
السابق قيس زيادين يرفض إلغاء مظاهر الميلاد… ويدعو لتوحيد الأردن ضد الإرهاب

فارس سلايطة
أتابع باستغراب منذ أيام الجدل الدائر حول الاحتفالات بعيد الميلاد المجيد هذا العام، بين من يطالب بإلغائها احترامًا لأرواح شهداء حمود، ومن يرى في إلغائها انتقاصًا من فرحة الميلاد، بل إن بعض الأصوات ذهبت إلى تخوين الموقف المخالف، والتشكيك في إيمان أصحابه وصدق مشاعرهم!
لهذا سأطرح سؤالًا أعمق من مسألة إضاءة شجرة أو إقامة بازار: هل تعرف حقًا ما الذي نحتفل به في عيد الميلاد؟ وهل أصبحنا عاجزين عن التمييز بين قدسية المناسبة والقشور التي تراكمت حولها؟
في جوهر العقيدة المسيحية، لا يحتفل المؤمنون بمجرد ذكرى ميلاد طفل في بيت لحم، بل بسرّ التجسد الإلهي؛ «والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا». إنه إعلان اقتراب الله من الإنسان، ومشاركته الوجود البشري بكل ما يحمله من ألم وضعف ورجاء. تلك هي عظمة الميلاد ومعناه اللاهوتي، الذي لا تزيده شجرة مضاءة قداسة، ولا تنتقص منه ساحة خالية من الزينة.
أما شجرة الميلاد التي تحولت إلى محور هذا الجدل، فلم يعرفها مسيحيو القرون الأولى، ولم ترد في روايات الميلاد الإنجيلية. فقد ظهرت بصورتها المعروفة في أوروبا، ولا سيما المناطق الألمانية، بعد قرون طويلة من نشأة المسيحية، ثم انتشرت تدريجيًا في أنحاء العالم. وكذلك تطورت الزينة والأسواق والهدايا وسائر المظاهر الاحتفالية ضمن تقاليد اجتماعية وثقافية، اكتسب بعضها رموزًا مسيحية مع مرور الزمن.
ولا عيب في هذه التقاليد، ولا أدعو إلى نبذها، فقد أصبحت جزءًا جميلًا من ذاكرة العائلات وبهجة الأطفال. لكن العيب أن نرفع ما هو اجتماعي وعارض إلى مرتبة ما هو إيماني وجوهري، وأن نتصرف وكأن الميلاد يفقد معناه إن لم تُضأ الأشجار وتُفتح البازارات!
ثم نأتي إلى الشهداء، وإلى الجرح الذي لم يندمل بعد.
هل يُعقل أن يتحول اختلاف الناس حول مظاهر الاحتفال، في ظرف إنساني بهذه القسوة، إلى مناسبة لتبادل الاتهامات والمزايدات الأخلاقية والدينية؟ وهل أصبح من يرى أن الحزن ما زال حاضرًا في النفوس متهمًا بالانهزام أو التخلي عن إيمانه؟!
إن هذا المنطق لا يدافع عن الميلاد، بل يكشف اختلالًا في ترتيب الأولويات، حين تصبح المظاهر أهم من الإنسان، وتصبح الزينة قضية تستحق المعارك الكلامية، بينما يُنظر إلى مشاعر الحزن وكأنها عقبة ينبغي تجاوزها!
أما الحديث عن البازارات ومصالح التجار وأصحاب المشغولات، فله اعتباره الاقتصادي والاجتماعي، ولا يجوز تجاهله. لكن السوق، في نهاية المطاف، تحكمه معادلة العرض والطلب. يستطيع المنظمون إقامة ما يشاؤون من فعاليات، لكنهم لا يستطيعون فرض الإقبال عليها، ولا صناعة مزاج احتفالي بقرار.
وأعتقد أن المزاج العام، بعد الفاجعة التي أصابتنا، لن يكون مزاج فرح صاخب، سواء أُعلنت الاحتفالات أم أُلغيت. فالناس ليست مفاتيح كهربائية نضغط عليها لتضيء أفراحها، أو نطفئها فتبدأ أحزانها.
وهنا أصل إلى ما أراه جوهر القضية: لا يملك أحد، فردًا كان أم مؤسسة أم مرجعية دينية، أن يحدد للناس كيف يشعرون، أو أن يجعل من موقفهم تجاه الاحتفالات مقياسًا لإيمانهم أو وطنيتهم أو وفائهم للشهداء.
فمن استطاع أن يتجاوز مشاعر الحزن ويعلن الاحتفال، فله ذلك، ولن يكون خارجًا عن الجماعة. ومن اختار الامتناع احترامًا لحزنه، فذلك حقه أيضًا، ولن يُعتبر منكرًا للمسيح. ولا يحتاج أي منهما إلى شهادة حسن سلوك من الآخر.
يبدو أننا نسينا أن الميلاد الذي نحتفل به بدأ في مذود متواضع، لا تحت أضواء الثريات، ولا بين واجهات المحال والأسواق. وأن عظمة الحدث لم تكن يومًا في مظاهره، بل في سرّ التجسد الذي اتخذ فيه الله طبيعتنا البشرية، ليرفع الإنسان من محدودية وجوده إلى آفاق الشركة معه في الحياة الإلهية.
فلا تختزلوا الميلاد في شجرة، ولا تخاذلوا الإيمان في احتفال، ولا تجعلوا من الحزن تهمة، ومن الفرح واجبًا. الفرح لا يُفرض، والحزن لا يحتاج إلى تبرير، والمشاعر لا تحتاج إلى ترخيص.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!