
السابق من شهداء الكرك إلى شهيد عمّان، الدم الأردني واحد- من نشرة ملح الأرض رقم 255

بقلم: داود كُتّاب
مترجم عن الوس انجليزتيمز Los Angles Times
على مدى أربعة عقود تقريباً، وتحديداً منذ ظهور حركة «الأغلبية الأخلاقية» (Moral Majority) عام 1979، ارتبط مصطلح «الدين في السياسة» بالقومية المسيحية البيضاء والحروب الثقافية. لكن هذا الأسبوع، ومع انتهاء أغلى دورة انتخابية في التاريخ (حيث قُدّرت التكلفة بنحو 13 مليار دولار)، بات واضحاً أن الجمهور الأمريكي بدأ أخيراً في التشكيك في أخلاقيات «اليمين المسيحي» والمرشحين الذين دعمهم، وعلى رأسهم -بشكل مثير للجدل- الرئيس ترامب.
وفي استطلاعات رأي متتالية، وُجّهت انتقادات لإدارة ترامب -التي حظيت بدعم اليمين المسيحي- بسبب قضايا الفساد أكثر من انتقادها لسياساتها الاقتصادية الفاشلة.
وقد ذكّر المرشحون الأمريكيون في انتخابات التجديد النصفي -سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين أو يهوداً أو ممن لا يعتنقون ديانة معينة- الناخبين بمبدأ فصل الدين عن الدولة. ففي ولاية تكساس، عارض السيناتور المنتخب جيمس تالاريكو -وهو طالب في معهد لاهوتي، ونجح في إنهاء فترة جفاف انتخابي للحزب الديمقراطي استمرت 32 عاماً- ما أسماه «التدين الزائف» لدى الجمهوريين، وذلك حين سعى اليمين لفرض تعاليم يهودية-مسيحية، مثل «الوصايا العشر»، داخل المدارس العامة.
وفي ولاية ميشيغان، ورداً على الضغوط التي واجهها بسبب معتقده الديني، ذكّر المرشح المسلم لعضوية مجلس الشيوخ، عبد الرحمن السيد، الناخبين بما قاله الرئيس جون كينيدي عندما أثيرت تساؤلات حول ما إذا كان كونه كاثوليكياً في البيت الأبيض يعني تلقيه أوامر من البابا. حينها، أكد كينيدي أنه أمريكي يسعى للرئاسة، وصادف أنه كاثوليكي. وبالمثل، صرّح عبد الرحمن السيد -الذي سيصبح أول أمريكي مسلم يدخل مجلس الشيوخ الأمريكي- بأنه أمريكي يسعى لتمثيل ولاية ميشيغان في المجلس، وصادف أنه مسلم.
في ولاية كانساس، تمكّن آدم هاميلتون -وهو لاهوتي وراعي كنيسة “القيامة” (Church of the Resurrection) في منطقة كانساس سيتي- من هزيمة السيناتور الجمهوري الحالي روجر مارشال. ويُعد هاميلتون أول ديمقراطي يفوز بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية كانساس منذ 94 عاماً، أي منذ عام 1932. وقد صرّح علناً بإيمانه بالتعديل الأول للدستور ومبدأ فصل الدين عن الدولة، مؤكداً أنه في حال انتخابه لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، فإن دوره سيقتصر على “دفاعه عن الدستور والعمل من أجل جميع سكان كانساس، لا أن يكون راعياً دينياً للمجلس أو يفرض قواعد دينية على الحكومة”.
وينسحب هذا التوجه أيضاً على السباقات الانتخابية المحلية؛ ففي مدينة نيويورك العام الماضي، حقق زهران ممداني فوزاً ساحقاً في الانتخابات التمهيدية والعامة، وذلك من خلال رفضه إخضاع المرشحين السياسيين لاختبارات دينية. وقد عبّر عن موقفه قائلاً: “لا يمكنني أن أعلن دعمي لدولة -سواء كانت إسرائيل أو المملكة العربية السعودية أو غيرهما- تمنح امتيازات لدينٍ بعينه على حساب أديان أخرى”، داعياً بدلاً من ذلك إلى حياد الدولة وضمان حقوق متساوية للجميع بغض النظر عن معتقداتهم.
وقد ذكّرت مواقف هؤلاء السياسيين ناخبيهم بما ينص عليه الدستور الأمريكي بشأن العلاقة بين الدين والسياسة؛ إذ تنص المادة السادسة، الفقرة الثالثة، على أنه “لا يجوز اشتراط أي اختبار ديني كشرط لتولي أي منصب عام، سواء على المستوى الفيدرالي أو على مستوى الولايات”.
وعلى صعيدٍ يتجاوز السياسة الأمريكية، شهد التيار الإنجيلي اليميني -الذي كان يوماً ما حكراً على الدول الغربية ذات الغالبية البيضاء- تحولاً جذرياً في قيادته على المستوى العالمي. ففي العام الماضي، اختير القس بطرس منصور -وهو مواطن فلسطيني من عرب إسرائيل وينتمي للكنيسة المعمدانية- أميناً عاماً لـ “التحالف الإنجيلي العالمي” (World Evangelical Alliance)، الذي يضم في عضويته 650 مليون شخص. كما انتُخب القس اللبناني المعمداني تشارلي كوستا رئيساً لـ “الاتحاد المعمداني الأوروبي”، بينما انتُخبت الأردنية ربى ريحاني عباسي نائبةً أولى لرئيس قسم النساء في “التحالف المعمداني العالمي”.
ورغم إصرارهم على فصل الدين عن السياسة، لم يتردد هؤلاء جميعاً في تناول القضايا الأخلاقية؛ ففي ولاية تكساس، استشهد تالاريكو بنصوص من الكتاب المقدس في خطاب فوزه، مؤكداً أن المسيحيين مدعوون لمحبة الله ومحبة جيرانهم. صرح السيد، وهو سياسي من ولاية ميشيغان، بأن عقيدته تؤكد على مبادئ مثل قول الحقيقة — حتى وإن كانت ضد مصلحة المرء نفسه — ورعاية الفئات الضعيفة؛ وهي مبادئ تتماشى مع دعوته إلى تعزيز الصحة العامة، وتوفير الرعاية الصحية الشاملة (مثل نظام “الرعاية الطبية للجميع” – Medicare for All)، ومعالجة التفاوت الاقتصادي. ويؤكد السيد أن إيمانه الإسلامي يوجه التزامه بخدمة الله ومساعدة جيرانه. وفي إعلانات حملته الانتخابية وخلال ظهوره العلني، يصف السيد نفسه بأنه “رجل مؤمن” يواظب على الصلاة يومياً، ويرى في خلفيته الدينية دافعاً جوهرياً لعمله في الخدمة العامة.
يطرح ممداني -الذي ربما يُعدّ اليوم الشخصية الأكثر شعبية في الحزب الديمقراطي الأمريكي- رؤيةً للعلاقة بين الدين والسياسة، تربط بين إيمانه الإسلامي وقيم العدالة الاجتماعية التقدمية، والتعددية، وحقوق المواطنة الشاملة، بعيداً عن أي نموذج لنظام ثيوقراطي (ديني). ويضع ممداني فصلاً واضحاً للأدوار بين الدين والدولة؛ إذ يرى أن الإيمان يقدّم البوصلة الأخلاقية لرعاية الفئات الضعيفة، بينما توفر الحكومة الموارد المادية اللازمة لتنفيذ هذه الرعاية. وبدلاً من الحكم من خلال منظور ديني أحادي، يعتمد ممداني إطاراً يقوم على التعددية الدينية؛ حيث ضمّت إدارته قادةً من أديان متنوعة -بوذيين، وسيخاً، وهندوساً، ويهوداً، ومسيحيين، ومسلمين- في لجان استشارية لتنسيق الخدمات الاجتماعية القاعدية، ومبادرات الإسكان، وتعزيز السلامة المجتمعية.
أما هاميلتون، الذي شغل سابقاً منصب القس التنفيذي لأكبر كنيسة ميثودية متحدة في أمريكا، فيؤكد أنه يواظب على الصلاة يومياً ويحتفظ بنسخة من “العهد الجديد” في جيبه. وهو لا يجد حرجاً في إعلان إيمانه المسيحي. ورغم كونه عضواً مسجلاً في الحزب الجمهوري حتى هذا العام، فإنه يستند في مواقفه السياسية الوسطية إلى تعاليم السيد المسيح -لا سيما كما وردت في الأناجيل- مؤكداً على التوجيهات الكتابية بضرورة رعاية الفقراء، وإطعام الجياع، وكسوة العراة، والترحيب بالمهاجرين.
وعلى النقيض من أتباع حركة “الأغلبية الأخلاقية” (Moral Majority) التي ظهرت عام 1979، وغيرهم من الحركات المسيحية اليمينيةالدينية فقد عارض هاميلتون علناً “القومية المسيحية”. ويرى أن القيم الكتابية الحقيقية تتمحور حول العدالة، والإنصاف، وخدمة المجتمع، ورأب الصدع السياسي، بدلاً من الادعاءات الحزبية أو الإقصائية بالحصول على “رضا إلهي” خاص.
قد تكون انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة قد أعلنت النهاية العلنية لحركة “الأغلبية الأخلاقية” اليمينية، لكنها لم تُلغِ الحاجة إلى وجود الأخلاق، والنزاهة، والقيم المستمدة من الدين في العمل السياسي.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!