Skip to content

تجمّع الأردنيون في حمود لتشييع الشهداء في مشهد قوي يعكس الوحدة الوطنية

تاريخ النشر: أكتوبر 26, 2026 9:13 ص
funeral3(((

داود كُتّاب– ملح الأرض

حضرت أنا وأصدقائي وزملائي مراسم الجنازة يوم الأحد في قرية حمود/قضاء الكرك، حدادًا على ضحايا مجزرة مروعة من قبل مسلّحين وصفتهم قوى الأمن بالتكفيريين.

وصف الحاضرون هذا التعبير العلني عن إدانة ما حدث، بأنه أمر نادر الحدوث في هذه القرية المسالمة. تشير التقديرات إلى أن آلاف الأشخاص من مختلف شرائح المجتمع وصلوا بسياراتهم وحافلاتهم. وقدّر البعض أن عدد المسلمين في الحشد كان مساوياً تقريباً لعدد المسيحيين.

جنازة عسكرية للشهداء الوطن

تم لف جثامين الشهداء بالعلم الأردني، وأقيمت لهم جنازة عسكرية. ووري جثمانهم الثرى في مقبرة مشتركة، ومن المتوقع إنه سيتم تشييد نصب تذكاري تكريماً لهم.

أُقيمت الجنازة في نفس الكنيسة التي كانوا يحضرون فيها جنازة أخرى، يوم الجمعة الماضي، عندما تعرضوا لإطلاق نار من قبل مهاجمين مجهولين. تمكنت قوات الأمن، بمساعدة كاميرات المراقبة، من تحديد هويتهم وتم القبض عليهم ساعات بعد انتهاء مراسم الدفن.

رئيس الوزراء د. جعفر حسان والى يمينه رئيس الديوان الملكي يوسف العيسوي

كان رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان ورئيس الديوان الملكي يوسف العيسوي من بين نحو الآلاف المشاركين يُقدّر عددهم بخمسة آلاف شخص احتشدوا في القرية المسيحية الصغيرة. واعتبر أبناء المنطقة إن القرية لم تشهد مثيلاً لهذا المشهد من قبل.

إعلاميا قدّمت قنوات الخدمة العامة الأردنية الرئيسية، المملكة والتلفزيون الأردنية، إلى جانب قناة رؤيا التلفزيونية الخاصة الرائدة، تغطية تلفزيونية متواصلة على مدار الساعة، ركّزت حصرياً على الهجوم منذ وقوعه يوم الجمعة الماضي.

صدرت بيانات عامة من مختلف أطياف المجتمع، شملت قادة دينيين إسلاميين، وشخصيات مرموقة، ومنظمات غير حكومية. ركزت هذه البيانات على استنكار ما حدث، وتأييد   لوصف الملك لهم بالخوارج. المجتمع الأردني بكل اطيافه رفض محاولات المساس بالنسيج الوطني للبلاد. وتكررت عبارات مثل “المواطنة المتساوية” و”التعايش التاريخي” على نطاق واسع في الخطاب العام، وهو تركيز هام.

في الجنازة، لاحظتُ عدة أشخاص، يحملون إكليلًا من الزهور من نادي العاملين في الجامعة الهاشمية في الزرقاء، وهي على بُعد حوالي 156 كيلومترًا شمال محافظة الكرك. أجريتُ معهم مقابلة قصيرة.

قال لي الدكتور عبد الحبش: “أنا هنا لحضور جنازة زميل لي في الجامعة، وهو بمثابة أخي، الدكتور عاصم برقان”. قالت زميلة ترتدي الحجاب: “بصراحة، هذا أمر لا يمكن لأي دين أن يبرره. لقد جئنا لنشارك شعبنا أحزانه، أولئك المتضررين من الهجوم الوحشي على مواطنينا في الكرك”. وأضافت: “كان من بين الضحايا زميلنا في الجامعة الهاشمية، الدكتور عاصم برقان، وابنته طالبة لدينا في كلية الصيدلة”. وتابعت: “إنه لأمر محزن للغاية. لا يستطيع العقل البشري أن يتصور وجود أناس قادرين على ارتكاب مثل هذه الجرائم، قتل أبرياء وهم في أماكن عبادتهم”.

كانت المتحدثة متأثرة للغاية في هجومها على مرتكبي هذه المجزرة. وقالت: “بصراحة، ليس لديهم دين، لا دين على الإطلاق. أنا متأكدة من ذلك؛ ليس لديهم دين”. وفيما يتعلق بمصطلح أطلقه الملك عليهم بالخوارج، أضافت: “إذا كان فهمي صحيحًا، فهذا يؤكد ببساطة أنهم لا يتبعون أي دين حقيقي”.

أثناء إقامة الكهنة الأرثوذكس صلاة الجنازة، ظلوا يرددون أسماء المتوفين التسعة الذين كانوا يصلّون من أجلهم: مازن، عاصم، فادي، إيهاب، خالد، ماهر، علاء، مروان، ومحمد. فاجأ المشاركين اسم محمد واسمه الكامل هو الدكتور محمد قسوس. يقول أصدقاؤه إن والده كان قوميًا عربيًا أراد تسمية ابنه البكر محمدًا تعبيرًا عن إيمانه بالقومية العربية ورفضه للانقسامات الدينية، مستخدمًا اسمًا إسلاميًا شائعًا.

أُخرجت النعوش الملفوفة بالإعلام على وقع قرع الطبول. وصفق الناس وأطلقت النساء الزغاريد، تأييداً واحتراماً لمن وصفتهم الدولة بالشهداء.

على الرغم من مظاهر الفخر والوحدة التي ظهرت، إلا أن الحالة المزاجية لدى الأردنيين، تبدو مزيجًا من الغضب والصمود. وقد عبرت الاستجابة الوطنية الضخمة، من الملك إلى عامة الشعب على اختلاف مستوياتهم ودياناتهم، عن وحدة وطنية قوية. ويبدو أن هذه الاستجابة قد طمأنت الناس، واعتبرها كثيرون دليلاً على الدعم الحقيقي والتعهد بحماية المجتمع المسيحي في الأردن. وعند سؤالهم، أكد الجميع شعورهم بأن بلادهم ومواطنيهم يعارضون بشدة الهجوم يقفون بحزم إلى جانب إخوانهم المسيحيين.

مع ذلك، لم يزيل هذا المظهر الوحدوي القلق والخوف والتوتر. ويدعو كثيرون إلى مزيد من اليقظة في مواجهة المتطرفين المقيمين في الأردن. كما ينتشر الخوف على نطاق واسع بعد ما حدث في قرية حمود.

استمرت بعض الكنائس في إقامة الصلوات كالمعتاد، بينما أغلقت كنائس أخرى أبوابها لبضعة أيام. وأعلنت الطائفة المعمداني، عدم إقامة الصلوات ليومين كإجراء احترازي.

والآن، بعد القبض على الجناة، لا تزال التساؤلات قائمة حول من قدموا الدعم اللوجستي أو الأيديولوجي، ومن أمروا بارتكاب هذه المذبحة بحق مواطنين أبرياء وضرورة اجتثاث الطرف بشكل قوي من المجتمع من خلال التعليم ورفع الوعي لمخاطرة.

صرح القس ديفيد ريحاني، رئيس “كنائس جماعات الله” في الأردن، والذي حضر مراسم الجنازة، ل ملح الأرض قائلاً: “تقع على عاتقنا جميعاً، مسيحيين ومسلمين، إلى جانب مؤسساتنا الوطنية، وقادتنا الدينيين، والتربويين، والمجتمع بأسره، مسؤوليةُ مواجهة التطرف من خلال التعليم والتوعية وتعزيز التسامح والاحترام المتبادل. يجب أن ندرك أن مثل هذه الأعمال الإرهابية تهدف إلى زرع الانقسام، وتقويض الاستقرار، وتهديد الوحدة الوطنية التي نعتز بها في الأردن. لذا، فمن واجبنا الجماعي أن نقف صفاً واحداً، وأن نرفض الكراهية والتطرف، وأن نحمي السلام والأمن والوحدة في وطننا الحبيب”.

بعد الجنازة، امتلأت خيمة ضخمة نُصبت على عجل بالحضور، وهي تتسع لما يقرب من 4000 رجل. وقدموا أطباق المنسف الأردني إلى جانب القهوة المرة التقليدية.

الملكة رانيا العبدالله تعزي العائلات الثكلى

بعد ذلك بوقت قصير، ظهرت الملكة رانيا على شاشة التلفزيون وهي تزور الخيمة التي كانت النساء تقيم فيها العزاء. كما شوهد ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله، والأمير مرعد، وبطريرك القدس الأرثوذكسي وهم يقدمون التعازي في خيمة الرجال.

من اليسار الامير غازي, بطريرك الأرثوذكس, بطريرك اللاتين, مفتي القدس ووزير الداخلية الأردني

كما وزار الكاردينال الكاثوليكي بيتسابالا والامير غازي بن محمد ومفتي القدي واخرين ايضا لتقديم واجب العزاء.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment