
السابق ضرورة اختيار رئيس البلدية بصورةٍ مباشرةٍ – تجربة بلديات محافظة بيت لحم المُرّة

بقلم رلى السماعين
في وقتٍ لا يزال فيه العالم يحاول استيعاب حجم المعاناة المتفاقمة في غزة، بقي موقف الأردن واضحًا، ثابتًا، وعميقًا في إنسانيته. فبالنسبة للأردنيين، لم تكن غزة يومًا ملفًا سياسيًا بعيدًا أو عنوانًا عابرًا في نشرات الأخبار، بل كانت دائمًا حاضرة في وجدان المملكة، وفي دبلوماسيتها، وعملها الإنساني، ومشاعر شعبها.
وتحت قيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، أثبت الأردن مرارًا أن السلام ليس مجرد شعار سياسي، بل مسؤولية تُترجم إلى أفعال. فمنذ اندلاع الحرب، عملت المملكة على توفير الممرات الإنسانية، وإقامة المستشفيات الميدانية، وإرسال قوافل الإغاثة، إلى جانب جهود دبلوماسية دولية المكثفة التي هدفت إلى حماية المدنيين الفلسطينيين وصون كرامتهم وسط الدمار.
ولعلّ من أكثر المبادرات الإنسانية تأثيرًا التزام جلالة الملك بتوفير العلاج الطبي لآلاف الأطفال المرضى والمصابين من غزة. فقد هدفت المبادرة الإنسانية الأردنية إلى نقل نحو ألفي طفل غزّي لتلقي العلاج في المستشفيات الأردنية، لا سيما ممن يعانون من إصابات خطيرة وأمراض تهدد حياتهم.
ومنذ إطلاق المبادرة، وصل بالفعل مئات الأطفال برفقة عائلاتهم إلى المملكة لتلقي الرعاية الصحية. ولم تعكس الجهود الأردنية مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل جسدت التزامًا أخلاقيًا أوسع بحماية الحياة والحفاظ على الأمل للأجيال القادمة.
هذه الرؤية الإنسانية تنبع من فلسفة أردنية راسخة قائمة على الرحمة والالتزام والمسؤولية الأخلاقية.
فعلى امتداد المملكة، تحركت المؤسسات الخيرية اسلامية ومسيحية والجامعات ومنظمات المجتمع المدني لدعم غزة. وقد لعبت جهات مثل الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، والهلال الأحمر الأردني، وكاريتاس الأردن دورًا بارزًا في جمع المساعدات، وتنظيم حملات التضامن، وتقديم الدعم الإنساني المباشر للعائلات الفلسطينية المتضررة من الحرب.
ومن بين هذه الجهود، تبرز المبادرة الأخيرة التي أطلقتها الجامعة الأميركية في مادبا كخطوة ذات دلالة إنسانية عميقة.
فقد أعلنت الجامعة عن مبادرة تهدف إلى تمكين الطلبة القادمين من غزة عبر توفير فرص تعليمية ودعم أكاديمي، في تأكيد جديد على أن التعليم بحد ذاته فعل مقاومة في وجه اليأس.
هذه المبادرة تعكس وعيًا بأن إعادة بناء الحياة لا تبدأ فقط بإعمار الحجر، بل بالحفاظ على مستقبل الشباب الذين عطّلت الحرب أحلامهم ومساراتهم.
وما يمنح هذه المبادرة خصوصيتها أيضًا أنها تصدر عن مؤسسة تعليمية مسيحية متجذرة في قيم العيش المشترك والخدمة التي يقوم عليها الأردن. وهي تذكير جديد بالدور التاريخي الذي لعبته المؤسسات المسيحية الأردنية في المسيرة الإنسانية والتعليمية للمملكة، حيث امتدت رسالتها دائمًا إلى ما هو أبعد من الحدود الدينية نحو مسؤولية إنسانية مشتركة.
وعلى الصعيد الشخصي، يحمل هذا المشهد بالنسبة لي معنى خاصًا.
فخلال سنوات عملي الصحفي في صحيفة “ذا جوردن تايمز”، عملت على تغطية أخبار مسيرة الجامعة الأميركية في مادبا منذ بداياتها الأولى، خاصة في الفترة التي سبقت زيارة البابا بندكتوس السادس عشر إلى الأردن عام 2009. آنذاك، كانت الجامعة ترسم تدريجيًا هوية مميزة قائمة على التعليم، والحوار، والانفتاح.
كما تابعت عددًا من المبادرات التي شاركت فيها الجامعة، ومنها المنتديات المعنية بثقافة السلام وأنشطة الحوار الشبابي التي نظمتها كاريتاس الأردن، والتي عكست رسالة المؤسسة التي تتجاوز الإطار الأكاديمي التقليدي.
واليوم، يبدو انخراط الجامعة في دعم طلبة غزة تعليميًا وإنسانيًا امتدادًا طبيعيًا لتلك الرؤية؛ رؤية يصبح فيها التعليم جسرًا للكرامة، والتفاهم، والأمل، حتى وسط الحرب وعدم اليقين.
في الأردن، لم يكن التضامن مع غزة يومًا عاطفة موسمية أو موقفًا مؤقتًا، بل هو جزء أصيل من الضمير الوطني. وربما هذا ما يميز نهج المملكة أكثر من أي شيء آخر؛ ففي الوقت الذي ينشغل فيه البعض بالجدل السياسي، يواصل الأردن حماية الحياة، وصون الكرامة، والحفاظ على الأمل.
رلى السماعين
صحفية وكاتبة متخصصة في حوارات الأديان والسلم المجتمعي


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!