
السابق القس بطرس منصور يوضّح تاريخ ومعنى الإنجيليين

بقلم: منير يوسف قبطي – الناصرة
احتفل الأردن في الخامس والعشرين من أيار عام 2026 بالذكرى الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية، وهي مناسبة وطنية تستحضر مسيرة دولة نجحت، رغم التحديات والتحولات التي شهدتها المنطقة والعالم، في بناء مؤسساتها وترسيخ استقرارها والحفاظ على وحدتها الوطنية. فعلى مدى ثمانية عقود، لم يكن الاستقلال مجرد حدث تاريخي يُستذكر كل عام، بل مسيرة متواصلة من البناء والتطوير والإصلاح، قادتها الأسرة الهاشمية بحكمة ورؤية بعيدة المدى، وجسّدها الأردنيون بمختلف مكوناتهم وانتماءاتهم في عمل مشترك من أجل الوطن.
وقد شكّل عهد جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، محطة مفصلية في تاريخ الأردن الحديث. ففي ظل قيادته، تعززت مؤسسات الدولة، وترسخت مكانة الأردن الإقليمية والدولية، وتعمق مفهوم المواطنة الجامعة الذي احتضن جميع أبناء الوطن. ولم يكن الحسين قائدًا سياسيًا فحسب، بل كان رمزًا للوحدة الوطنية والاعتدال والحكمة، وقائدًا استطاع أن يقود الأردن عبر ظروف إقليمية شديدة التعقيد، محافظًا على تماسك الدولة واستقرارها.
ويواصل جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين هذه المسيرة من خلال رؤية تستند إلى التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، وتعزيز سيادة القانون، وتوسيع المشاركة العامة، وترسيخ صورة الأردن كنموذج للاستقرار والتعايش والاعتدال. وقد أكد جلالته في أكثر من مناسبة أن قوة الأردن تكمن في وحدة أبنائه وتنوعهم، وأن المواطنة هي الأساس الذي يجمع الأردنيين جميعًا تحت راية الدولة.
وفي إطار هذه المسيرة الوطنية، برز المسيحيون الأردنيون بوصفهم جزءًا أصيلًا من النسيج الوطني وشركاء في بناء الدولة ومؤسساتها منذ نشأتها. ولم تكن مساهمتهم مرتبطة بمرحلة معينة أو قطاع محدد، بل امتدت إلى مجالات السياسة والثقافة والتعليم والاقتصاد والخدمة العامة، في صورة تعكس عمق انتمائهم الوطني وإيمانهم برسالة الدولة الأردنية.
ويكتسب هذا الدور أهمية خاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن الوجود المسيحي في الأردن يمتد إلى جذور تاريخية عميقة. فالأردن يحتضن بعضًا من أهم المواقع المسيحية في العالم، وفي مقدمتها موقع المغطس على ضفاف نهر الأردن، حيث تعمّد السيد المسيح، كما حافظت مدن مثل مادبا والفحيص والسلط والكرك على حضور مسيحي متواصل أصبح جزءًا من هويتها التاريخية والثقافية والاجتماعية.
ومع بناء الدولة الحديثة، شارك المسيحيون الأردنيون في مختلف مؤسساتها. ففي المجال السياسي والدبلوماسي برزت شخصيات وطنية أسهمت في خدمة الأردن وتمثيله على الساحة الدولية، ومن بينها مروان المعشر الذي شغل مناصب رفيعة في الدولة وأسهم في تعزيز الحضور الأردني في المحافل الإقليمية والدولية.
وفي المجال الثقافي والفكري، ترك روكس بن زائد العزيزي بصمة راسخة في توثيق التراث الأردني والحياة الاجتماعية والبدوية، حتى أصبح اسمه مرتبطًا بحفظ جانب مهم من الذاكرة الوطنية. كما أسهم يعقوب العودات في إثراء الحياة الأدبية والثقافية وتوثيق جوانب من تاريخ المجتمع الأردني في مراحله المبكرة.
أما في المجال الفني، فقد ارتبط اسم توفيق النمري بالوجدان الأردني لعقود طويلة، بوصفه أحد رواد الأغنية الأردنية الحديثة وحفظة التراث الموسيقي الشعبي. وقد أسهمت أعماله في ترسيخ الهوية الفنية الوطنية ونقل الأغنية الأردنية إلى آفاق عربية أوسع. كما برزت جولييت عواد كواحدة من أبرز رموز الدراما الأردنية والعربية، وأسهمت من خلال أعمالها في ترسيخ حضور الفن الأردني على الساحة العربية، إلى جانب الفنان نبيل المشيني الذي يُعد من رواد المسرح والتلفزيون الأردني، والفنانة عبير عيسى التي تركت بصمة واضحة في الدراما الأردنية وأسهمت في تعزيز حضورها واستمرارها عبر أجيال متعاقبة.
ولم تقتصر المساهمة المسيحية على الشخصيات العامة، بل امتدت إلى المؤسسات التعليمية التي لعبت دورًا بارزًا في بناء الإنسان الأردني. فقد أسهمت مدارس الروم الأرثوذكس، ومدارس راهبات الوردية، ومدرسة المطران، ومدارس الفرير في تخريج أجيال من الأردنيين الذين شغلوا مواقع قيادية في مختلف المجالات. وكانت هذه المؤسسات نموذجًا للتعليم النوعي والانفتاح الثقافي، واستقبلت أبناء المجتمع الأردني بمختلف فئاته.
كما قامت الكنائس والمؤسسات المسيحية بأدوار اجتماعية وإنسانية مهمة من خلال الخدمات الصحية والجمعيات الخيرية وبرامج التنمية المجتمعية، ما جعلها جزءًا فاعلًا من منظومة التكافل الاجتماعي والعمل الأهلي في الأردن.
وفي المجال الاقتصادي، شارك رجال أعمال ومهنيون ومؤسسات أسسها أو أدارها مسيحيون أردنيون في دعم الاقتصاد الوطني وتوفير فرص العمل والإسهام في التنمية، جنبًا إلى جنب مع مختلف مكونات المجتمع الأردني.
وعلى امتداد العقود الماضية، خدم المسيحيون الأردنيون كذلك في القوات المسلحة الأردنية والأجهزة الأمنية، مؤكدين أن الدفاع عن الوطن وصون أمنه مسؤولية وطنية مشتركة تجمع الأردنيين جميعًا تحت راية واحدة.
وعندما ينظر المراقبون إلى الأردن اليوم، فإنهم يرون دولة استطاعت أن تحافظ على استقرارها وتماسكها في منطقة عانت من الحروب والانقسامات، ويرون نموذجًا نجح في تحويل التنوع الديني والثقافي إلى عنصر قوة وإثراء. ولم يكن هذا الإنجاز وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية وطنية تبنتها القيادة الهاشمية، وآمن بها الأردنيون، وترجموها إلى واقع من خلال الشراكة والعمل المشترك.
وفي الذكرى الثمانين للاستقلال، لا تبدو مساهمة المسيحيين الأردنيين مجرد صفحة من صفحات التاريخ الوطني، بل جزءًا حيًا ومستمرًا من قصة الأردن الحديثة. فقد كانوا، وما زالوا، شركاء في بناء الدولة ومؤسساتها، شأنهم شأن سائر أبناء الوطن الذين أسهموا في صياغة التجربة الأردنية الفريدة.
غير أن ما يميز التجربة الأردنية بعد ثمانية عقود من الاستقلال ليس فقط ما تحقق من بناء للمؤسسات أو ما أُنجز من مشاريع تنموية، بل قدرتها على الحفاظ على وحدة المجتمع وتماسكه في منطقة شهدت أزمات وحروبًا وانقسامات متلاحقة. وفي قلب هذا النجاح برزت القيادة الهاشمية بوصفها الضامن للاستقرار والمرجعية الوطنية الجامعة التي حافظت على التوازن بين مكونات المجتمع المختلفة، ورسخت ثقافة المواطنة والانتماء المشترك، وأوجدت بيئة مكّنت جميع الأردنيين من الإسهام في بناء وطنهم دون تمييز. ومن هنا، فإن حضور المسيحيين الأردنيين في مختلف ميادين الحياة العامة لا يُنظر إليه كاستثناء أو حالة خاصة، بل كجزء طبيعي من نموذج وطني نجح في تحويل التنوع إلى مصدر قوة، والشراكة إلى أساس في بناء الدولة واستمرارها.
ثمانون عامًا من الاستقلال تؤكد أن الأردن لم يُبنَ بالحجر وحده، بل بإنسانه، وبالشراكة الصادقة بين أبنائه، وبقيادة هاشمية آمنت بأن الوطن يتسع للجميع، وأن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على جمع أبنائها حول مستقبل واحد وهوية وطنية واحدة ومصير مشترك.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!