه المسائلُ جزءًا من المنظومةِ التشريعيةِ الخاصةِ بالأحوالِ الشخصيةِ للمسيحيين.
وأضاف أن كلَّ مجلسٍ من مجالسِ الطوائفِ المسيحيةِ سيكونُ معنيًّا بوضعِ التشريعاتِ والقواعدِ التي تُنظمُ هذه القضايا وفقَ خصوصيةِ كلِّ كنيسةٍ وأحكامِها الكنسية، وهو ما يمنحُ هذه المؤسساتِ دورًا أكبرَ في إدارةِ شؤونِ أبنائِها ضمنَ الإطارِ القانونيِّ المعتمد.
وأشار إلى أن المشروعَ ما يزالُ في بداياتِ رحلتِه التشريعية، إذ ينتظرُ المرورَ بمراحلِه الدستوريةِ المختلفةِ داخلَ مجلسِ الأمةِ قبلَ أن يصبحَ نافذًا، متوقعًا أن تشهدَ الفترةُ المقبلةُ نقاشاتٍ موسعةً حولَ تفاصيلِه وأبعادِه القانونيةِ والاجتماعية.
وأكد عريفج أن هذه التعديلاتِ تمثلُ خطوةً إيجابيةً تمنحُ المسيحيين مساحةً أوسعَ في تنظيمِ بعضِ قضاياهم الشخصيةِ وفقَ معتقداتِهم الدينية، معتبرًا أنها تعكسُ استمرارَ النهجِ الأردنيِّ القائمِ على احترامِ التنوعِ الدينيِّ وتعزيزِ الشراكةِ الوطنيةِ بينَ مختلفِ مكوناتِ المجتمع.
بين الترحيب والمطالبة بالمزيد
وعلى الرغمِ من اختلافِ الزوايا التي تناولت منها الشخصياتُ التي تحدثت إلى “ملح الأرض” مشروعَ القانونِ المعدل، إلا أنها أجمعت على أن التعديلاتِ المقترحةَ تُشكّلُ خطوةً مهمةً نحوَ تعزيزِ الوضوحِ القانونيِّ واحترامِ الخصوصيةِ الدينيةِ للمسيحيين في الأردن.
وفي الوقتِ الذي رحب فيه المتحدثون بإدراجِ الوصيةِ والتبني ضمن المسائلِ الخاضعةِ للقوانينِ الكنسية، برزت مطالباتٌ باستمرارِ الحوارِ حولَ ملفاتٍ أخرى، وفي مقدمتها الإرث، بما يُحققُ مزيدًا من التطويرِ للتشريعاتِ الناظمةِ للأحوالِ الشخصيةِ للمسيحيين.
ومع استمرارِ المشروعِ في رحلتِه التشريعيةِ داخلَ المؤسساتِ الدستورية، يبقى النقاشُ مفتوحًا حولَ مستقبلِ هذه التعديلاتِ ومدى قدرتِها على الاستجابةِ لتطلعاتِ أبناءِ الكنائسِ المسيحية، وتحقيقِ التوازنِ بين الخصوصيةِ الدينيةِ ومتطلباتِ التطورِ التشريعيِّ في الدولةِ الأردنيةِ الحديثة.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!