
السابق صلاةٌ أخيرة على شهداء كنيسة حمود

بقلم يزن ملكونيان*
بعد الحادثة الإرهابيَّة التي استهدفت الكنيسة في الكرك، واستشهد على أثرها عددٌ من أبناء الوطن ووجهائه المسيحيِّين، خرجت بعض الأصوات لتدين هذا الفعل من منطلق أنَّ المسيحيِّين «أهل ذمَّة»، أي إنَّ الاعتداء عليهم محرَّم لأنَّهم في عهدٍ وحماية. ومع تقديري لكلِّ موقفٍ يرفض الإساءة والاعتداء، فإنَّني أجد في هذا التوصيف إشكالًا عميقًا؛ لأنَّه ينقلنا من منطق المواطنة المتساوية إلى منطق الحماية والوصاية. من هنا تأتي هذه المقالة: لا لمناقشة واجب رفض الإرهاب، فهذا بديهيّ، لكن لمناقشة الأساس الذي نُعرَّف من خلاله نحن، المسيحيِّين الأردنيِّين، في وطننا.
حين أرفض أن يُطلَق عليَّ وصف «ذِمِّيّ»، فإنَّ اعتراضي لا يقوم على سوء فهمٍ للكلمة، ولا على إنكارٍ لمعناها التاريخيّ الأوَّل، إنَّما على رفض تحويل مصطلح فقهيّ تاريخيّ إلى تعريفٍ لموقعي في وطني اليوم. فعلاقتي بالأردن لا تُبنى على العهد الذي تمنحه جماعة لجماعة، ولا على الحماية التي يقدِّمها طرفٌ إلى طرف، إنما على المواطنة المتساوية التي يقرِّرها الدستور والقانون. أنا مسيحيٌّ أردنيّ، وانتمائي إلى هذا الوطن حقٌّ أصيل، لا يحتاج إلى إذنٍ من أحد، ولا ينتظر اعترافًا من جماعة أخرى.
ولكي يكون هذا الموقف واضحًا ومنصفًا، ينبغي العودة إلى جذور المصطلح. فكلمة «الذمَّة» في العربيَّة تعني العهد والأمان والضمان، و«الذِمِّيّ» هو المنسوب إلى هذا العهد. ويشرح ابن منظور في «لسان العرب» هذا المعنى بقوله: «ورجل ذِمِّيّ: معناه رجل له عهد».
وقد وردت كلمة «ذمَّة» بمعنى العهد، كما في قوله: «لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً». فالكلمة هنا لا تعني الذمّ أو الانتقاص، بل تتعلَّق بحرمة العهد ووجوب مراعاته.
ومع تطوُّر الأنظمة السياسيَّة والقانونيَّة في التاريخ، اكتسب تعبير «أهل الذمَّة» معنًى قانونيًّا أكثر تحديدًا. فقد صار يشير إلى جماعات تقيم تحت سلطة حكمٍ معيَّن، وتُقَرُّ على خصوصيَّتها، وتُحمى أنفسها وأموالها، مقابل التزامات محدَّدة. وهكذا انتقل المصطلح من معنى العهد العامّ إلى وصف مركز قانونيّ يرتبط بسياق تاريخيّ لم يعُد هو الإطار الذي تنظَّم به علاقة المواطن بالدولة الحديثة.
وقد تضمَّن هذا النظام ضمانات للحماية، وارتبط في الوقت نفسه بقيودٍ وتفاوتٍ في بعض الحقوق والأوضاع الاجتماعيَّة والقانونيَّة. ومن الإنصاف ألَّا نختزل هذا التاريخ في صورة واحدة، وألَّا نساوي أيضًا بين وجود الحماية وبين المساواة القانونيَّة الكاملة. فالحماية، مهما حَسُن معناها، ليست هي المواطنة.
كذلك، لم يكن وصف «أهل الذمَّة» دليلًا على أنَّ أصحابه غرباء عن البلاد؛ فقد أُطلق على جماعات من سكَّانها المحليِّين الذين أصبحوا تحت سلطة حكمٍ جديد. ومن هنا، لا يجوز تحويل تصنيف قانونيّ تاريخيّ إلى حجَّة توحي بأنَّ المسيحيّ ضيف في أرضه، أو أنَّ وجوده بدأ يوم مُنح الحماية.
هنا يكمن موضع اعتراضي على استدعاء المصطلح اليوم. يمكن أن ندرسه في كتب التاريخ والفقه، ولكنَّني أرفض أن يتحوَّل إلى تعريفٍ لموقعي في وطني. وهذا ما أثار اعتراضي في أثناء وقفة تضامنيَّة مع أحداث الكرك، في الجامعة التي أدرس فيها الحقوق – القانون، حين قال أحد الأكاديميِّين الشيوخ إنَّ الإساءة إلى المسيحيّ محرَّمة لأنَّه ذِمِّيّ. ومع أنَّني أتَّفق معه في أنَّ الإساءة إلى المسيحيّ في وطني لا تجوز، فإنَّني أختلف معه في مصدر الفكرة وأساسها. فكرامة المسيحيّ لا تُصان لأنَّه في ذمَّة أحد، إنَّما لأنَّه إنسانٌ ومواطنٌ كامل المواطنة.
حتى حين يُستخدم المصطلح بحسن نيَّة، ويقال لي إنَّه يعني أنَّني في العهد والأمان، يبقى سؤالي قائمًا: لماذا تُصاغ علاقتنا على أساس جماعة تمنح الحماية وجماعة تتلقَّاها؟ أليست الدولة مسؤولة عن حماية جميع مواطنيها على قدم المساواة؟ ولماذا أحتاج إلى وصفٍ تاريخيٍّ سابق على الدولة الحديثة، ما دام الدستور نفسه يكفيني بوصفي مواطنًا أردنيًّا؟
الدستور الأردنيّ يقدِّم أساسًا أوضح وأعدل لهذه العلاقة. فالمادَّة السادسة منه تنصّ على أنَّ «الأردنيِّين أمام القانون سواء لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وإن اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين». وهذا النصّ هو حجر الأساس في أيِّ حديث عن المواطنة المتساوية؛ إذ يجعل معيار الحقوق والواجبات هو الأردنيَّة أمام القانون، لا الانتماء الدينيّ، ولا حجم الجماعة، ولا منطق الأكثريَّة والأقلِّيَّة.

وتضيف المادَّة السادسة نفسها أنَّ «الدفاع عن الوطن وأرضه ووحدة شعبه والحفاظ على السِّلم الاجتماعيّ واجب مقدَّس على كلِّ أردنيّ»، كما تقرِّر أنَّ الدولة تكفل تعزيز قيم «المواطنة والتسامح وسيادة القانون». وهذه العبارات ليست تفصيلًا لغويًّا عابرًا، لكنها إعلان دستوريّ واضح أنَّ العلاقة بين الأردنيِّين تقوم على المواطنة والسِّلم الاجتماعيّ وسيادة القانون، لا على ثنائيَّة الحامي والمحميّ.
ومن هذا المنطلق، لا يجوز أن تُعامَل حقوق أيّ مواطن على أنَّها منحة من أحد. فالدستور لا يقول إنَّ الأردنيِّين متساوون حين تتشابه خلفيَّاتهم، بل يقرِّر مساواتهم وإن اختلفوا. وهذا الفرق جوهريّ؛ لأنَّه ينقلنا من لغة التسامح المشروط إلى لغة الحقّ الدستوريّ.
كما تكفل المادَّة الخامسة عشرة حرِّيَّة الرأي، وتقرِّر أنَّ لكلِّ أردنيّ أن يعبِّر عن رأيه بالقول والكتابة وسائر وسائل التعبير ضمن حدود القانون. ومن حقِّي، استنادًا إلى هذا المبدأ، أن أرفض وصفًا أراه منقوصًا لمواطنتي، وأن أعبِّر عن هذا الرفض علنًا وبوضوح.
والدولة المدنيَّة، كما عرضتها الورقة النقاشيَّة الملكيَّة السادسة، تقوم على الدستور وسيادة القانون والمؤسَّسات، وتحمي أفراد المجتمع على اختلاف انتماءاتهم وأفكارهم. وفي هذا الفهم، تكون الدولة المدنيَّة دولة قانون ومواطنة، لا دولة وصاية اجتماعيَّة أو دينيَّة أو فئويَّة. فهي لا تعادي خصوصيَّات الناس، ولكنَّها لا تسمح بتحويل أيِّ خصوصيَّة إلى أداة لاحتكار المكانة أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
وللدقَّة، فإنَّ الدستور الأردنيّ ينظِّم شؤون القضاء والحقوق والواجبات ضمن مؤسَّسات وقوانين واضحة. وهذا التنظيم القانونيّ لا يعني وجود وصاية عامَّة لفئة على فئة، ولا يجعل حقوق المواطن مرهونة برضا جماعة أو زعيم أو ممثِّل اجتماعيّ. فالمرجعيَّة في الدولة الحديثة هي الدستور والقانون، لا منطق الحماية والامتنان.
أنا لستُ ذِمِّيًّا، حتى لو حُمِّل المصطلح معنًى إيجابيًّا. أرفض الوصاية لأنَّني أتحمَّل مسؤوليَّة انتمائي إلى هذا الوطن، وأؤدِّي واجباتي فيه، ومن حقِّي أن أطالب بحقوقي كاملة. وأرفض أن يُطلب منِّي المرور عبر رضا رجل دين، أو زعيم اجتماعيّ، أو ممثِّل لأكثريَّة حتى يُسمَع صوتي أو تُصان كرامتي. أحترم القيادات الدينيَّة والاجتماعيَّة ودورها، وأتمسَّك في الوقت نفسه بحقِّي في التعبير عن نفسي والمطالبة بالعدالة.
وأقدِّر تضامن إخوتي المسلمين، كما أعدُّ الوقوف معهم عند الظلم واجبًا أخلاقيًّا ووطنيًّا. غير أنَّ التضامن بيننا تزداد قيمته حين يصدر عن اعتراف متبادل بأنَّنا شركاء متساوون، لكلٍّ منَّا كرامته وصوته وحقوقه، وعلى كلٍّ منَّا مسؤوليَّة الدفاع عن حقِّ الآخر. فالمسلم لا يحمي المسيحيّ لأنَّه صاحب وصاية عليه، والمسيحيّ لا يقف مع المسلم من موقع المجاملة أو الخوف، بل يقف كلٌّ منهما مع الآخر لأنَّهما شريكان في وطن واحد، وتجمعهما كرامة إنسانيَّة ومواطنة دستوريَّة مشتركة.
إنَّ وجودنا التاريخيّ في هذه الأرض يستحقُّ أن يُعرَف ويُحترَم، لكنَّ الحقوق لا تحتاج إلى منافسة في الأقدميَّة. ولو كانت الأقدميَّة وحدها أساس الحقوق، لكان للمسيحيّ أن يدَّعي وصاية على غيره في هذه الأرض. غير أنَّني لا أطالب بوصاية لأحد على أحد، لكنني أطالب بمواطنة متساوية. فالمواطنة نفسها كافية لتكون أساس المساواة؛ فلا تُقاس كرامة الإنسان بعدد أفراد طائفته، ولا تُعلَّق حقوقه على معتقده، ولا تُختزل علاقته بوطنه في مصطلحٍ صيغ في سياق تاريخيّ مختلف.
لهذا أرفض أن أُوصَف اليوم بالذِمِّيّ، وأرفض الوصاية على مواطنتي من أيِّ جهة. أطالب بعلاقة وطنيَّة واضحة: نحترم اختلافنا، ونحتكم إلى القانون، ونتحمَّل مسؤوليَّة الوطن معًا. أنا أردنيٌّ مسيحيّ، شريك في هذا الوطن، وحماية كرامتي وحقوقي واجب على الدولة، لا منَّة من أحد؛ كما أنَّ حماية الوطن والوفاء له واجب عليّ.
*ناشط أردني مسيحي في مجال المواطنة وحقوق الانسان


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!