Skip to content

لسنا طائفةً تبحثُ عن حارسٍ – مقالُ رأي

تاريخ النشر: يونيو 6, 2026 9:42 م
المهندس فارس سلايطة

المهندس فارس سلايطة

بقلم المهندس فارس سلايطة

أثارَ اللقاءُ الأخيرُ بينَ بطريركِ القدسِ والرئيسِ الأميركيِّ دونالد ترمب جدلًا واسعًا، ليسَ بسببِ حقِّ الكنائسِ في الدفاعِ عن مقدساتِها ووجودِ أبنائِها، فهذا حقٌّ مشروعٌ لا جدالَ فيه، بل بسببِ اللغةِ السياسيةِ التي قد تُفهمُ من مثلِ هذهِ اللقاءاتِ حينَ تُطرحُ قضيةُ “حمايةِ المسيحيين” على طاولةِ القوةِ الأعظمِ في العالمِ.

المشكلةُ هنا ليستْ في النوايا، بل في الرمزيةِ والخطابِ.

فمسيحيو الشرقِ لم يكونوا يومًا جاليةً وافدةً تبحثُ عن كفيلٍ سياسيٍّ، ولا أقليةً طارئةً تحتاجُ إلى ختمِ حمايةٍ من عاصمةٍ بعيدةٍ. إنهم أبناءُ هذهِ الأرضِ قبلَ كثيرٍ من حدودِها الحديثةِ بقرونٍ، وشركاءُ أصيلونَ في صناعةِ تاريخِها وثقافتِها ولغتِها ووجدانِها. وفي الأردنِّ وفلسطينَ وسوريا ولبنانَ ومصرَ والعراقِ، لم يكنْ حضورُهم نتاجَ حمايةٍ خارجيةٍ، بل ثمرةَ تجذرٍ عميقٍ في الأرضِ والمجتمعِ والدولةِ.

ولهذا، فإنَّ أخطرَ ما قد يُصيبُ المسيحيَّ الشرقيَّ ليسَ الاضطهادَ المباشرَ فقط، بل تحويلُهُ – ولو دونَ قصدٍ – إلى “ملفِّ أقلياتٍ” مرتبطٍ بالخارجِ. لأنَّ المنطقةَ، بتاريخِها المثقلِ بالتدخلاتِ الأجنبيةِ، شديدةُ الحساسيةِ تجاهَ أيِّ خطابٍ يوحي بأنَّ فئةً من أبنائِها تستقوي بقوةٍ دوليةٍ أو تطلبُ وصايةً سياسيةً من وراءِ البحارِ.

لقد دفعَ مسيحيو الشرقِ أثمانًا باهظةً عبرَ التاريخِ كي يبقوا جزءًا طبيعيًا من مجتمعاتِهم، لا جسمًا منفصلًا عنها. ولذلكَ كانَ ذكاؤُهم التاريخيُّ قائمًا على الاعتدالِ، والشراكةِ، والانخراطِ العميقِ في أوطانِهم، لا على بناءِ علاقةِ حمايةٍ مع الغربِ. بل إنَّ قوةَ المسيحيينَ الحقيقيةَ لم تكنْ يومًا في الأساطيلِ الأجنبيةِ، وإنما في المدارسِ والمستشفياتِ والجامعاتِ والثقافةِ والإدارةِ والجيشِ والاقتصادِ والعملِ الوطنيِّ المشتركِ.

ومن هنا، فإنَّ الإشكاليةَ في هذا النوعِ من الخطابِ – مهما حسنتِ النوايا – لا تكمنُ في الدفاعِ عن المقدساتِ أو المطالبةِ بحريةِ العبادةِ، بل في المرجعيةِ السياسيةِ التي يُوجَّهُ إليها هذا الخطابُ، والطريقةِ التي قد يُفهمُ بها داخلَ الوعيِ الجمعيِّ في المنطقةِ. فحينَ يُطرحُ ملفُّ “حمايةِ المسيحيين” أمامَ واشنطنَ تحديدًا، فإنَّ كثيرينَ لن يقرؤوا المشهدَ باعتبارِهِ دفاعًا عن الحرياتِ الدينيةِ بقدرِ ما سيرونَهُ عودةً إلى صورةِ “الأقلياتِ التي تبحثُ عن حمايةِ الخارجِ”، وهي صورةٌ أضرتْ تاريخيًا بمسيحيي الشرقِ أكثرَ مما أفادتْهم.

والمشكلةُ هنا ليستْ في التواصلِ الدوليِّ بحدِّ ذاتِهِ، ولا في استخدامِ القنواتِ الدبلوماسيةِ للدفاعِ عن حريةِ العبادةِ أو حمايةِ المقدساتِ، فهذا حقٌّ تمارسُهُ دولٌ ومؤسساتٌ وجماعاتٌ دينيةٌ في كلِّ أنحاءِ العالمِ. لكنَّ الخطورةَ تبدأُ حينَ يتحولُ المسيحيُّ الشرقيُّ – ولو رمزيًا – من شريكٍ أصيلٍ في وطنِهِ إلى جماعةٍ تُعرَّفُ سياسيًا عبرَ حاجتِها إلى حمايةِ الخارجِ.

ثمَّ إنَّ السؤالَ الأعمقَ يبقى مطروحًا: هل كانتِ التدخلاتُ الغربيةُ في المنطقةِ سببًا في استقرارِ شعوبِها أصلًا؟

فالمنطقةُ لم تعرفْ في تاريخِها الحديثِ تدخلًا دوليًا واسعًا إلا ودفعتْ أثمانًا باهظةً من الاستقرارِ والنسيجِ الاجتماعيِّ والسيادةِ الوطنيةِ. ومعَ كلِّ موجةِ صراعٍ وفوضى وانهيارٍ، كانتِ الهجرةُ المسيحيةُ تتسارعُ أكثرَ، لا العكسَ. ولذلكَ فإنَّ كثيرينَ في المشرقِ باتوا يرونَ أنَّ المطلوبَ من الغربِ ليسَ مزيدًا من “الحمايةِ”، بل قدرًا أكبرَ من الكفِّ عن التدخلِ، وتركِ شعوبِ المنطقةِ تبني استقرارَها بعيدًا عن صراعاتِ النفوذِ والمصالحِ الدوليةِ.

إنَّ المسيحيَّ الشرقيَّ لا يحتاجُ إلى جنديٍّ أجنبيٍّ يحرسُهُ، بل إلى وطنٍ مستقرٍّ، ودولةٍ عادلةٍ، ومجتمعٍ يرى فيهِ شريكًا كاملًا لا مشروعَ جماعةٍ مرتبطةٍ بالخارجِ.

ومن هنا، فإنَّ الخطابَ الأصحَّ والأكثرَ حكمةً ليسَ المطالبةَ بـ “حمايةِ المسيحيين”، بل المطالبةَ بحمايةِ الإنسانِ، والمواطنةِ، وحريةِ العبادةِ، وصونِ المقدساتِ، وسيادةِ القانونِ على الجميعِ. فهذهِ ليستْ مطالبَ طائفةٍ، بل مطالبُ أوطانٍ بأكملِها.

فالقدسُ، مثلًا، ليستْ قضيةً مسيحيةً فحسب، بل قضيةُ عدالةٍ وكرامةٍ وحقٍّ تاريخيٍّ وإنسانيٍّ. والدفاعُ عن الوصولِ الحرِّ إلى كنيسةِ القيامةِ لا ينفصلُ عن الدفاعِ عن حقِّ المسلمِ في الوصولِ إلى المسجدِ الأقصى. أما اختزالُ القضيةِ في خطابِ “حمايةِ طائفةٍ” فإنَّهُ يضرُّ بالمسيحيينَ أكثرَ مما ينفعُهم، لأنَّهُ يفتحُ البابَ أمامَ الشكوكِ والتأويلاتِ والخطاباتِ المتطرفةِ التي لطالما أضرتْ بالنسيجِ المشرقيِّ كلِّهِ.

إنَّ المطلوبَ اليومَ ليسَ استدعاءَ الحماياتِ الخارجيةِ، بل ترسيخُ الدولةِ الوطنيةِ العادلةِ، وتعميقُ مفهومِ المواطنةِ، وتجديدُ الخطابِ المشرقيِّ القائمِ على الشراكةِ لا الخوفِ، وعلى الانتماءِ لا الاستقواءِ.

وفي الحالةِ الأردنيةِ تحديدًا، فإنَّ الحديثَ عن الوصايةِ الهاشميةِ على المقدساتِ الإسلاميةِ والمسيحيةِ يبدو أكثرَ انسجامًا مع تاريخِ المنطقةِ وهويتِها من أيِّ خطابٍ يوحي بالحاجةِ إلى حمايةٍ أجنبيةٍ. فهذهِ الوصايةُ لم تُبنَ على منطقِ الهيمنةِ، بل على فكرةِ الرعايةِ التاريخيةِ وصونِ التوازنِ الدينيِّ والإنسانيِّ في القدسِ.

إنَّ المسيحيَّ الشرقيَّ لا يحتاجُ إلى مَن يمنحُهُ شرعيةَ البقاءِ في أرضِهِ، لأنَّهُ ليسَ ضيفًا عليها أصلًا. وما يحتاجُهُ حقًا هو خطابٌ حكيمٌ لا يضعُهُ – ولو عن غيرِ قصدٍ – في موقعِ مَن ينتظرُ حمايةَ الخارجِ، بل في موقعِ الشريكِ الكاملِ في وطنِهِ وتاريخِهِ ومستقبلِهِ.

فالأوطانُ لا تُبنى بالحماياتِ الطائفيةِ، بل بالثقةِ المتبادلةِ بينَ أبنائِها.

والشرقُ لا يحمي مسيحييه لأنهم أقليّة، بل لأنهم جزء غير قابل للقسمةِ من كيانهِ.

ملح الأرض تنشرُ بعض ردود الفعل على المقال بعد الحصول على موافقة المشاركين فيها

النائب هايل عياش

أبدعت أستاذنا الفاضل نعم اتفق معك بالكامل

الإعلامي نبيل غيشان

أبدعت كالعادة أخي فارس.وكان الأجدر بالبطريرك أن يقدم شهادة الانجيل ويكون صوت المسيحيين في فلسطين وأن يحمل الاحتلال والدعم الغربي لدولة الاحتلال المسؤولية عن ماسي المسيحيين في فلسطين . وجاء  منح الوسام للرئيس  بمثابة شهادة حسن سلوك مع مسيحيي الشرق وهو لا يستحقها.

الشاب حسام المساعدة

لا أرى في اللقاء طلبًا لحماية خارجية، بل تأكيدًا على حضور المسيحيين ودعمًا للأردن ومقدساته ودوره التاريخي. المسيحي الأردني شريك أصيل في وطنه، والوقوف مع الأردن ومؤسساته وقيادته لا يتعارض مع إيصال صوته إلى العالم.

المهندس نضال قاقيش

المسيحيه نشأت وانطلقت من الأردن وفلسطين الى العالم اجمع،،ومن يقراء التاريخ الصحيح والموثق يجد ان كل القبائل وسكان منطقه بلاد الشام والعراق والجزيره العربيه كانوا مسيحيين،ونحن نتكلم عن الفي عام ،،اي ان جذور المسيحيه في هذه المنطقه عميقه ومتجذره ولا تحتاج  حمايه احد .

المسيحييون العرب هم أصل المنطقهة ويعيشون مع أهلهم المسلمين بكلّ محبة واحترام وتقدير للدور النهضوي المتميز خلال الحقبة العثمانية. أي تحرك وأي فعاليه لا تكون نابعه من العرب المسيحيين بكل طوائفهم ومعتقداتهم هي حركه عرجاء ومعاقه لا ولن تمثل رأيهم.

يزن ملكونيان

قبل التوجّه إلى الغرب لطلب حماية الحضور المسيحي في الشرق الأوسط ومنع تفريغه، كان الأولى ترميم البيت الداخلي للجسد المسيحي في منطقتنا. أقول الصدق بالمسيح، من الأسباب التي جعلتني أنا وزوجتي نناقش بجدية موضوع الهجرة من هذه البلاد، ما نشعر به كإنجيليين من تضييق وإقصاء داخل البيت المسيحي نفسه.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment