
السابق ألف يوم من المعاناة والآلام والنكبة ما زالت مستمرة ومتواصلة

كتب: جوزيف سويد: الوكيل البطرِيركيّ للكَنيسَةِ الماروُنيّة في الاردن
في وَقتٍ يواجِهُ فيه الأُردُنُّ تَحدِّياتٍ إقليميَّةً غَيرَ مَسبُوقَة، وسَطَ مَنطِقَةٍ تَموجُ بالحُروبِ والأَزماتِ والاضطِرابات، يَواصِلُ وَطَنُنا، بِقِيادَةِ صاحِبِ الجَلالَةِ الهاشِمِيَّةِ المَلِكِ عبدِ اللهِ الثّاني ابنِ الحُسَين، وبِجُهودِ مُؤسَّساتِ الدَّولَة، مَسيرتَهُ في الحِفاظِ على الأَمنِ والاستِقرار، وصَونِ نَسِيجِهِ الوَطنيِّ القائِمِ على العَيشِ المُشتَرَك، الَّذِي كَانَ ولا يَزالُ مِثالًا يُحتَذى بِهِ في المِنطَقَة.
وفي مِثلِ هذِهِ الظُّروفِ الدَّقيقَة، تَزدادُ مَسؤوليَّتُنا جَميعًا، قادَةً وَأَفرَادًا ومُؤسَّسَات، في الحِفاظِ على وَحدَتِنا الوَطَنيَّةِ والكَنَسيَّة، وألَّا نَسمَحَ لأيِّ قَضيَّةٍ داخليَّة، مَهما بَلَغَت حَسّاسِيَّتُها، أن تُصبِحَ سَبَبًا لِلخِلافِ أو الانقِسام.
ومِن بَينِ القَضايا الَّتي أَثارَت نِقاشًا واسِعًا في الآونَةِ الأَخيرة، قَضيَّةُ الإِرثِ والوَصيَّةِ لَدى المَسيحيِّينَ في الأُردُن. وهِيَ قَضيَّةٌ تَمَسُّ الأُسرَةَ والكَنيسَةَ والقانونَ والمُجتَمَع، ومِنَ الطَّبيعيِّ أن تُثيرَ آراءً ومَواقِفَ مُتَبايِنَة. ومِنَ الإِنصافِ أن نُقِرَّ بِأنَّ داخِلَ مُجتَمَعِنا المَسيحيِّ وجهَات نَظَرٍ مُختَلِفَة؛ فهُناكَ مَن يَتمسَّكُ بالمَوروثِ الاجتماعيِّ والعُرفِيّ، ويَرى فيهِ ضَمانًا لاستِقرارِ الأُسرَة، وهُناكَ مَن يَرى أنَّ مُساواةَ الابنَة بالابنِ في الإِرثِ تُجسِّدُ العَدالَةَ وكَرامَةَ الإِنسان، ويُطالِبُ بِإقرارِها ضِمنَ الأُطُرِ الكَنَسيَّةِ والقانونيَّة. وليسَ مِنَ الحِكمَةِ أن نُحوِّلَ هذا الاخْتِلافَ إلى انقِسَامٍ أَو اتِّهامٍ أو تَخوِين. فالاِختِلافُ في الاِجتِهادِ لا يَفسُدُ وَحدَةَ الإيمان، ولا يُبرِّرُ القَسوةَ في الكَلام، ولا يُعطينا الحَقَّ في إدانةِ الآخَرين.
مِن هُنا، أتَوَجَّهُ بِكُلِّ مَحبَّةٍ إليكم إخوَتي مَسيحيِّي الأُردُن، فأقول: ثِقُوا بِرُؤَسَائِكُمُ الرُّوحِيِّين. إنَّهُم يَحمِلُونَ أمامَ اللهِ وأمامَ الكَنيسَةِ أمانَةً عَظيمَة، ويُدرِكُونَ حَقًّا حَسّاسِيَّةَ هذا المَلفِّ وأبعادَهُ الرُّوحيَّةَ والقانونيَّةَ والاجتِماعيَّة. فامنَحوهُمُ الفُرصَةَ لِيُكمِلوا خِدمَتَهُم بِرَوِيَّةٍ وحِكمَةٍ، بعيدًا عن ضُغُوطِ الاِنفِعالِ وضَجِيجِ مَواقِعِ التَّواصُلِ الاجتِماعي.
وجُلُّ ما أَطلُبُهُ مِنكُم هو ما أوصانا به الكتابُ المقدَّس »صَلُّوا لأجلِهِم « فالصَّلاةُ أقوى مِنَ الجَدَل، وأعمَقُ أثرًا مِنَ الخِصام، وهي الطَّريقُ الَّذي يَقودُ إلى استِنارَةِ العُقولِ وسَلامِ القُلوب. وفي المُقابِل، أُوَجِّهُ كَلِمَةً مُخلِصَةً إلى رُؤَساءِ كَنائِسِنا، “وْأَنَا أَصغَرهُم وَأَحوَجهُم إِلَى نِعمَةِ اللهِ…” : وَفَّقَكُمُ الرَّبُّ، وأيَّدَكُم بِرُوحِ الحِكمَةِ والمَشورَةِ، وأَنارَ قُلوبَكُم لِتَصنَعوا ما فيهِ مَجدُ اللهِ، وخَيرُ الإنسانِ، وسَلامُ الكَنيسَة. فأَنتُمْ حُرَّاسُ الإِيمَانِ، وَخُدَّامُ المَذبَحِ والقُربانِ المُقدَّس، وحَمَلَةُ الرِّسالَةِ في هذِهِ الألفيَّةِ الثّالِثَة، والمُؤتَمَنونَ على وَحدَةِ الكَنيسَةِ، ورِعايَةِ القَطيعِ الصَّغيرِ الَّذي ائتَمَنَكُمُ المَسيحُ عليه. نُصلّي مِن أَجلِكُم، لا لِأنَّ مَهمَّتَكُم سَهلَة، بَل لأنَّها عَظيمَة، ونَثقُ بأنَّ الرَّبَّ الَّذي دَعاكُم إلى هذِهِ الخِدمَةِ، سَيَمُنحُكُم نِعمَةَ التَّمييزِ، وشَجاعَةَ الحَقِّ، ووَداعَةَ الرُّعاةِ الصّالِحين، لِتَقودوا سَفينَةَ الكَنيسَةِ، وَسَطَ أَمواجِ هذا العالَم، إلى مِيناءِ الخَلاصِ.
وفي الوَقتِ نَفسِهِ، نُثَمِّنُ الدَّورَ الوَطنيَّ الَّذي يَقودُهُ صاحِبُ الجَلالَةِ في الحِفاظِ على وَحدَةِ الأُردُنِّ واستِقرارِهِ، واحترامِ خُصوصيَّةِ جَميعِ مُكوِّناتِهِ الدِّينيَّة، في ظِلِّ الدُّستورِ وسِيادَةِ القانون. فالأُردُنُّ كانَ وسيَبقى وَطنًا يَحتَضِنُ أبناءَهُ جميعًا بالمُساواةِ والاِحترام.
ولْنَتَحلَّ جَميعًا إخوَتِي، بِروحِ الصَّلاةِ والحِكمَةِ والتَّمييز. فالقَضايا الكُبرى لا تُعالَجُ بالتَّشَنُّج، وإنَّما بِالحِوارِ الصّادِق، والثِّقَةِ المُتَبادَلَة، والإصغاءِ إلى بَعضِنا البَعض.
ولْنَتَذَكَّر دائمًا قولَ الرَّسولِ بولُس: مُحتَمِلِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالمَحَبَّةِ، مُجْتَهِدِينَ أَنْ تَحْفَظُوا وَحْدَانِيَّةَ الرُّوحِ بِرِبَاطِ السَّلَامِ«. أفسس ٤: ٢-٣
وكذلكَ قولَهُ: » لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ، لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ، لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ«. غلاطية ٣: ٢٨. وهذهِ الآيةُ تُذَكِّرُنا بِأنَّ كَرامَةَ الإِنسانِ أمامَ اللهِ واحِدَة، وأنَّ المَحبَّةَ والمُساواةَ في القِيمَةِ الإنسانيَّةِ هُما مِن جَوهَرِ الرِّسالَةِ المسيحيَّة، أمَّا التَّفاصيلُ التَّشريعيَّةُ فتَبقى مَوضوعًا يَحتاجُ إلى حِكمَةِ الكنيسةِ، وحِوارِها، وتَوافُقِها.
فلْيَكُنْ رَجاؤُنا أَكبَرَ مِن مَخاوِفِنا، ووَحدَتُنا أَسمى مِن اخْتِلافاتِنا، ولْتَبقَ المَحبَّةُ هيَ اللُّغَةَ الَّتي نَلتَقي فيها دائمًا.
الوَكيل البَطرِيركيّ للكَنيسَةِ الماروُنيّة في المملَكَِة الأردُنيَّة الهاشِمِيَّة/راعِي الموارِنة في الأردُن وخَادِم رَعِيَّة مار شَربِل عَمّان.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!