Skip to content

مسييحيو الأردن مواطنون، لا ضيوف

تاريخ النشر: نوفمبر 2, 2026 10:00 ص
Jordan Church Shooting

Mourners and journalists gather on the rooftop of a Greek Orthodox church during the funeral of victims killed in an attack on the church in Karak, Jordan, Sunday, Oct. 25, 2026. (AP Photo/Raad Adayleh)

بقلم: فارس أبو فرحة*

مترجم عن موقع وكالة الانياء الدينية RNS

في 23 أكتوبر، فتح مسلحون النار خلال جنازة في كنيسة بجنوب الأردن، مما أسفر عن مقتل تسعة مسيحيين وإصابة العشرات، بمن فيهم مسلمون جاؤوا لتقديم التعازي. وبعد ثلاثة أيام، ألقت قوات الأمن الأردنية القبض على ثلاثة مشتبه بهم، وصفتهم السلطات بأنهم متطرفون عنيفون.

وفي غضون 24 ساعة، جمعت المستشفيات في مدينة الكرك 629 وحدة دم من متبرعين قدموا من مختلف أنحاء الأردن. وذكر يزن ملكونيان، وهو أحد القادة الشباب في المجتمع المسيحي، أن رجالاً مسلمين أصروا على أن يكونوا أول المتبرعين بالدم. وقد رحب ملكونيان بهذا التضامن وأشاد بموقف الأردن الصارم ضد التطرف، لكنه دعا في الوقت ذاته إلى اتخاذ خطوات ملموسة لمواجهة الكراهية الدينية التي لا تزال قائمة وتهدد المسيحيين.

لقد كان هذا الكرم استثنائياً، لكن الهجوم كشف أيضاً عن مخاوف لدى المسيحيين الأردنيين. فعندما عرض بعض المسلمين حمايتهم، تساءل المسيحيون: لماذا ينبغي أن تعتمد سلامتهم على وعود الآخرين؟ فهم مواطنون متساوون في الحقوق، وليسوا ضيوفاً، ويكفل لهم الدستور الأردني المساواة أمام القانون. ومع تقديرهم للموقف الأردني الحازم ضد التطرف، يدرك المسيحيون أن الكراهية الدينية تظل تهديداً حقيقياً؛ فمصدر قلقهم لا يقتصر على من سيحميهم بعد وقوع الهجوم، بل يمتد إلى ما يمكن فعله لمنع وقوع هجوم آخر في المستقبل.

لقد أمضيت سنوات في زيارة الأردن للعمل جنباً إلى جنب مع الكنائس الأردنية والشباب الأردنيين. وأنا أعرف بعض المسيحيين الذين طالهم هجوم 23 أكتوبر؛ لذا فإن حزنهم يمسني شخصياً، تماماً كما يمسني شعورهم بالفخر العميق بوطنهم.

وبصفتي مسيحياً أمريكياً من أصول فلسطينية، أعلم جيداً كيف يمكن لأصوات المسيحيين العرب أن تضيع بسهولة وسط النقاشات الأمريكية حول الشرق الأوسط. لكن هذه هي قصتهم، ورسالتهم تستحق أن تُسمع. يدرك الأردنيون معنى الصداقة مع جيرانهم المسلمين، كما يدركون في الوقت ذاته مرارة التعصب الديني. وهم لا يطلبون أن يتم “إنقاذهم” من جيرانهم المسلمين؛ بل يريدون منا أن ندرك أن الأردن هو وطنهم أيضاً.

كان أحد الضحايا، ويدعى محمد القسوس، طبيب أسنان مسيحياً عُرف بلقب “طبيب الفقراء”؛ نظراً لعلاجه مرضى لم تكن لديهم القدرة المالية على تحمل تكاليف الرعاية الطبية. وقد اختار والده اسم “محمد” عن قصد، تعبيراً عن هوية عربية مشتركة تتجاوز الانقسامات الدينية، بينما يحمل لقبه “القسوس” جمع كلمة قس باللغة العربية. اسمه يحكي قصة نادراً ما يسمعها الأمريكيون: وهي أن المسيحية ليست دخيلة على المجتمع العربي.

تجذرت المسيحية في الأردن قبل قرون طويلة من ظهور الإسلام. ورغم أن المسيحيين يشكلون ما يزيد قليلاً عن 2% من السكان، إلا أنهم ساهموا في بناء مدارس البلاد ومستشفياتها وشركاتها ومؤسساتها العامة. وقد أقر الملك عبد الله الثاني بهذا الإرث، مشيراً في مقابلة أجريت عام 2022 إلى أن المسيحيين العرب في الأردن والقدس “موجودون هنا منذ ألفي عام”. والجدير بالذكر أن الملك زار المصابين عقب الهجوم، كما حضر ولي العهد الأمير الحسين مراسم الجنازة، بينما زارت الملكة رانيا العائلات المكلومة.

وفي عام 2018، حصل الملك على جائزة “تمبلتون” تقديراً لجهوده في تعزيز الانسجام الديني. وخلال الحفل، أشار الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، إلى أن رسالة الملك تتجاوز ذلك، قائلاً: “التسامح وحده لا يكفي”. وهذا ما يفسر طبيعة النقاش الدائر حالياً في الأردن.

وقد أكد وزير الداخلية الأردني، مازن الفرايا، على المعنى ذاته عقب الهجوم؛ إذ رفض وصف المسيحيين بـ “أهل الذمة” -وهو مصطلح تاريخي كان يُطلق على غير المسلمين الذين يحظون بالحماية في ظل الحكم الإسلامي- مشدداً على أنهم مواطنون متساوون. فالدستور الأردني يكفل المساواة أمام القانون بغض النظر عن الدين.

في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، رفض زميلي بيتر نمري، الذي يقود خدمة الجيل التالي في الأردن، السماح للإرهابيين بتحديد هوية بلاده. فقد عبّر عن فخره بالملك وبالأجهزة الأمنية الأردنية، وأعرب عن امتنانه لأصدقائه المسلمين. ومع ذلك، أقرّ بوجود حالة من التعصب تجاه المسيحيين لا تزال قائمة في بعض أوساط المجتمع. وكتب أن اعتقال المشتبه بهم كان أمراً ضرورياً، متسائلاً: “ولكن ماذا عن درهم وقاية؟”

تلك هي المهمة الأصعب التي تنتظرنا. يمكن لقوات الأمن الأردنية اعتقال المتطرفين، لكن منع وقوع هجوم آخر يتطلب مواجهة الأفكار التي تغذي الكراهية الدينية. وهذا يعني التصدي للتحريض في المدارس ودور العبادة وعبر الإنترنت، ومحاسبة من يروجون للعنف، وحماية حرية المعتقد. إن المواطنة المتساوية يجب أن تعني أكثر من مجرد الاعتراف القانوني؛ إذ ينبغي أن يتمكن المسيحيون من العيش وممارسة شعائرهم الدينية دون خوف.

إن مسألة “من ينتمي إلى الوطن” ليست حكراً على الأردن؛ فالأمريكيون أيضاً يواجهون هذا التساؤل. ففي 25 أكتوبر/تشرين الأول، وصف الرئيس دونالد ترامب عبد الرحمن السيد، وهو أمريكي مسلم يترشح لعضوية مجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان، بأنه “جهادي”، وزعم، دون أدلة، وجود صلات تربطه بجماعة الإخوان المسلمين. وبصفتي ناخباً محافظاً، قد أختلف مع التوجهات السياسية لعبد الرحمن السيد، لكن معتقده الديني لا يجعله أقل أمريكيًا. ورغم اختلاف الظروف، يظل المبدأ واحداً: سواء في الأردن أو في أمريكا، لا ينبغي أن يتوقف حق أي مواطن في الانتماء على موافقة الأغلبية الدينية.

يخطط الأردن لاستقبال الحجاج في عام 2030 لإحياء ذكرى مرور ألفي عام على معمودية الرب يسوع المسيح، حيث يدعم الملك مشاريع تنموية بقيمة 120 مليون دولار في منطقة “المغطس”. آمل أن يزور الأمريكيون هذا المكان المقدس، ولكن لماذا الانتظار حتى عام 2030؟ اشجع الجميع على الذهاب الآن؛ صلّوا جنباً إلى جنب مع المسيحيين الأردنيين، واستمعوا إلى قصصهم، وادعموا كنائسهم، واستثمروا في الشباب الذين يصيغون مستقبل بلادهم.

تعالوا وشاهدوا المكان الذي تعمّد فيه يسوع المسيح، لكن لا تغادروا قبل أن تلتقوا بأولئك الذين ما زالوا يتبعونه هناك. إنهم يستحقون أكثر من مجرد التعاطف حين يتعرضون للهجوم، أو الإعجاب بتراثهم العريق؛ فهم يستحقون حقاً لا جدال فيه في العيش والازدهار في وطنهم الذي هو وطنهم بالفعل.

****************************

(فارس أبوفرحة، قيادي مسيحي أمريكي من أصول فلسطينية، ومؤسس منظمة “ليفانت مينيستريز” (Levant Ministries) التي تعمل في أنحاء الشرق الأوسط على تعزيز الحضور المسيحي، وخدمة مختلف المجتمعات، ونشر السلام. يمكن متابعته على إنستغرام ومنصة “إكس” عبر الحساب: @faresabraham).

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment