Skip to content

صلاةٌ أخيرة على شهداء كنيسة حمود

تاريخ النشر: أكتوبر 26, 2026 4:57 م
كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود

كنيسة الروم الأرثوذكس في قرية حمود

عن العربي الجديد

محمود منير
دمٌ في الكنيسة، ووجعٌ طاف على كل البيوت في الجمعة الحزينة. يصحّ القول إن إرهابيين انبتّوا عن ذاكرة أهلهم، وعبثوا بأمن جيرانهم وإخوتهم بمعنى يتجاوز استهداف أفرادٍ يؤدون شعائرهم الدينية في دار للعبادة، إلى ضرب مواطنتهم وانتمائهم لمجتمع ودولة يحفظها دستور وقانون. ويصحّ القول أيضاً إن هناك جذوراً لهذا الإرهاب الذي أودى بأرواح تسعة مواطنين أردنيين وإصابة أربعين أثناء تشييعهم جنازة في كنيسة القديس جيورجيوس للروم الأرثوذكس بقرية حمود (جنوب الأردن). جذورٌ لا تخطئها العين عند متابعة كل انزياح للتشدد والتطرف في كثير من المظاهر الاجتماعية والتعبيرات الثقافية بموازاة إخفاقات عديدة في التنمية، وتراجع للحريات والديمقراطية، واحتقانٍ شعبي تشهده المنطقة بسبب جرائم الاحتلال.

خلف هذا المشهد المعتم، روايةُ تحكى بعيداً عن السياسة. من قريةٍ ربما أُغفل اسمها قبل أن يتداول الإعلام مجزرة كنيستها، خرَج عودة القسوس (1877- 1943)، أحد “الأفندية” القلائل الذين انخرطوا في السياسة بعد تلقيهم التعليم، غير محسوبين على الزعامات العشائرية التقليدية أو الجيش العثماني الذي سيكون لضباطه العرب دور في تأسيس دولهم الحديثة في العراق وبلاد الشام. انتخب القسوس ممثلاً عن الكرك في المجلس العمومي لولاية سورية عام 1908، بعد أن أعاد السلطان عبد الحميد الثاني تفعيل الدستور، لتبدأ رحلة الرجل في السياسة والقضاء في لحظة تغيّرت فيها خريطة الشرق الأوسط، شاهداً عليها في مذكراته التي صدرت عام 2006.

هناك جذور لهذا الإرهاب الذي أودى بأرواح تسعة مواطنين أردنيين

تقف المذكرات عند محطات مهمة، منها رفْض القسوس محاولات البريطانيين لاستمالته، ضمن اتصالاتهم مع ممثلي الطوائف المسيحية آنذاك، ضدّ الدولة العثمانية، ولم يعكس رفضه موقفاً مبدئياً فحسب، إنما عبّر عن فهمٍ للتوازنات وحسابات السياسة أيضاً. آمن القسوس بضرورة إصلاح الدولة العثمانية وتحقيق المساواة بين جميع مواطنيها، وبعد انهيارها تبنى تصوراً ما عن دولة حديثة، لم يختر حدودها الجغرافية التي رسمها الاستعمار، لكنه ناضل من أجل الاستقلال عن بريطانيا، وعارض النظام الأردني الوليد لتثبيت الحريات والحقوق. هاجسٌ شغله مع غيره من النخب في بلدان الجوار، حيث تضيء المذكرات لقاءاته معهم، ومنها تلبية دعوة سعد زغلول عقب عودته من المنفى دعماً للحركة الوطنية المصرية في مواجهة بريطانيا.

فتحت تلك المناخات الأبواب أمام حمود آفاقاً أوسع، فانكب أهلها على العلم مشتغلين في الطب والهندسة والمحاماة والتعليم ووظائف إدارية على امتداد الوطن وفي المهجر، وناشطين في صفوف الحزب الشيوعي الأردني (استشهد أحد أعضائه في التفجير الإرهابي) وفصائل اليسار الفلسطينية، تجذبهم آمال عريضة بالعدالة والديمقراطية وتحرير فلسطين. وارتبط اسم القرية التي لا يتجاوز سكّانها اليوم بضع مئات، جلّهم من كبار السن، بكتّاب حضروا في سجالات الصحافة الأدبية في القاهرة وبيروت مثل البدوي الملثم وجريس القسوس. ولا يغيب عن هذا السياق غالب هلسا (انتقل والده من حمود إلى قرية ماعين بمادبا مطلع القرن الماضي) أحد أبرز رموز الرواية العربية الجديدة في السبعينيات.

قرية حمود تختزل تاريخ الشرق العربي المستنزف منذ قرون، في اشتباك عددٍ من أبنائها مع أسئلة الحداثة وبناء الدولة، لتُجهض النهضة المنشودة ونسقط في دوامة الاستبداد والتطرف والصراعات الداخلية والتدخلات الأجنبية. ما حدث ليس مجرد اعتداء إرهابي يستدعي حلولاً امنية، بل مواجهة مع الواقع واستحقاقات مؤجلة في مجتمعات الوصاية واحتكار السلطة وإلغاء الآخر.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment