
السابق جوقةُ ينبوعِ المحبّةِ: أصواتُ أطفالٍ تُنشدُ التسامحَ من عمّان إلى العالمِ

بقلم: منير يوسف قبطي
عبر التاريخ الإنساني، شكّل الوطن إطارًا جامعًا لتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية، حيث ارتبط بمفاهيم السلطة والانتماء والهوية، وبالعلاقة بين الفرد والدولة ضمن منظومات قانونية وثقافية متغيرة. ومع تطور الفكر السياسي، لم يعد الوطن مجرد حدود جغرافية، بل أصبح تعبيرًا عن مشروع جماعي يسعى إلى تحقيق الاستقرار والعدالة وبناء معنى مشترك للحياة العامة. في المقابل، قدّمت المسيحية منذ نشأتها رؤية مختلفة للوطن، لا تنطلق من السلطة أو القوة، بل من الإنسان وكرامته، ومن البعد الأخلاقي الذي يوجّه علاقة الفرد بالمجتمع والدولة، مما يجعل مفهوم الوطن في الفكر المسيحي أقرب إلى المسؤولية الأخلاقية منه إلى الهيمنة السياسية.
في الفكر السياسي الحديث، يُنظر إلى الوطن بوصفه بناءً اجتماعيًا وثقافيًا يتجاوز كونه واقعًا ماديًا، حيث يتكوّن الإحساس بالانتماء عبر اللغة والرموز والمؤسسات التي تعزز الشعور بالوحدة(Anderson, 1983). كما يرتبط نشوء القومية الحديثة بتحولات تاريخية واقتصادية أعادت تشكيل العلاقة بين الفرد والدولة(Gellner, 1983)، في حين تؤكد مقاربات أخرى على دور الذاكرة التاريخية والرموز المشتركة في تكوين الهوية الوطنية واستمراريتها(Smith, 1991). ومن منظور اجتماعي، يعتمد تماسك المجتمع على منظومة قيمية مشتركة تنظم السلوك وتحدد معايير الصواب والخطأ، ما يجعل الوطن إطارًا أخلاقيًا إلى جانب كونه إطارًا سياسيًا(Durkheim, 1912). وفي السياق المعاصر، تُطرح المواطنة بوصفها علاقة تقوم على الاعتراف المتبادل واحترام كرامة الإنسان داخل المجتمع(Taylor, 1992).
وفي ضوء الدراسات الفكرية واللاهوتية، يتضح أن العلاقة بين المسيحية والمجال السياسي شكّلت محورًا أساسيًا في تطور الفكر المسيحي عبر العصور. فقد قدّم أوغسطينوس تمييزًا جوهريًا بين “مدينة الله” و“مدينة الإنسان”، مؤسسًا لفكرة الفصل بين الانتماء الروحي والانتماء الزمني، بما يمنع اختزال الإيمان في الدولة أو السلطة. وفي السياق الحديث، قدّم جاك ماريتان رؤية تربط بين الإيمان المسيحي والديمقراطية وحقوق الإنسان، مؤكدًا أن كرامة الإنسان تمثل الأساس لأي نظام سياسي مشروع، بينما تناول راينهولد نيبور التوتر القائم بين المثال الأخلاقي المسيحي ومتطلبات الواقع السياسي، مشيرًا إلى أن هذا التوتر يظل نقديًا ودائمًا وليس قابلًا للحل الكامل.
ضمن هذا الإطار، نشأت المسيحية في بيئة سياسية معقّدة وقدّمت رؤية أخلاقية تعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والوطن دون إلغاء الانتماء الوطني، بل عبر وضعه ضمن أفق أوسع من القيم الروحية والإنسانية. ويتجلى هذا في قول يسوع المسيح: “أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (متى 22:21)، وهو مبدأ يؤسس لتمييز واضح بين المجال المدني والمجال الروحي، ويمنع تداخل السلطة السياسية مع الإيمان الديني. كما يؤكد العهد الجديد على احترام النظام العام: “لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من الله” (رومية 13:1–7)، مع الحفاظ على أولوية الضمير الإنساني والإيمان حين يقول: “ينبغي أن يُطاع الله أكثر من الناس” (أعمال الرسل 5:29).
وفي البعد الأخلاقي، تؤكد المسيحية على محبة القريب: “تحب قريبك كنفسك” (متى 22:39)، وهي وصية تتجاوز الحدود القومية والدينية، وتعيد تعريف مفهوم الانتماء على أساس الإنسانية المشتركة. ويتجلى هذا المعنى بوضوح في مثل السامري الصالح (لوقا 10:25–37)، الذي يوسّع دائرة المسؤولية الأخلاقية لتشمل الآخر بغض النظر عن هويته أو انتمائه. ومن هنا، لا يقدّم الفكر المسيحي تبريرًا للظلم أو الاستعمار أو إذلال الشعوب باسم الوطن، لأن الكرامة الإنسانية تمثل قيمة مركزية غير قابلة للمساومة.
في النهاية، يتضح أن مفهوم الوطن في ضوء الرؤية المسيحية لا يُختزل في كونه إطارًا سياسيًا أو جغرافيًا، بل يتحول إلى مسؤولية أخلاقية تُقاس بمدى التزامه بالعدالة والرحمة وكرامة الإنسان. فالوطن الحقيقي، في هذا المنظور، هو ذلك الذي يوازن بين الانتماء السياسي والقيم الإنسانية، ويجعل من المواطنة ممارسة أخلاقية حية، ومن الإيمان قوة دافعة لبناء مجتمع أكثر عدلًا وإنسانية.
الكاتب ناشط مسيحي من سكان الناصرة


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!