
السابق كتاب “مع الموكب” للراحل سمعان عزيز دعيم يعود بطبعته الثانية بعد أكثر من 65 عامًا

بقلم: داود كُتّاب- ملح الأرض
أَسفَرَت نتائجُ الانتخاباتِ البلديةِ، والتحالفاتُ التي تلتها في ثلاثِ مدنٍ رئيسيةٍ بمحافظةِ بيت لحم، عن غيابِ تحقيقِ إرادةِ الشعبِ؛ وذلكَ نتيجةَ إجحافٍ في النظامِ الانتخابيِّ، وتدخلِ جهاتٍ خارجيةٍ لم تحترمْ إرادةَ المواطنِ الذي شاركَ في الانتخاباتِ البلديةِ الأخيرةِ.
إنَّ ما حدثَ في ختامِ الانتخاباتِ والتحالفاتِ في بلدياتِ بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا كانَ أمراً غريباً؛ إذ غابَ عن منصبِ رئاسةِ البلديةِ في المدنِ الثلاثِ أشخاصٌ حصلوا على أعلى الأصواتِ وحصدوا أكثرَ المقاعدِ. وفي إحدى البلدياتِ – بيت ساحور – غابَ كلياً عن المجلسِ البلديِّ مرشحٌ حصلَ على ثاني أعلى الأصواتِ.
قد يقولُ البعضُ إنَّ نظامَ الانتخاباتِ الذي يعتمدُ على التمثيلِ النسبيِّ، ويوزعُ المقاعدَ باستخدامِ آليةٍ تشبهُ طريقةَ “سانت ليغو” لضمانِ توزيعٍ عادلٍ بناءً على الأصواتِ، يكفلُ للمواطنِ حقَّهُ في اختيارِ من يشاءُ. كما أنَّهُ يتيحُ فرصةً أكبرَ للتعدديةِ في مجلسٍ بلديٍّ يُعنى بتقديمِ الخدماتِ اليوميةِ، مما يتطلبُ وجودَ أشخاصٍ يحترمُهم المواطنُ ويثقُ بقدراتِهم.
إلى هنا، قد يبدو النظامُ جيداً ومناسباً، ولكنْ عندَ ربطِ نتائجِ الانتخاباتِ بتدخلِ الجهاتِ الأمنيةِ في “هندسةِ” التحالفاتِ لصالحِ من هم أكثرُ ولاءً لحزبٍ أو حركةٍ معينةٍ، نكونُ قد حرفنا هدفَ التعدديةِ الانتخابيةِ، ووصلنا إلى تشويهِ إرادةِ المواطنِ الذي منحَ معظمَ أصواتِهِ لأشخاصٍ لم يصلوا إلى رئاسةِ البلديةِ.
ومما زادَ الطينَ بلةً، غيابُ قوى سياسيةٍ مثلَ حماسَ والجهادِ الإسلاميِّ عن الانتخاباتِ بسببِ الشروطِ المفروضةِ من الخارجِ، وتضامنُ بعضِ الفصائلِ اليساريةِ معها رفضاً لهذا التدخلِ الذي فرضَ شروطاً سياسيةً لا علاقةَ لها بطبيعةِ عملِ البلدياتِ.
لذلكَ، أصبحَ من المطلوبِ إعادةُ النظرِ في هذا النظامِ الانتخابيِّ المعقدِ، والعودةُ إلى أنظمةٍ انتخابيةٍ أبسطَ تضمنُ أن تعكسَ النتائجُ رغبةَ الناخبِ الحقيقيةَ.
وهنا أيضاً تبرزُ الحاجةُ إلى فصلِ التصويتِ لرئيسِ البلديةِ عن التصويتِ لأعضاءِ المجلسِ البلديِّ؛ فرئيسُ البلديةِ يتطلبُ التفرغَ الكاملَ ويتمتعُ بصلاحياتٍ واسعةٍ، بينما يقتصرُ دورُ الأعضاءِ غيرِ المتفرغينَ على اجتماعاتٍ دوريةٍ ثم يعودونَ إلى أعمالِهم الاعتياديةِ.
ولا شكَّ أنَّ دفعَ أفضلِ الكفاءاتِ للتنافسِ حصراً على منصبِ رئيسِ البلديةِ قد يعني غيابَ الخاسرينَ – رغمَ امتلاكِهم خبراتٍ ومؤهلاتٍ عاليةً – عن العملِ البلديِّ، بينما يضمنُ النظامُ الحاليُّ وجودَهم كأعضاءَ في المجلسِ، مما يوفرُ نقاشاً غنياً ومفيداً. لكنَّ التجربةَ الحاليةَ خلقتْ واقعاً يفرضُ إما الإجماعَ المسبقَ على قائمةٍ واحدةٍ، كما حدثَ في رام الله ونابلس، أو التدخل في التحالفاتِ بعدَ صدورِ النتائجِ، كما حصلَ في بلديات بيت لحم الثلاثِ.
المطلوبُ اليومَ من لجنةِ الانتخاباتِ الفلسطينيةِ تقديمُ مقترحاتٍ جديدةٍ تعكسُ التجربةَ المريرةَ للمواطنينَ في مختلفِ أنحاءِ فلسطينَ، وعلى السلطةِ التشريعيةِ أخذُ هذه التوصياتِ بجديةٍ وتطبيقُها في الانتخاباتِ القادمةِ.
كما يجبُ الحذرُ من محاولةِ تطبيقِ النظامِ البلديِّ الحاليِّ على الانتخاباتِ التشريعيةِ القادمةِ، خصوصاً أنَّ القانونَ الأساسيَّ يفصلُ بين انتخابِ الرئيسِ وانتخابِ أعضاءِ المجلسِ التشريعيِّ، وهو النموذجُ الذي قد يكونُ مناسباً للاقتداءِ بهِ في الانتخاباتِ البلديةِ مستقبلاً.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!