
السابق مجزرة حمود: الدروس والعبر وأهمية المواطنة- من نشرة ملح الأرض رقم 254

بقلم: نادين النمري
لم تكن العودة إلى الكتابة سهلة في ظل الألم العميق الذي تسبب به الهجوم الإرهابي على كنيسة قرية حمود في الكرك. لكن ما دفعني إلى الكتابة هو ما رصدته على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام التي تلت الهجوم.
ربما، كغيري من الأردنيين، زاد تعلقي بهاتفي خلال تلك الفترة، بحثًا عن المعلومات ومتابعةً لما يُنشر، كما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة للتعبير عن الصدمة والحزن والغضب الذي اجتاحنا جميعًا. في اليومين الأولين، لفتني حجم التضامن والتماسك في الخطاب الأردني، قبل أن تبدأ تعليقات وحسابات تدفع النقاش في اتجاهات أخرى، وتخرج بالحادثة من سياقها.
والسؤال، ما الذي حصل؟ بحكم عملي لسنوات صحافية استقصائية، اعتدت أن أطرح أسئلة خلف كل عبارة: من؟ ومتى؟ ولماذا؟ دفعتني هذه الأسئلة إلى التوقف عند بعض التعليقات، ومحاولة معرفة من يقف وراء الحسابات التي تنشرها.
كان لافتًا أن عددًا من هذه الحسابات حديث الإنشاء، بأسماء مستعارة، ومن دون أصدقاء أو متابعين سابقين. وظهرت حسابات أخرى تحمل وصف «AI-generated profile»، فيما بدت حسابات أخرى عائدة لأشخاص من خارج الأردن، يشاركون في نقاش يتعلق بحادثة محلية رغم عدم معرفتهم المباشرة بالمجتمع الأردني.
لا تكفي هذه المؤشرات وحدها للجزم بأن هذه الحسابات وهمية أو أنها تعمل وفق توجيه محدد، لكنها تثير أسئلة مشروعة حول طبيعة النقاش الذي شهدناه، ومدى تعبيره عن آراء الأردنيين فعلًا.
في هذا السياق، تكتسب دراسة «الأقلية الأعلى صوتًا: كيف يتفاعل الأردنيون على الإنترنت» التي نشرتها مجموعة Analyseize قبل وقوع الجريمة الارهابية في حمود أهمية خاصة. وتشير نتائجها إلى أن 20% فقط من الأصوات التي تشارك في النقاشات على منصات التواصل الاجتماعي تعبّر عن آرائها بالتعليق على المنشورات، مقابل 51% يتفاعلون بصمت، و29% لا يتفاعلون أصلًا.
تطرح الأرقام سؤالًا يستحق التوقف عنده: إلى أي مدى تعكس التعليقات التي نراها على وسائل التواصل الاجتماعي الرأي العام؟ فهناك فرق بين حجم التفاعل مع رأي معين وبين مدى انتشاره في المجتمع، خصوصًا أن نسبة كبيرة من المستخدمين تتابع ما يُنشر من دون أن تشارك في النقاش.
وعندما تتداخل هذه الحقيقة مع وجود حسابات مجهولة أو وهمية، واحتمال استخدام بعضها لتضخيم روايات معينة أو استدراج المستخدمين إلى سجالات حادة، يصبح من الضروري التمييز بين النقاش الذي يعكس اختلافات الأردنيين الحقيقية، وبين محاولات التأثير في مساره.
لكن ماذا حدث فعلًا على المنصات بعد الهجوم على كنيسة حمود؟
دراسة أجراها معهد السياسة والمجتمع عقب الهجوم الإرهابي، ورصدت التغطية الإعلامية والتفاعل الرقمي خلال الفترة من 23 إلى 26 تشرين الأول 2026، كشفت عن حجم النقاش الذي تجاوز حدود الأردن. فقد سجل التقرير أكثر من عشرة ملايين تفاعل خلال أربعة أيام، وارتفع معدل النشر المرتبط بالحادثة من نحو 300 منشور في الساعة إلى قرابة عشرة آلاف منشور في الساعة خلال ذروة الاهتمام.
وامتد النقاش إلى أكثر من عشر لغات، ورصد التقرير أن نحو 38% من المحتوى باللغة الإسبانية الذي أمكن تحديد موقع حساباته صدر عن حسابات عرّفت موقعها بأنه إسرائيل. كما رصد حسابات متطرفة خارج الأردن أعادت صياغة العناوين الإخبارية.
في المقابل، تصدرت الوحدة الوطنية والتضامن الإسلامي المسيحي رسائل التغطية الأردنية، إلى جانب زيارة الملك للمصابين، وقصص الضحايا ومشاهد التشييع التي أبرزت البعد الإنساني والوطني للفاجعة.
تكشف هذه النتائج عن تباين في طريقة تناول الحادثة بين الخطاب الأردني الذي ركز على الوحدة والتضامن، ومحتوى متداول خارج الأردن أعاد تقديم الحدث ضمن روايات دينية وسياسية مختلفة.
على أرض الواقع، أظهر الهجوم الإرهابي حجم التماسك والتضامن بين الأردنيين. أما على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح هذا التماسك عرضة لاختبار مختلف، مع ظهور تعليقات تنقل النقاش من إدانة الجريمة والتضامن مع الضحايا إلى سجالات حادة ومحاولات لاستفزاز الناس واستدراجهم إلى ردود متبادلة.
وقد يكون التأثير الذي تسعى إليه بعض الحسابات في مثل هذه الحالات مرتبطًا بقدرتها على دفع المستخدمين الحقيقيين إلى الانخراط في تلك السجالات، بحيث يتجاوز أثرها ما تنشره هي نفسها، ويمتد إلى النقاش الذي يستدرجه محتواها.
بالمحصلة ما تبين عقب هذه الحادثة ربما حاجة إلى مراجعة أدواتنا الإعلامية، خصوصًا في التعامل مع الأحداث الكبرى. فسرعة نشر المعلومات الموثقة، وتوضيح الحقائق منذ اللحظات الأولى، وتعزيز حضور الرواية الأردنية بلغات متعددة، كلها أمور تساعد على الحد من المساحات التي يمكن أن يشغلها التضليل. كما نحتاج إلى إعادة النظر في مفهوم المؤثر الحقيقي، وفي الدور الذي يؤديه في النقاش العام، لجهة المصداقية والقدرة على تقديم المعلومات في سياقها الصحيح.
وعلى أهمية متابعة الحسابات الوهمية والتصدي للتضليل الإعلامي، تبقى مسألة مواجهة خطاب الكراهية أوسع من ذلك بكثير. فهناك فارق بين حساب وهمي يُستخدم للتأثير في نقاش عام، وبين شخص حقيقي يحمل أفكارًا إقصائية أو يمارس التحريض ضد الآخرين. وقد تتقاطع المسألتان، لكنهما ليستا واحدة، ولا يمكن تفسير خطاب الكراهية كله بمحاولات خارجية للتأثير.
لذلك، فإن مواجهة هذا الخطاب تتطلب بحثًا أعمق في الأسباب التي تدفع بعض الشباب إلى تبنيه أو الانجرار إليه، وفهم إحباطاتهم وتطلعاتهم، وطبيعة المعلومات التي يتعرضون لها، وقدرتهم على التمييز بين الحقيقة والتضليل، وبين الاختلاف والتحريض.
وقبل حصر النقاش في تشديد العقوبات او غيرها من اجراءات الردع، نحتاج إلى برنامج وطني للوقاية، يخاطب اليافعين والشباب، ويعزز التفكير النقدي والتحقق من المعلومات قبل تصديقها أو إعادة نشرها، ويوفر بيئة حاضنة تحترم الاختلاف والتنوع وتدعم حق الجميع في التعبير عن آرائهم، وربما الأهم ترسيخ قناعتهم بوجود بيئة داعمة لتحقيق طموحاتهم.
فحماية المجتمع من خطاب الكراهية لا تبدأ عند ظهور التعليق المسيء فقط، بل من فهم الأسباب التي تجعله يجد طريقه إلى عقول بعض الناس، ومن بناء وعي يساعدهم على التفكير قبل التصديق والمشاركة.
وربما يكون السؤال الذي علينا أن نطرحه اليوم ليس فقط: من يقف وراء هذه الحسابات؟ بل أيضًا: كيف نحمي نقاشنا العام من أن تتحكم فيه الأصوات الأعلى حضورًا، وكيف نضمن ألّا تتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة يُختبر فيها تماسك المجتمع، فيما تبقى أصوات الأردنيين الحقيقية أقل ظهورًا؟


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!