
السابق شخصياتٌ مسيحيّةٌ تؤكدُ أصالة الوجود المسيحي في الأردن ودوره في بناءِ الدولة

بقلم: بدر منصور
بدأت الشُّعلة الإنجيلية في شرق الأردن في عام 1926 عندما حدث نزاع بين فئات من عشيرة الفاخوري في بلدة السّلط، حيث قام أشخاص من أحد الأطراف المتنازعة بالتوجّه إلى القدس للبحث عن إمكانية انضمامهم إلى طائفة مسيحيّة غير طائفة الروم الأورثوذكس. فالتقوا في القدس مع المُرسلة لورا رادفورد Laura Radford التي كانت مسؤولة عن إرسالية التبشير بالتوراة، والتي كان محور عملها تبشير الجنود الإنجليز. فاقترحت الآنسة رادفورد على الوفد شابًا أمريكيًّا في الثاني والعشرين من عمره يخدم مع إرسالية إنكليزية وخدم قبلها لفترة قصيرة في قرية البصّة في شمال فلسطين، وكان الشاب في تلك الفترة يسكن في بيت الإرسالية ويتعلم العربية. فأعجبوا به، وذهب هذا الشاب، واسمه روي ويتمن، إلى السلط في ذلك العام نفسه.
كان روي ويتمان Roy Whitman من مواليد عام 1904، وهو ابن حفيد الشاعر الأمريكيّ الشهير والت ويتمان وابن مبشر في إفريقيا. وكانت والدة روي إفريقية من الكونجو، ولهذا كان روي أسمر البشرة قريب الشبه بالعرب.
كانت السلط المدينة الرئيسية في شرق الأردن آنذاك، فأسَّس ويتمن فيها مدرسة ابتدائية للأولاد، وبدأ يزور العائلات في البيوت. فبدأت بعض النفوس تعود إلى الربّ بتوبة. وفي وقت لاحق، انضمّ إليه المُبشِّر المصري برنابا نوس، وهو واعظ لامع وكان يجيد العديد من الترانيم، فتعاون مع روي في الخدمة. وفي عام 1929، عقد روي وبرنابا اجتماعات صلاة طوال الليل، فاستجاب الربّ وبدأت قلوب بعض الناس تتغيَّر. انتقل روي إلى عمّان في عام 1930 وهناك كسب آخرين للمسيح، وأسّس أول كنيسة محلية في شرق الأردن في شارع الطلياني. وواصل روي وزملاؤه في الخدمة الصلاة من أجل الانتعاش الكبير الذي كانوا على موعد معه في عام 1933.
وقبل ذلك بسنوات عديدة، وفي عام 1905 تحديدًا، أتى إلى فلسطين الخادم المعروف وليم بوث William Booth قائد “جيش الخلاص” The Salvation Armyوقاد سلسلة من الخدمات التبشيرية، كان إحداها في مدينة يافا الساحلية. ومن بين الأشخاص الذين طلبوا الخلاص بيسوع المسيح في ذلك الاجتماع كانت فتاة في الثانية عشرة من عمرها اسمها حنّه الياس أغابي. آمنت حنه وسلّمت حياتها للمسيح ولكن إيمانها فتر عندما تزوجت وانتقلت لتعيش في شرق الأردن. وعندما تجدّد ابنها ابراهيم على يد القسّ روي ويتمن في عام 1930، انزعجت في بادئ الأمر خوفًا من أن “يختلّ”. إلا ان التغيير الذي حدث في حياة ابنها وجديّته في الإيمان مع زملائه جعلها هي الأخرى تعود إلى الربّ وتواظب على الاجتماعات. وفي ذلك الوقت أيضًا، آمن ابنها البكر سليم. وما لم تكن تعرفه أم سليم أن الربّ اختارها ليقوم بعمل عجيب ويقود الكثيرين للخلاص من خلالها.
وفي عام 1933، ظهرت علامة حمراء على جبين حنّة قعوار (أم سليم) تشبه هذه العلامة طيرًا باسطًا جناحيه، وسميت هذه الحادثة “بالحَدَث العجيب”، وعن تفاصيل ليلة الحدث العجيب الأولى روى سليم بشاره قعوار نجل أمّ سليم هذه التفاصيل:
بينما كنّا جميعنا نيامًا في غرفة واحدة، وكانت الساعة تميل نحو الثانية عشرة من ليلة 3-4 كانون الثاني 1933، فإذا بوالدتي تصرخ. فنهضتُ حالًا، وهكذا أفاق والدي وإخوتي وسمعناها تقول: ‘أعطوا مجدًا للرب، هللويا سبّحوا الله’. فهدّأنا من روعها ظانّين أنها تحلم، ولكنها أكّدت لنا أنها لا تحلم وسألت قائلة: عجبًا أما سمعتم الصوت؟ فها يوجد شيء على جبيني. فلما أشعلنا الضّوء رأينا دمًا موضوعًا على جبينها يقارب شكله طيرًا باسطًا جناحيه على طول الجبين وعرضه، دون أن يمسّ الشَّعر. وعندها ارتعبنا وشعرنا بهيبة خارقة في المكان، فسألناها عمّا جرى فقالت: بينما كنت نائمة إذا بشيء يهزّني من الكتف، فظننته ولدي إميل (عمره خمس سنوات وقد كان نائمًا بجنبها) يريد شيئًا كما عادته عندما يطلب ماءً. ولما نهضت نصف نهوض على ساعدي متكئة فوق الوسادة، إذا بنور عظيم شكله يشبه شخصًا متسربلًا بالنور وفي وسطه وجه إنسان يلمع كالشمس، فخفت جدًا، وقال لي بصوت مسموع تمامًا: “سيحدث ضيق عظيم. لا تخافوا. الرب معكم”. ثم رأيته يمدّ يده فوق العائلة وقال: “فلتكن هذه العائلة مباركة”. ثم مدّ يده الأخرى وكان ممسكًا بكأسٍ تشبه كأس القربان، فغمس أصابعه الثلاث في تلك الكأس ثم قال: “وهذه لكم العلامة” ومرّ بأصابعه على جبهتي فشعرت ببرودة ثم قال: “قفوا وأعطوا مجدًا للرب”. وعندها بدأنا نسبّح الله، وامتلأت قلوبنا فرحًا عجيبًا، وبقينا هكذا حتى الساعة الثانية والنصف تقريبًا. وكان قد حضر على إثر ذلك جيراننا بعد أن أخبرناهم فشاهدوا، وتعجبوا جدًا.

ومن أول ثمار هذه الرؤيا كان تجديد سلمى، الابنة الكبرى لأم سليم، وتقوية إيمان بقية أفراد العائلة. وفي اليوم التالي شاع الخبر العجيب بسرعه أدهشت الجميع. وبدأ الناس يتوافدون زرافاتٍ زرافات ليشاهدوا العلامة، ويتحققوا من صحّة ما سمعوا، وحضر إلى البيت وخلال يومين المئات من الناس إلى أن اختفت العلامة. ويقول شهود العيان إن كل شخص دخل البيت كان يشعر بحضور قويٍّ لروح الربّ ويمتلئ قلبه بالفرح، فتغيّرت حياة كثيرين وعادوا إلى الربّ بتوبة صادقة.
وبعد “الحدث العجيب”، ولمدة شهرين من بداية عام 1934، كانت أمّ سليم تتكلّم بالرّوح القدس وهي نائمة بلغات عديدة منها: الأرمنية والإيطالية والعبرية والفرنسية واليونانية، ولغات أخرى لم تُفهم. وفي معظم الحالات كانت تترجم ما تقوله من إعلانات إلهية إلى العربية جملة فجملة، وكانت في الواقع لا تعرف شيئا من تلك اللغات. وقد كانت تستيقظ صباحًا من دون أن تعلم بما جرى، إلا من أفراد عائلتها. وشهد على هذا أشخاص كانوا حاضرين ويعرفون بعضًا من هذه اللغات بدرجات متفاوتة. وخلال هذه الفترة شهدت أم سليم أنها رأت ملاك الربّ عدة مرات، وظهرت علامة الدم على جبينها عدة مرات أخرى لتختفي بعد أيام. وصاحبَ هذه الظاهرة إعلانات ونبوّات تضمنت تحذيرات وتشجيعات مختلفة.
وكانت نتيجة هذه الأحداث أن كثيرين آمنوا وأن مؤمنين آخرين تشجعوا وثبتوا. وانتقلت الأخبار إلى مدن أردنية وفلسطينية وعربية أخرى، وكتبت عنها المجلات المسيحية. وفي عام 1934، أُسّست كنيسة محلية ثانية في شارع المحطة في عمان.
وفي أيلول 1934، سافر روي ويتمان إلى إنجلترا ليلتقي فتاة أحلامه التي كان يتراسل معها لمدّة تسع سنوات. فتزوج روي من دورا فليتشر في آذار 1935، وكانت الآية التي اختارها راعي كنيسة تانكرتون الحرة ليتأمل فيها في هذه المناسبة هي “ثم قال له إيليا: امكث هنا لأن الربّ قد أرسلني إلى الأردن. فقال حيّ هو الرب وحيّة هي نفسك إني لا أتركك. وانطلقا كلاهما”(ملوك الثاني 8:2). وكما قالت الآية فعلًا، عاد روي مع عروسه دورا ليبدآ خدمة إنجيلية ريادية في شرق الأردن كان لها تأثير كبير لفترة زادت عن نصف قرن من الزّمان.
وصلت الأخبار عن “الحَدَث العجيب” الذي حدث في شرق الأردن في أواخر 1933، والأحداث التي تلته الى فلسطين. فسمع بها شابّ من الناصرة اسمه مجيد الياس قعوار والذي كان يسكن حينذاك في مدينة طبرية. بدأ مجيد يهتمّ بالأمور الروحية بعد أن تعرّف ببعض الأشخاص من أقربائه الذين شاهدوا الحدَث العجيب بشكل شخصيّ. اتصل مجيد بأقربائه في عمان وذهب إليهم في سنة 1937 وهناك تعرّف بعائلة بشارة مطانس قعوار(زوج حنّة قعوار) وتزوج ابنته سلمى، ومن ثم عاد إلى فلسطين واستخدمه الرب في تأسيس كنائس محلية في طبرية وعكا وحيفا والناصرة وكفرياسيف بمعاونة روي ويتمان وساهم في هذه الخدمة خدام مباركين مثل منير حبيبي وسليم شحادة.
ولكن النكبة الفلسطينية في عام 1948 شتّتت معظم المؤمنين في الكنائس المحلية في الجليل، بينما استخدم الرب العديد من الذين لجأوا الى الأردن ولبنان ليشكّلوا نواة خدمات كانت سبب بركة لبلادهم الجديدة التي وصلوا إليها، حيث قادوا خدمات إنجيلية فيها، لتتحقق الآية، “فالذين تشتتوا جالوا مبشرين بالكلمة” (أعمال الرسل 8 : 4).
المقال مستوحى من كتاب “تاريخ الكنائس المعمدانية في الأراضي المقدسة 1867-1950” من تأليف: بدر منصور، الناصرة 2020


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!