
السابق الأنتخابات الأمريكية تظهر تراجع توغل الدين في السياسة وزيادة أهمية القيم والأخلاق في السياسة

بقلم الاب جورج شرايحه
منذ فجر انطلاقها، قامت المسيحية على وصية مؤسسها يسوع المسيح الرامية إلى الوحدة الإنسانية والروحية، حين قال في صلاته الوداعية: “كونوا واحداً”. لم تكن هذه الكلمات مجرد شعار، بل كانت بمثابة الحجر الأساس والمنهج الوجودي شهادة حية تنبذ الفرقة وتجمع القلوب على المحبة والسلام.
في تلك العصور الأولى، عاش المؤمنون ببساطة تامة؛ جسداً واحداً، يتقاسمون الخبز والرجاء، متجاوزين الفوارق العرقية والاجتماعية تحت مظلة إيمان مشترك لا يعرف الحدود.
إلا أن أمواج المتغيرات السياسية والتحولات التاريخية العاتية لم تلبث أن ألقت بظلالها الثقيلة على المؤسسات الكنسية.
ومع اتساع رقعة انتشار الإيمان وتحوله إلى دين إمبراطوري، بدأت حسابات النفوذ والسلطة تتسلل إلى أروقة الكنائس.
الأمر الذي أسفر عن انشقاقات وانقسامات باعدت بين المؤمنين، ورسمت حدوداً بشرية وجغرافية اصطناعية بين أبناء العقيدة الواحدة.
عبر القرون، تحولت الصراعات بين الإمبراطوريات والمصالح الجيوسياسية إلى أداة لتسييس الفكر اللاهوتي. فمن الانقسامات المبكرة التي تلت المجامع المسكونية (كمجمع خلقيدونية)، إلى الانشقاق العظيم بين الشرق والغرب عام 1054، وصولاً إلى حركات الإصلاح في الغرب خلال القرن السادس عشر؛ تداخلت طموحات الملوك والأباطرة مع الشؤون الإدارية للكنيسة. ونتيجة لذلك، تفتت الجسد الواحد إلى عائلات طائفية ومذاهب متعددة، وغابت الصلاة المشتركة خلف أسوار الهياكل، وحلت الخلافات الطقسية والقانونية محل الوحدة الروحية الأولى.
باعتقادي الشخصي ان الخلاف العقائدي كان ذريعة تبيح الانقسام وان أشخاص بعينهم هم من كانوا وراء ذلك
معشر المسيحيين لم تكن تعنيهم تفسيرات الرؤساء بقدر ما عناهم كلام السيد المسيح في الإنجيل وأن مصدر الانبثاق للروح من الأب أو من الأب والابن ووجود المطهر أو عدمه ونزاهة العذراء مريم من دنس الخطيئة الأصلية وشفاعة القديسين كلها مسائل عقائدية حتى اليوم مازال زعماء الطوائف يستخدموها لتبرير عدم الاعتراف باستقامة ايمان الآخر.
ولكن، إذا ترفعنا عن الخلافات التاريخية ونظرنا بعمق نجد أن هذه الانقسامات – في جوهرها – هي تأويلات وتفسيرات بشرية، ولا تمس جوهر الإيمان بشخص السيد المسيح الثابت. فالمسيحي، سواء كان أورثوذكسياً، كاثوليكياً، أو بروتستانتياً، يستند إلى النبع نفسه.
الشرق والغرب يتلوان الإنجيل ذاته، يشهدان للقيم الأخلاقية الرفيعة ذاتها. الفوارق الحقيقية هي في طريقة التعبير عنها، وفي الطقوس والتقاليد الدستورية الكنسية التي تبلورت تحت ظروف بيئية وثقافية مختلفة. هنا تذوب الفوارق الطقسية؛ فالجميع يلتقون عند المعين الروحي نفسه، والوصية القصوى تظل دائماً هي “المحبة”.
إن العودة إلى الجذور تفرض علينا اليوم تفعيل حقيقة أننا “كلنا مسيحيون” فوق أي مسمى فرعي، أو تصنيف مذهبي، أو إرث تاريخي مثقل بالخلافات. إنها دعوة صادقة إلى مسيرة مسكونية وجدانية، لا تهدف بالضرورة إلى إلغاء الخصوصيات لكل كنيسة، بل إلى إدراك أن التنوع هو مصدر غنى وجمال وليس سبباً للتباعد والعداء.
عندما نضع وصية المسيح “كونوا واحداً” فوق كل اعتبار مؤسساتي، ونركز على ما يجمعنا من إيمان بالخالق، وخدمة للمحتاج، ونشر لثقافة السلام، نكون قد بدأنا بالفعل في تحقيق مشيئة التأسيس الأولى. حينها فقط، يستعيد المؤمنون صورتهم الحقيقية: شهوداً حقيقيين للحق، ينبضون بقلب واحد تحت عنوان عريض وثابت: كلنا مسيحيون.
ليكونوا واحداً وردت في إنجيل يوحنا 5 مرات، وجميعها جاءت في الإصحاح السابع عشر (يوحنا 17) ضمن “الصلاة الوداعية” للسيد المسيح.
الشواهد بالتفصيل:
* يوحنا 11:17 – “…أَيُّهَا الآبُ الْقُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا نَحْنُ.”
* يوحنا 21:17 – “لِيَكُونَ الْجَمِيعُ وَاحِداً، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً وَاحِداً فِينَا…”
* يوحنا 22:17 – “وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ الْمَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِداً كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ.”
* يوحنا 23:17 – “أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ…”


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!