Skip to content

الانفتاحُ بينَ القيمِ والتقليد.. الأب إبراهيم نينو يُحذّرُ من “فوضى السلوك” ويدعو لضبطِ الحريّةِ في المجتمع

تاريخ النشر: مايو 3, 2026 11:03 ص
WhatsApp Image 2026-05-01 at 2.03.23 AM

ليث حبش- ملح الأرض

في ظلِّ التحوّلاتِ الاجتماعيّةِ المتسارعةِ وتأثيرِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ على أنماطِ الحياةِ اليوميّة، تتصاعدُ تساؤلاتٌ داخلَ المجتمعِ المسيحيِّ في الأردن حول حدودِ الانفتاح، والحفاظِ على القيم، والتوازنِ بين الحداثةِ والهويّة. وفي هذا السياق، يطرحُ الأب إبراهيم نينو، كاهنُ رعيّةِ اللاتين في الفحيص، رؤيةً نقديّةً صريحةً لما وصفه بـ”الانجرافِ غيرِ الواعي” خلفَ أنماطٍ دخيلةٍ لا تنسجمُ مع خصوصيّةِ المجتمع.

ويؤكّدُ الأب إبراهيم في تصريحٍ خاصٍّ لـ ملحِ الأرض أنَّ الانفتاحَ على العالم ليس مرفوضًا بحدِّ ذاته، لكنّه يجبُ أن يكونَ قائمًا على الانتقاءِ الواعي، قائلًا إنَّ “المشكلةَ لا تكمنُ في الاطّلاعِ على الثقافاتِ الأخرى، بل في تقليدِها دونَ تفكيرٍ أو تقييمٍ لمدى ملاءمتِها لبيئتنا وقيمِنا”.

ويضيفُ أنَّ بعضَ الممارساتِ التي باتت تنتشرُ في المناسباتِ الاجتماعيّة، خصوصًا حفلاتِ الزواج، فقدت جوهرَها القائمَ على الاحترامِ والتلاقي بين العائلات، وانشغلت بتفاصيلَ شكليّةٍ على حسابِ البعدِ الروحيِّ والدينيّ، مشيرًا إلى أنَّ “الاهتمامَ بالمظاهر طغى على معنى الحدث، حتى باتت الكنيسةُ أحيانًا في المرتبةِ الأخيرة”.

الأب إبراهيم نينو

الاحتشامُ مسؤوليّةٌ مشتركة

وفي حديثِه عن مفهومِ الاحتشام، يُشدّدُ الأب إبراهيم على أنّه لا يقتصرُ على النساء، بل يشملُ الرجالَ أيضًا، موضحًا أنَّ “الحشمةَ تعني احترامَ المكانِ والحدث، وهي انعكاسٌ لكرامةِ الإنسان، وليست قيدًا على الحريّة كما يعتقدُ البعض”.

ويتابع: “الحريّةُ لا تعني التصرّفَ دونَ ضوابط، بل هي مسؤوليّةٌ تحترمُ الآخرَ والمكان، خاصّةً عندما يتعلّقُ الأمرُ بأماكنَ مقدّسةٍ أو مناسباتٍ ذاتِ طابعٍ دينيٍّ واجتماعيّ”.

السوشيال ميديا… سلاحٌ ذو حدّين

وعن ظاهرةِ التصويرِ والبثِّ المباشر في المناسبات، يُحذّرُ الأب إبراهيم من تداعياتِ النشرِ غيرِ المسؤول، خصوصًا في ظلِّ التطوّرِ التكنولوجي، بما في ذلك تقنيّاتُ الذكاءِ الاصطناعيّ، التي قد تُستخدمُ في تشويهِ الصورِ أو استغلالِها.

ويشيرُ إلى أنَّ “المشكلةَ ليست في التكنولوجيا بحدِّ ذاتها، بل في طريقةِ استخدامها”، داعيًا إلى التفكيرِ مليًّا قبلَ نشرِ أيِّ محتوى، خاصّةً في مجتمعٍ متعدّدِ الأديان، يتطلّبُ قدرًا عاليًا من الوعي واحترامِ الخصوصيّات.

كما لفتَ في حديثه لـ ملحِ الأرض إلى أنَّ الإفراطَ في توثيقِ اللحظات قد يَحرِمُ الأفرادَ من عيشِها فعليًّا، قائلًا: “نحنُ أحيانًا ننشغلُ بالتصوير لدرجةٍ أنّنا نفقدُ متعةَ اللحظةِ نفسها”.

رسالة الأب ابراهيم نينو الى رعيته مع بدء موسم الاعراس والاحتفالات

بينَ الفرحِ والإفراط… انتقادٌ لظاهرةِ الشرب

وفيما يتعلّقُ بظاهرةِ شربِ الكحولِ في المناسبات، يُوضّحُ الأب إبراهيم نَّ التعاليمَ المسيحيّةَ لا تُحرّمُ الشربَ بحدِّ ذاته، لكنّها ترفضُ الإفراطَ والسُّكر، مشيرًا إلى أنَّ العديدَ من المشاكلِ الاجتماعيّة تنجمُ عن غيابِ الاعتدال.

ويقول: “الفرحُ لا يعني فقدانَ السيطرة، والقوّةُ الحقيقيّةُ تكمنُ في معرفةِ الإنسانِ لحدودِه”، مُحذّرًا من الآثارِ السلبيّةِ لهذه السلوكيّات على الأسرةِ والأبناءِ وصورةِ المجتمع.

دعوةٌ للعودةِ إلى الجوهر

ويختتمُ الأب إبراهيم حديثَه بالتأكيدِ على محورين أساسيّين يجبُ التركيزُ عليهما: البعدُ الإنسانيّ والبعدُ الإيمانيّ، مُشدّدًا على ضرورةِ العيشِ بوعيٍ يحفظُ كرامةَ الإنسان ويُعزّزُ القيمَ المشتركة.

كما دعا إلى عدمِ التعاملِ مع الإيمان كجانبٍ ثانويّ، بل كركيزةٍ أساسيّةٍ في الحياةِ اليوميّة، قائلًا: “نحنُ مدعوّون لأن نعكسَ إيمانَنا في كلِّ تفاصيلِ حياتِنا، من تصرّفاتِنا إلى مظهرِنا، لأنَّ هذه القيمَ هي ما يُميّزُنا ويمنحُنا هويّتَنا”.

استطلاعُ رأي… بينَ ضبطِ السلوكِ والحفاظِ على هويّةِ المجتمع

وفي إطارِ رصدِ الآراء، تباينت وجهاتُ نظرِ عددٍ من المواطنين حول القضايا المطروحة، بينَ مؤيّدٍ لطرحِ ضبطِ السلوك، وآخرَ يدعو لمقاربةٍ أكثرَ توازنًا.

ترى عروب الريحاني، من الزرقاء، أنَّ الحديثَ عن الاحتشام “أمرٌ ضروريّ”، مشيرةً في حديثها لـ ملح الأرض إلى أنَّ بعضَ المظاهر “تجاوزت حدودَها”، وأنَّ العودةَ للبساطة تعكسُ صورةً أفضلَ عن المجتمع.

وتؤكّدُ عنود عوّاد، من الفحيص، لـ ملح الأرض أهميّةَ التوازنِ بين الانفتاحِ والحفاظِ على الهويّة، معتبرةً أنَّ “المشكلةَ ليست في الفرح بل في المبالغة”، موضّحةً أنَّ كثيرًا من الممارساتِ الحديثة أفرغت المناسباتِ من مضمونِها الحقيقيّ، وداعيةً إلى الحفاظِ على جوهرِ الفرحِ المرتبطِ بالاحترامِ والعائلة، دونَ الانجرارِ وراءَ تقليدٍ أعمى لا ينسجمُ مع طبيعةِ المجتمع.

أمّا زيادُ معايعة، من مادبا، فيرى أنَّ الأساسَ هو السلوك، قائلًا لـ ملح الأرض إنَّ “القيمَ تُقاسُ بالأفعال لا بالمظاهر”، مشيرًا إلى أنَّ التركيزَ المفرطَ على الشكلِ الخارجيّ قد يُبعدُ الانتباهَ عن جوهرِ الأخلاق، ومؤكّدًا أنَّ الوعيَ الحقيقيَّ يظهرُ في طريقةِ التعاملِ والاحترامِ المتبادل، سواءً في المناسباتِ أو الحياةِ اليوميّة.

بدوره، يؤيّدُ عبداللهُ جميلُ بقاعين، من بلدةِ أدر في الكرك، هذا التوجّه، مُشدّدًا في حديثه لـ ملح الأرض على ضرورةِ الاحتشام خاصّةً في الكنائس، ومعتبرًا أنَّ الفرحَ لا يعني الإفراط، بل يجبُ أن يعكسَ القيمَ المسيحيّةَ التي تبدأُ من البيت.

وفي خِتامِ هذا الطَّرح، تبقى هذه القضايا مفتوحةً على أكثرَ من زاوية، حيثُ ينقسمُ الرأي بينَ من يرى ضرورةَ ضبطِ السلوك للحفاظِ على القيمِ والهويّة، وبينَ من يدعو إلى مقاربةٍ أكثرَ مرونةً تُراعي تغيّرَ الواقع وتوسّعَ مساحاتِ الحريّة. وبينَ هذين التوجّهين، يبقى التحدّي في إيجادِ توازنٍ يضمنُ صونَ القيم دونَ إلغاءِ حقِّ الأفراد في التعبير والاختيار.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment