Skip to content

مائةُ عامٍ من الخدمةِ الإنجيليةِ في الأردن… الكنائسُ الإنجيليةُ تروي لـ “ملح الأرض” حكايةَ قرنٍ من الإيمانِ والخدمةِ والشراكةِ الوطنيةِ

تاريخ النشر: مايو 21, 2026 4:28 م
WhatsApp Image 2026-05-19 at 9.07.51 AM

ليث حبش – ملح الأرض

قبلَ مائةِ عامٍ، بدأتْ ملامحُ الخدمةِ الإنجيليةِ في الأردنِ تتشكلُ بهدوءٍ داخلَ البيوتِ الصغيرةِ وقاعاتِ الصلاةِ المتواضعةِ، لكنها سرعانَ ما تحولتْ إلى مسيرةٍ ممتدةٍ من العملِ الروحيِّ والإنسانيِّ والاجتماعيِّ، لتصبحَ الكنائسُ الإنجيليةُ اليومَ جزءًا أصيلًا من المشهدِ الوطنيِّ الأردنيِّ، وشريكًا في خدمةِ الإنسانِ والمجتمعِ.

ومعَ اقترابِ الذكرى المئويةِ لانطلاقِ الخدمةِ الإنجيليةِ عامَ 1926، أجرتْ “ملح الأرض” سلسلةَ مقابلاتٍ خاصةٍ معَ عددٍ من القادةِ الإنجيليينَ في الأردنِ، للحديثِ عن تاريخِ الكنائسِ الإنجيليةِ، وأبرزِ محطاتِ تطورِها، والتحدياتِ التي واجهتْها، ورؤيتِها لمستقبلِ الخدمةِ والأجيالِ الجديدةِ.

القسُ نبيه عباسي لـ “ملح الأرض”: الكنائسُ الإنجيليةُ حملتْ رسالةَ المحبةِ والرجاءِ طوالَ قرنٍ كاملٍ

في مقابلةٍ خاصةٍ مع ملح الأرض، أكدَ القسُ الدكتور نبيه عباسي أنَّ الكنائسَ الإنجيليةَ في الأردنِ استطاعتْ خلالَ مئةِ عامٍ أنْ تقدمَ نموذجًا يقومُ على المحبةِ والخدمةِ والرجاءِ، مشيرًا إلى أنَّ رسالتَها لم تقتصرْ على الجانبِ الروحيِّ، بل امتدتْ إلى التعليمِ والرعايةِ الاجتماعيةِ وخدمةِ العائلاتِ والشبابِ.

وقالَ عباسي إنَّ الكنائسَ الإنجيليةَ حرصتْ منذُ بداياتِها على أنْ تكونَ جزءًا من النسيجِ الوطنيِّ الأردنيِّ، تعملُ بروحِ المواطنةِ والانتماءِ، وتسهمُ في ترسيخِ قيمِ السلامِ والمحبةِ والعدلِ داخلَ المجتمعِ.

القسُ الدكتور نبيه عباسي

وأوضحَ أنَّ مسيرةَ الكنائسِ مرتْ بمحطاتٍ مفصليةٍ، خاصةً خلالَ الفتراتِ التي شهدتْ اضطراباتٍ سياسيةً وأزماتٍ اقتصاديةً وحروبًا في المنطقةِ، إلا أنَّ الكنائسَ بقيتْ حاضرةً إلى جانبِ الناسِ، تقدمُ الدعمَ الروحيَّ والإنسانيَّ وتزرعُ الرجاءَ في الأوقاتِ الصعبةِ.

وأضافَ أنَّ الكنائسَ استطاعتْ الحفاظَ على رسالتِها لأنها تأسستْ على مبادئَ ثابتةٍ مستمدةٍ من الإنجيلِ، تقومُ على محبةِ اللهِ والإنسانِ وخدمةِ المجتمعِ، مشددًا على أهميةِ الحوارِ والانفتاحِ والتعاونِ معَ مختلفِ مكوناتِ المجتمعِ الأردنيِّ.

وحولَ التحدياتِ الحاليةِ، أشارَ عباسي إلى أنَّ الشبابَ المسيحيَّ يواجهُ اليومَ تحدياتٍ متعددةً، من بينها الضغوطُ الاقتصاديةُ، والهجرةُ، وتأثيرُ العالمِ الرقميِّ ووسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، مؤكدًا أنَّ الكنائسَ تعملُ على مواجهةِ هذهِ التحدياتِ عبرَ برامجِ التلمذةِ والقيادةِ والدعمِ النفسيِّ والاجتماعيِّ والاستثمارِ في خدمةِ الشبابِ.

وفي حديثِهِ عن المستقبلِ، قالَ عباسي إنَّ المرحلةَ المقبلةَ تحتاجُ إلى كنائسَ “حيةٍ وفاعلةٍ ومتجذرةٍ في الإيمانِ”، وقادرةٍ على مواكبةِ التغيراتِ دونَ أنْ تفقدَ جوهرَ الرسالةِ الإنجيليةِ، مؤكدًا أنَّ الأردنَ سيبقى نموذجًا في العيشِ المشتركِ والاحترامِ المتبادلِ.

القسُّ ديفيدُ الريحاني لـ ملح الأرض: الكنائسُ الإنجيليةُ جمعتْ بينَ الخدمةِ الروحيةِ والتعليمِ والعملِ الإنسانيِّ

وفي مقابلةٍ خاصةٍ لـ “ملح الأرض”، استعادَ القس ديفيد الريحاني بداياتِ العملِ الإنجيليِّ في الأردنِ، موضحًا أنَّ الخدمةَ بدأتْ منذُ عشرينياتِ القرنِ الماضي من خلالِ زياراتٍ متكررةٍ إلى مدينةِ السلطِ، حيثُ استضافتْ بعضُ العائلاتِ المسيحيةِ لقاءاتٍ للصلاةِ والدراسةِ الكتابيةِ داخلَ المنازلِ.

وأشارَ الريحاني إلى أنَّ هذهِ الاجتماعاتِ مهّدتْ لاحقًا لافتتاحِ مركزٍ إرساليٍّ تابعٍ للإرساليةِ الإنجيليةِ الكتابيةِ في القدسِ، قبلَ أنْ يتمَّ عامَ 1926 اختيارُ القسِّ روي واتمن للانتقالِ إلى السلطِ والمشاركةِ في الخدمةِ.

وأضافَ أنَّ من أوائلِ الشخصياتِ التي ساهمتْ في تأسيسِ العملِ الإنجيليِّ القسَّ عيسى اليوسف الفاخوري، والقسَّ ملحم شقير، إلى جانبِ القسِّ أيوب إيليا الريحاني الذي أصبحَ لاحقًا راعي الكنيسةِ والمسؤولَ عن عملِ جماعاتِ اللهِ في الأردنِ وفلسطينَ، وساهمَ في تسجيلِ الكنيسةِ ككنيسةٍ وطنيةٍ أردنيةٍ.

القس ديفيد الريحاني

وأكدَ أنَّ كنيسةَ جماعاتِ اللهِ تأسستْ رسميًا بإرادةٍ ساميةٍ من الملكِ الراحلِ الملكِ عبدِ اللهِ الأولِ بنِ الحسينِ، بعدَ الموافقةِ على شراءِ أرضٍ لبناءِ كنيسةٍ ومدرسةٍ في السلطِ، لتصبحَ أولَ كنيسةٍ إنجيليةٍ تُؤسسُ في شرقِ الأردنِ وفلسطينَ.

وأوضحَ الريحاني أنَّ الكنيسةَ أولتْ اهتمامًا كبيرًا بالتعليمِ والعملِ المجتمعيِّ، حيثُ أُنشئتْ مدرسةٌ عُرفتْ باسمِ “مدرسةِ ديرِ الأمريكانِ”، وضمتْ طلابًا من المسلمينَ والمسيحيينَ، في صورةٍ عكستْ روحَ التعايشِ والشراكةِ الوطنيةِ.

كما تحدثَ عن توسعِ الخدماتِ الإنجيليةِ لاحقًا إلى السلطِ وإربدَ والحصنِ والفحيصِ والزرقاءِ وعمانَ، إلى جانبِ إطلاقِ مبادراتٍ اجتماعيةٍ مثلَ “خدمةِ العائلةِ” و”سندك”، التي تُعنى بخدمةِ الأطفالِ والأيتامِ والعائلاتِ المحتاجةِ.

وأشارَ إلى أنَّ الكنائسَ لعبتْ دورًا مهمًا في دعمِ اللاجئينَ والنازحينَ خلالَ الأزماتِ التي شهدتْها المنطقةُ، كما ساهمَ “مجمعُ الكنائسِ الإنجيليةِ الأردنيِّ” في تعزيزِ العملِ المشتركِ وتوحيدِ الصوتِ الإنجيليِّ أمامَ الجهاتِ الرسميةِ.

وأكدَ الريحاني أنَّ الكنائسَ استطاعتْ مواصلةَ رسالتِها حتى خلالَ جائحةِ كورونا، من خلالِ الخدماتِ الرقميةِ والبثِّ المباشرِ عبرَ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، وهي خدماتٌ ما تزالُ مستمرةً حتى اليومِ.

القسُّ هيثم مزاهرة لـ “ملح الأرض”: الشبابُ يحتاجونَ إلى كنيسةٍ تستمعُ إليهم وتفهمُ واقعَهم

وفي مقابلةٍ خاصةٍ معَ “ملح الأرض”، شددَ القسُّ هيثم مزاهرة على أهميةِ الاقترابِ من الشبابِ وفهمِ التحدياتِ التي يعيشونَها، مؤكدًا أنَّ الكنيسةَ اليومَ بحاجةٍ إلى “الاستماعِ للشبابِ بصدقٍ”، بدلَ الاكتفاءِ بتقديمِ أجوبةٍ جاهزةٍ.

وقالَ مزاهرة إنَّ الشبابَ يحتاجونَ إلى الشعورِ بأنَّ الكنيسةَ قريبةٌ من حياتِهم اليوميةِ ومن ضغوطِهم وأسئلتِهم الحقيقيةِ، وتتعاملُ معهم بمحبةٍ واحتواءٍ.

وأوضحَ أنَّ أبرزَ التحدياتِ التي تواجهُ الشبابَ المسيحيَّ اليومَ تتمثلُ في الضغوطِ النفسيةِ، والخوفِ من المستقبلِ، وتأثيرِ وسائلِ التواصلِ الاجتماعيِّ، إضافةً إلى الصراعِ بينَ القيمِ والإغراءاتِ التي تحيطُ بالجيلِ الجديدِ.

القس هيثم مزاهرة

وأضافَ أنَّ كثيرًا من الشبابِ يبحثونَ اليومَ عن هويةٍ واضحةٍ ومعنىً حقيقيٍّ لحياتِهم، الأمرُ الذي يضعُ مسؤوليةً كبيرةً على الكنائسِ في مرافقتِهم ودعمِهم روحيًا وإنسانيًا.

كما تحدثَ مزاهرة عن دورِ التكنولوجيا الحديثةِ في تطويرِ الخدمةِ الإنجيليةِ، معتبرًا أنَّ وسائلَ التواصلِ الاجتماعيِّ ساعدتِ الكنائسَ على الوصولِ إلى فئاتٍ واسعةٍ من الشبابِ بطريقةٍ أسرعَ وأسهلَ، مشيرًا إلى أنَّ “رسالةً قصيرةً أو فيديو بسيطًا قد يمنحُ شخصًا الرجاءَ في لحظةٍ صعبةٍ”.

وحولَ مئويةِ الخدمةِ الإنجيليةِ، قالَ مزاهرة إنَّ المناسبةَ تمثلُ تذكيرًا بأمانةِ اللهِ عبرَ السنينِ، وبالدورِ الذي قامتْ بهِ الكنائسُ الإنجيليةُ في خدمةِ المجتمعِ الأردنيِّ وتعزيزِ قيمِ المحبةِ والسلامِ.

ووجّهَ رسالةً إلى الشبابِ دعاهم فيها إلى التمسكِ بالرجاءِ وعدمِ الاستهانةِ بتأثيرِهم، مؤكدًا أنَّ “اللهَ قادرٌ أنْ يستخدمَ كلَّ شخصٍ ليصنعَ فرقًا حقيقيًا أينما كانَ”.

مئويةُ الخدمةِ… تاريخٌ ممتدٌّ ورؤيةٌ للمستقبلِ

وتجمعُ شهاداتُ القادةِ الإنجيليينَ الثلاثةِ على أنَّ الكنائسَ الإنجيليةَ في الأردنِ لا تنظرُ إلى الذكرى المئويةِ بوصفِها احتفالًا بالماضي فقط، بل محطةً للتأملِ في مسيرةٍ طويلةٍ من الخدمةِ، والانطلاقِ نحوَ مستقبلٍ أكثرَ حضورًا وتأثيرًا.

فمنذُ عامِ 1926 وحتى اليومِ، حافظتِ الكنائسُ الإنجيليةُ على دورِها الروحيِّ والإنسانيِّ، وأسهمتْ في مجالاتِ التعليمِ والعملِ الاجتماعيِّ والرعايةِ، إلى جانبِ ترسيخِ قيمِ العيشِ المشتركِ والانفتاحِ والحوارِ.

وفي ظلِّ التحدياتِ المتغيرةِ التي يشهدُها العالمُ والمنطقةُ، تؤكدُ الكنائسُ الإنجيليةُ أنَّ رسالتَها ستبقى قائمةً على خدمةِ الإنسانِ، والاستثمارِ في الأجيالِ الجديدةِ، والعملِ بروحِ المحبةِ والشراكةِ الوطنيةِ، ضمنَ وطنٍ ظلَّ نموذجًا في الاحترامِ المتبادلِ والتنوعِ والتعايشِ.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment