
السابق حريةُ التعبيرِ – تحسُّنٌ بسيطٌ في الأردنِ وفلسطين، وتراجعٌ في إسرائيل- من نشرة ملح الأرض رقم 228

مي منصور- ملح الأرض- الجليل
“في أحد قداديس أسبوع الآلام، قُرعت صافرات الإنذار، فاضطررنا إلى مغادرة الكنيسة والتوجّه إلى الملجأ العام في المنطقة”. يروي الأب مجدي هاشول، أحد رعاة كنيسة مار لويس المارونيّة في حيفا، لـ ملح الأرض: «مع ذلك، أكملنا القدّاس داخل الملجأ، إلى جانب أشخاص من خلفيّات مختلفة». ومن خلال حديثه، ينقل صورة واضحة عن واقع أبناء المجتمع العربي المسيحي داخل الخط الأخضر، مستندًا إلى تجربته كابنٍ لقرية الجش، الواقعة على الحدود مع لبنان.

ويشير الأب هاشول إلى الصعوبات المتكرّرة التي يواجهها في التنقّل من قريته إلى مدينة حيفا لأداء خدمته، مستذكرًا إحدى الرحلات التي تلقّى خلالها إنذارًا مبكرًا من الجبهة الداخليّة. ففي ظل الأزمة المرورية المعتادة في ساعات الصباح الباكر، بدا القلق واضحًا على السائقين من طريقة قيادتهم، إلا أنهم، بدلًا من البحث عن ملجأ قريب، واصلوا السير مسرعين في محاولة للوصول إلى وجهاتهم. ونتيجةً لذلك، أصبح الوصول إلى منطقة آمنة قبل سقوط الصاروخ أمرًا بالغ الصعوبة.
في ظلّ هذه الأحداث المعقّدة، يبدو واضحًا أنّ المجتمع العربي المسيحي يواجه تراجعًا ملحوظًا على المستويين النفسي والمجتمعي. ويصف القس نزار توما، راعي الكنيسة الناصريّة في الناصرة، هذه الحالة لـ ملح الأرض قائلًا: إنّ الكبار باتوا يشعرون بنوع من «التخدير» نتيجة تكرار المشاعر المضطربة وتراكم الأزمات، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى الحروب المتتالية. ويضيف أنّ هناك، في المقابل، تزايدًا ملحوظًا في الرغبة بالهجرة بحثًا عن الأمان ومستقبل أكثر استقرارًا وأملًا.

وتأتي هذه التحوّلات في سياق معقّد تعيشه منطقة الجليل في الآونة الأخيرة، حيث تتفاقم مجموعة من التحديات، من غلاء المعيشة، إلى مظاهر العنصرية من بعض فئات المجتمع اليهودي، وصولًا إلى تصاعد الجريمة داخل المجتمع العربي.
في سياقٍ آخر، روت المعالجة النفسيّة سامية عودة تجربتها الممتدّة بين الحرب السابقة في حزيران 2025 والحرب الحاليّة في آذار 2026، مشيرةً إلى اختلاف طبيعة القلق بين الفترتين. وقالت لـ ملح الأرض إن الخوف في الحرب السابقة كان نابعًا من الإحساس بأنها ستكون أوسع وأشد من الحروب التي شهدها الناس مؤخرًا، خاصة بعد سقوط صاروخ في مدينتها كفرياسيف على أحد المنازل، وهو المكان الذي كانت موجودة فيه قبل الحادثة بنحو نصف ساعة.
أما في الحرب الحالية، فتوضح عودة أن القلق لم يعد مرتبطًا بحدث واحد، بل أصبح نتيجة تداخل عوامل متعددة، أبرزها تصاعد العنف والجريمة داخل المجتمع العربي، لا سيما في بلدتها، ما خلق حالة من التوتر المركّب الذي يتجاوز الخوف التقليدي من الحرب وحدها.

وانعكاسًا لهذا القلق المستمر، بادرت عدة مؤسسات مسيحية إلى تنظيم ورشات عمل تهدف إلى تعزيز الحصانة النفسية في أوقات الأزمات، من بينها رابطة الطلاب المسيحيين في البلاد وكلية الناصرة الإنجيلية. وفي هذا الإطار، افتتحت المعالجة النفسية رناء حدّاد إحدى ورشات رابطة الطلاب المسيحيين مؤكدة لـ ملح الأرض أن «الأزمات والضغوطات هي جزء من رحلة تشكيل الله لنا»، مشيرةً إلى قدرة الدماغ على التعافي حتى من أصعب التجارب. وأضافت أن الأزمات لا تمثل نهاية الطريق، بل تشكّل جزءًا من مسار بناء الإنسان ليصبح أكثر صلابة ومرونة، قبل أن تقدّم مجموعة من الأساليب العملية للاسترخاء وتفريغ الضغط النفسي من خلال تمارين جسدية بسيطة وسهلة.
من جهةٍ أخرى، أوضحت المعالجة الوظيفيّة رشا سابا القنوات الست لنموذج «تجمّع شفاء» (Basic Ph)، مؤكدةً أنّها «أساليب بسيطة وعمليّة يمكن للجميع تطبيقها». وأشارت إلى أنّ الكثيرين يلجؤون أحيانًا إلى استخدام القناة غير المناسبة للتعامل مع مشكلاتهم، من دون مراعاة طبيعة الضغط الذي يواجهونه، أو ما إذا كانت الوسيلة المختارة فعّالة لهذا النوع من التحديات النفسية أو المجتمعية.

وفي ورشةٍ أخرى استهدفت الهيئات والقادة المسيحيين، نظّمتها كلية الناصرة الإنجيلية، تناول المعالج النفسي فريد شحادة، إلى جانب المعالجة النفسية رناء حدّاد، مفهوم الصمود من أبعاده الروحية والنفسية والاجتماعية. وركّزت الورشة على خمس شخصيات من الكتاب المقدس، هي موسى، وبولس، وإبراهيم، ويوسف، ويسوع، باعتبارهم نماذج حيّة للصمود في وجه المحن. وأكد شحادة في حديثه لـ ملح الأرض أن «الصمود والتعافي ليسا موهبة فطرية أو صفة خُلقية، بل مهارة يمكن تطويرها وتعزيزها»، مضيفًا أنّ التعافي لا يقتصر على الفرد وحده، بل ينبغي أن ينعكس أيضًا على المؤسسة والمجتمع المحيط.

ويُذكر أنّ جميع من تمّت مقابلتهم ما زالوا يقيمون في الأراضي المقدسة، ويتمسكون بالأمل في إحداث تغيير، سواء على مستوى المجتمع العربي أو من خلال السياسات الحكومية الإسرائيلية.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!