
السابق شخصيات قانونية ومجتمعية تؤكد لـ”ملح الأرض” أهمية تعديلات قانون مجالس الطوائف المسيحية وتدعو إلى استكمال الإصلاحات المرتبطة بالأحوال الشخصية

كتب: الدكتور عدلي قندح
بدايةً، لا بد من التأكيد على الاحترام الكبير لمعالي الأخ والصديق العزيز الدكتور نوفان العجارمة، أحد أبرز فقهاء القانون الدستوري والإداري في الأردن، والذي يثري الحياة القانونية والفكرية دائماً بآراء عميقة وجديرة بالنقاش والتأمل. وما أطرحه هنا لا يأتي من باب المجادلة، بل من باب إثراء الحوار حول قضية وطنية ودستورية ومجتمعية مهمة تستحق الاستماع إلى مختلف وجهات النظر.
لقد أثار معاليه مجموعة من الملاحظات القانونية المهمة على صفحته على الفيسبوك. إلا أنني أرى أن ثمة قراءة أخرى للنصوص الدستورية وللتعديلات المقترحة قد تقود إلى نتائج مختلفة، بل وربما تبرر المضي قدماً بما قدمته الحكومة ومجلس رؤساء الكنائس.
أولاً: فيما يتعلق بالإطار الدستوري لاختصاص مجالس الطوائف
ينطلق الطرح الوارد في المقال من فرضية أن اختصاصات مجالس الطوائف الدينية قد حُددت حصراً بصورة جامدة ونهائية منذ تأسيس الدولة، وأن أي إضافة جديدة تشكل خروجاً على الدستور. غير أن هذه الفرضية قابلة للنقاش.
فالدستور الأردني لم يضع قائمة تفصيلية مغلقة لمسائل الأحوال الشخصية الخاصة بالطوائف المسيحية، بل اعترف بوجود هذه الطوائف وبحقها في إدارة شؤونها الدينية والأسرية والشخصية وفق أنظمتها الخاصة. وبالتالي فإن السؤال الحقيقي ليس: هل أضيف اختصاص جديد؟ بل: هل الموضوع المضاف يدخل أصلاً ضمن مفهوم الأحوال الشخصية للطائفة المعنية أم لا؟
وهنا تظهر أهمية التعديل الدستوري لعام 2011، الذي لم يكن مجرد تعديل شكلي، بل حمل دلالة دستورية واضحة مفادها أن المشرع الدستوري أدرك وجود خصوصيات مسيحية قد لا تكون مطابقة تماماً لمفهوم الأحوال الشخصية المطبق في المحاكم الشرعية. ولو أراد الدستور مساواة المفهومين بصورة مطلقة لما كانت هناك حاجة أصلاً إلى هذا التعديل.
ثانياً: هل التبني خارج عن العقيدة المسيحية؟
أعتقد أن هذه النقطة تمثل جوهر الخلاف. فالسؤال ليس هل التبني مذكور في العقيدة المسيحية بوصفه سراً كنسياً أو عقيدة إيمانية، بل هل يشكل جزءاً من النظام الأسري المسيحي الذي تعترف به الكنائس التقليدية؟ الواقع أن مفهوم التبني حاضر في التراث المسيحي والكنسي منذ قرون طويلة، وهو ليس مفهوماً مستورداً من التشريعات الغربية الحديثة كما يعتقد البعض.
بل إن فكرة احتضان اليتيم ورعايته وإدماجه الكامل في الأسرة الجديدة تنسجم مع جوهر الرسالة المسيحية القائمة على الرعاية والمحبة واحتضان الضعفاء. كما أن العديد من الكنائس التاريخية في العالم تمارس التبني ضمن أطر قانونية وقضائية معروفة منذ عقود طويلة دون أن يعتبر ذلك خروجاً على العقيدة أو النظام العام.
والأهم من ذلك أن إدراج التبني ضمن اختصاص المحاكم الكنسية لا يعني بالضرورة الاعتراف بتبعاته القانونية بصورة مطلقة أو غير منظمة، وإنما يعني منح المرجعية المختصة صلاحية تنظيمه وفق ضوابط قانونية وتشريعية محددة.
ثالثاً: القول بأن مفهوم الأحوال الشخصية للمسيحيين يجب أن يطابق مفهوم الأحوال الشخصية للمسلمين
هذه الفرضية تحتاج إلى مراجعة دقيقة. فلو كان المقصود الدستوري هو التطابق التام بين المفهومين، لما نص الدستور أصلاً على وجود مجالس طوائف دينية مستقلة. إن فلسفة الاعتراف الدستوري بالتعددية الدينية تقوم على احترام الخصوصية لا على إلغائها.
ولهذا فإن وجود مسائل أسرية أو شخصية تختلف من حيث التنظيم بين الطوائف المسيحية وبين المحاكم الشرعية لا يشكل بالضرورة مخالفة دستورية، بل قد يكون تعبيراً عن فلسفة التعددية التي كرسها الدستور نفسه.
رابعاً: فيما يتعلق بالغموض التشريعي
قد أتفق نسبياً مع معالي الدكتور نوفان بأن النص المقترح قد يثير أسئلة عديدة. لكن وجود أسئلة بحاجة إلى تنظيم لا يعني رفض المبدأ من أساسه.
فالتشريعات الكبرى غالباً ما تبدأ بإقرار المبدأ ثم تُستكمل لاحقاً بالأنظمة والتعليمات واللوائح التنفيذية. ولو أخذنا بمنطق رفض أي نص لأنه لا يجيب مسبقاً عن جميع التفاصيل التطبيقية، لتعذر إقرار معظم التشريعات الحديثة. والحل هنا ليس إسقاط النص، وإنما استكماله بنظام أو تعليمات تفصيلية تعالج جميع الحالات التي أشار إليها المقال.
خامساً: الأسئلة المتعلقة بالتبني
الحقيقة أن معظم الأسئلة التي طرحها معاليه مشروعة ومهمة، لكنها في الوقت نفسه تمثل حججاً لتنظيم التبني لا حججاً لمنع تنظيمه. فوجود تساؤلات حول العمر والنسب والجنسية والدراسة الاجتماعية وحقوق الطفل والآثار القانونية لا يعني استحالة التنظيم، بل يؤكد الحاجة إلى إطار تشريعي متكامل يجيب عن هذه الأسئلة. وهذا ما فعلته عشرات الدول التي سبقتنا في هذا المجال. فالمشرع لا يمتنع عن معالجة قضية اجتماعية وإنسانية بسبب تعقيدها، وإنما يضع الضوابط الكفيلة بضبطها.
سادساً: فيما يتعلق بالوصية
يثير المقال تخوفاً من إمكانية استخدام الوصية للإضرار بالمرأة أو حرمانها من الميراث.
وهذا تخوف مشروع من الناحية النظرية.
لكن من الناحية العملية فإن أي نظام قانوني حديث يستطيع وضع قيود وضمانات تحول دون إساءة استخدام الوصية، كما هو الحال في العديد من الأنظمة القانونية المقارنة.
ثم إن احتمال إساءة استخدام الحق لا يؤدي إلى إلغاء الحق ذاته، وإلا لوجب إلغاء كثير من التصرفات القانونية الأخرى التي قد يساء استخدامها.
كما أن التوسع في حرية الوصية لا يعني بالضرورة الانتقاص من حقوق المرأة، بل يمكن أن يشكل أداة لتعزيز العدالة الاجتماعية إذا اقترن بضمانات قانونية مناسبة.
سابعاً: النظام العام الأردني
أختلف مع ما ورد من أن التعديل قد يقود مستقبلاً إلى إدخال موضوعات لا يقبلها النظام العام الأردني. فالنظام العام ليس مفهوماً نظرياً مفتوحاً بلا حدود، وإنما توجد مؤسسات دستورية وتشريعية وقضائية تملك صلاحية الرقابة على أي تشريع أو تطبيق يخالف الدستور أو الثوابت الوطنية. وبالتالي فإن مجرد التخوف من احتمالات مستقبلية لا يكفي لرفض تعديل تشريعي مطروح اليوم.
ثامناً: القراءة الأوسع للمصلحة الوطنية
في تقديري أن القضية لا تتعلق فقط بالتبني أو الوصية. بل تتعلق بمدى قدرة الدولة الأردنية على تطوير منظومتها القانونية بما يعكس احترام التعددية الدينية التي شكلت دائماً أحد عناصر قوة النموذج الأردني.
فالأردن لم يكن يوماً دولة تقوم على فرض نموذج قانوني واحد على جميع مكوناته الدينية، بل قام على مبدأ التعايش واحترام الخصوصيات الدينية ضمن إطار الوحدة الوطنية وسيادة القانون.
ومن هذا المنطلق، فإن منح الطوائف المسيحية مساحة أوسع لتنظيم بعض شؤونها الأسرية والشخصية ضمن إطار دستوري وقانوني واضح لا ينبغي النظر إليه باعتباره تهديداً للنظام العام، بل باعتباره تعبيراً عن نضج الدولة وثقتها بمؤسساتها الدستورية وقدرتها على إدارة التنوع واحترام الخصوصيات.
ويبقى الأمر في النهاية محل اجتهاد مشروع ونقاش وطني وقانوني محترم، لكنني أميل إلى أن معالجة ما قد يعتري النص من غموض أو نقص تشريعي تكون بالتطوير والاستكمال والتجويد، لا بإغلاق الباب أمام فكرة قد تعالج احتياجات حقيقية قائمة منذ سنوات طويلة داخل المجتمع المسيحي الأردني.
مع خالص التقدير والمحبة لمعالي الأخ والصديق العزيز الدكتور نوفان العجارمة، ولجميع الآراء القانونية التي تثري هذا الحوار الوطني الراقي.
اقرأ أيضا: د. نوفان العجارمة: مشروع تعديل قانون الطوائف المسيحية يثير أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!