
السابق «بلسان» ينظم ورشة لتعزيز التكامل بين الرعاية المجتمعية والصحة النفسية والدعم المتخصص

بقلم القس فارس ابو فرحة*
مترجم عن مجلة ذي اميركان كونسيرفتيف
صرّح السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي، أمام “القمة اليهودية الأمريكية” في 30 أغسطس،بأنه يعتقد أنه “اختير من قِبَل هاشيم” -أي الله- للخدمة في القدس. ووصف تعيينه بأنه “لحظة إشعياء”، مستشهداً بالآية الواردة في سفر إشعياء (6: 8): “هأنذا، أرسلني”. كما وصف منصبه الدبلوماسي بأنه “أمر دُبِّر في السماء”.
وبعد بضعة أسابيع، وتحديداً في 18 سبتمبر، توجه وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث إلى جامعة “تكساس إيه آند إم” لإطلاق مبادرة البنتاغون التي تحمل اسم “جولة أرسلني” (Send Me Tour). وفي خطاب ألقاه في اليوم التالي، استشهد بالآية ذاتها من سفر إشعياء ليُصوّر الخدمة العسكرية الأمريكية على أنها دعوة إلهية.
يستخدم كل من هاكابي وهيغسيث لغة توراتية لإضفاء سلطة الله على ممارستهما للسلطة الحكومية؛ إذ يدّعي هذان المسؤولان السياسيان البارزان أن الله قد كلفهما شخصياً بهذه المهام. وهذا أمر ينبغي أن يثير قلقنا جميعاً، ولا سيما المسيحيين.
إن هذا يمثل إساءة صارخة لاستخدام النص؛ فقبل أن يقول إشعياء “أرسلني”، كان قد صرخ قائلاً: “ويلٌ لي”. لقد مثُل أمام الله في حالة من انكسار النفس، مواجهاً أوجه القصور الشخصية لديه وفساد أمته. ولم يُرسَل إشعياء إلا بعد أن اعترف بذنبه ونال الغفران.
علاوة على ذلك، فإن إشعياء أُرسِل لدعوة شعبه إلى التوبة، لا لتمثيل حكومته في الخارج، وبالتأكيد ليس لتدمير أعداء أمته.
لذا، إذا كان هاكابي وهيغسيث يبحثان عن “لحظة إشعياء”، فعليهما أن يبدأ بالتفكير فيما إذا كان هناك ما يستوجب الإصلاح والتطهير في أنفسهما وفي بلدهما.
إن تمثيل الولايات المتحدة كسفير أو كعضو في الحكومة يُعد دعوة شريفة، لكن أياً من هذين المنصبين لا يحظى بتأييد إلهي أو استحقاق خاص لنيل رضا الله أو الاصطفاء الإلهي. وما يثير قلقي في كلمات هاكابي وهيغسيث -أو حين أسمع مثل هذا الكلام من أي سياسي- هو محاولة تصوير سياساتهم على أنها تفويض من السماء، وبالتالي تصبح بمنأى عن النقاش أو الاعتراض؛ إذ يمكنك مناقشة وزير في الحكومة، لكنك لا تستطيع مجادلة الله.
أكتب هذه الكلمات وفي نفسي شعور عميق بالانكسار؛ فأنا أحب الولايات المتحدة. لقد منحتني هذه البلاد وطناً جديداً ومستقبلاً بصفتي مهاجراً فلسطينياً أمريكياً مسيحياً قدمتُ إلى هنا من بيت لحم. كما أنني أشعر بقلق عميق إزاء المعاناة التي تتكشف فصولها في الشرق الأوسط، والتي تؤثر على ملايين الأمريكيين أيضاً. إن الوضع الكارثي في الشرق الأوسط ليس وليد سياسات كارثية فحسب، بل هو أيضاً نتاج أفعال مسؤولين أمريكيين وظّفوا النصوص المقدسة لتبرير التوسع الإقليمي واستخدام القوة العسكرية.
دأب هاكابي على الحديث عن الفلسطينيين والأراضي المقدسة بهذه الطريقة منذ سنوات. ففي عام 2008، صرّح قائلاً: “في الواقع، لا يوجد شيء اسمه فلسطيني”، معللاً ذلك بأن الهوية الفلسطينية استُخدمت كأداة سياسية ضد إسرائيل. وفي وقت سابق من هذا العام، ضغط عليه المعلق المؤثر تاكر كارلسون بشأن تفسيره للوعد الكتابي (التوراتي) بأرض تمتد من النيل نحو الفرات، فأجاب هاكابي: “سيكون أمراً جيداً لو استولوا عليها بالكامل”.
ومثلي مثل هاكابي، أنا أُجِلّ النصوص المقدسة وأؤمن بأن الله يفي بوعوده؛ غير أن تحويل وعدٍ بعهدٍ قديم إلى مطالبة تتعلق بحدود وسيادة دولة علمانية حديثة يُعد ممارسة لاهوتية خاطئة. إن هاكابي يخبر العالم بأن استراتيجيته الدبلوماسية لا تتقيد بالسياسة الأمريكية، ولا بالقانون الدولي، ولا بالواقع المرير لملايين البشر الذين يعيشون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي.
وتحمل جولة هيغسيث التي أطلق عليها اسم “أرسلوني” (Send Me Tour) مضامين خطيرة مماثلة، وإن كانت كلماته تركز بشكل أقل على الأرض وبشكل أكبر على القوة. فعندما اقترح الرئيس دونالد ترامب تغيير اسم وزارة الدفاع إلى “وزارة الحرب”، تعهد هيغسيث بـ “أقصى درجات الفتك، لا الشرعية الفاترة”. وفي وقت لاحق، وأثناء مخاطبته كبار القادة العسكريين الأمريكيين، انتقد ما أسماه “قواعد الاشتباك الغبية” وتعهد بـ “فك قيود مقاتلينا” من أجل “ترهيب أعداء بلادنا، وتحطيم معنوياتهم، ومطاردتهم، وقتلهم”.
وقد بلغ به الأمر حداً أكبر من القسوة واللامبالاة؛ ففي مؤتمر صحفي بوزارة الدفاع (البنتاغون) في شهر مارس الماضي، قال هيغسيث: “لا هوادة ولا رحمة لأعدائنا”. وبعد أسابيع، وخلال قداس مسيحي أقيم داخل مبنى البنتاغون، دعا الله أن يمنحهم القدرة على ممارسة “عنف ساحق ضد من لا يستحقون الرحمة”. أتساءل كيف تلقى العسكريون المسيحيون الموجودون في تلك القاعة تلك الكلمات. ما هو الأثر الذي تتركه هذه الكلمات في ضمير الجندي حين تتحدث قيادته المدنية عن الحرب بلغة التفويض الإلهي وتختتم رسالتها باسم يسوع؟
إن دعاء هيغسيث بـ “انعدام الرحمة” يتناقض مباشرة مع كلمات يسوع؛ فمبدأ “لا رحمة لأعدائنا” لا يمت بصلة لمبدأ “طوبى للرحماء” أو للوصية بمحبة الأعداء. صحيح أن الحكومات ملزمة بالدفاع عن شعوبها، وأن للمسيحيين الحق في الانخراط في الخدمة العسكرية، إلا أنه لا يحق للقادة المسيحيين في المناصب العامة استحضار اسم الله كوسيلة للتحلل من القيود الأخلاقية. فلا ينبغي أبداً أن تتحول النصوص المقدسة إلى درعٍ لسياسات تنتهك القوانين الأمريكية والدولية وتعجز عن الصمود أمام المحك الأخلاقي.
عندما كنت صبياً في بيت لحم، تعلمتُ قصة إشعياء باعتبارها دعوةً إلى التواضع والعدل والتوبة. أما اليوم، فيسيء أصحاب السلطة استخدام ذلك النص لتبرير سياساتٍ تفتقر إلى الإنسانية بشكلٍ صادم. إن مكانة أمريكا المرموقة في العالم لم تقم يوماً على الوهم الخطير القائل بأن قادتنا ينفذون مشيئة الله بمعصوميةٍ عن الخطأ، وبالتأكيد لم تقم على مدى قسوتنا؛ بل إنها ترتكز على تقوى الله واحترام حياة البشر جميعاً. لا يمكننا إضفاء الطابع المسيحي على أمريكا من خلال عسكرة إيمانها التاريخي؛ فقد أرسل الله النبي العبري إشعياء يصدع بالحق في وجه السلطة، لا ليكون متحدثاً إعلامياً باسمها.
القس فارس ابو فرحه مواليد بيت ساحور في فلسطين ومقيم في اورلاندوا فلوريدا. مؤسس مشروع شبابي شرق اوسطي Levant Ministries ,ويدير مشروع الجيل الجديد https://faresabraham.com/nextgen/


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!