
السابق إطلاق سراح طلاق سراح ليان ناصر من السجن الإسرائيلي

ليث حبش – ملح الأرض
في بلدةِ برقين غربَ مدينةِ جنين، تقفُ كنيسةُ ودير العشرة البرص كواحدةٍ من أقدمِ الشواهدِ المسيحيةِ الحيّةِ في فلسطينَ والعالمِ، حاملةً في حجارتِها ومغارتِها ذاكرةَ معجزةٍ إنجيليةٍ ارتبطتْ برسالةِ الشفاءِ والرحمةِ والقبولِ الإنسانيِّ. وفي مقابلةٍ خاصةٍ لـ “ملح الأرض”، تحدثَ رئيسُ الديرِ الراهب فيزاريون عن تاريخِ هذا المكانِ المقدسِ، وعن رسالتِهِ الروحيةِ والإنسانيةِ التي ما تزالُ حاضرةً حتى اليومِ رغمَ كلِّ الظروفِ والتحدياتِ.
ويُعرفُ ديرُ وكنيسةُ العشرة البرص في برقين بارتباطِهِ المباشرِ بالمعجزةِ الإنجيليةِ الشهيرةِ التي وردتْ في إنجيلِ القديسِ لوقا، حينَ شفى السيدُ المسيحُ عشرةَ رجالٍ مصابينَ بالبرصِ أثناءَ مرورِهِ بينَ الجليل والسامرة، ولم يعدْ ليشكرَهُ سوى واحدٍ منهم. ووفقَ التقليدِ الكنسيِّ المتوارثِ منذُ القرونِ المسيحيةِ الأولى، يُعتقدُ أنَّ هذا الموقعَ تحديدًا هو المكانُ الذي جرتْ فيهِ المعجزةُ، ما منحَ الكنيسةَ مكانةً دينيةً وروحيةً استثنائيةً لدى المسيحيينَ في فلسطينَ والعالمِ.

ويقولُ الراهب فيزاريون خلالَ حديثِهِ لـ”ملح الأرض” إنَّ الكنيسةَ “ليستْ مجردَ مبنى أثريٍّ أو موقعٍ سياحيٍّ، بل هي شهادةٌ حيّةٌ على رسالةِ المسيحِ القائمةِ على الرحمةِ واحتضانِ الإنسانِ المرفوضِ أو المتألمِ”. ويضيفُ أنَّ الحجاجَ والزوارَ الذينَ يقصدونَ المكانَ من مختلفِ أنحاءِ العالمِ “لا يأتونَ فقط لرؤيةِ الحجارةِ القديمةِ، بل للبحثِ عن السلامِ الداخليِّ ولمسِ روحِ الإنجيلِ الحاضرةِ في هذا المكانِ منذُ ألفي عامٍ”.
وتتميزُ الكنيسةُ بطابعٍ معماريٍّ وتاريخيٍّ فريدٍ، إذْ تضمُّ مغارةً قديمةً وصخورًا وأجزاءً أثريةً تعودُ إلى مراحلَ متعددةٍ من التاريخِ، بدءًا من الحقبةِ البيزنطيةِ مرورًا بالعصورِ اللاحقةِ. كما أنَّ استمرارَ وجودِها حتى اليومِ، رغمَ ما مرتْ بهِ فلسطينُ من حروبٍ وتحولاتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ، جعلَ منها رمزًا للصمودِ الروحيِّ والثباتِ التاريخيِّ.
وعلى مدارِ أكثرَ من عشرِ سنواتٍ من الخدمةِ داخلَ الديرِ، ارتبطَ اسمُ الراهبِ فيزاريونَ بالمكانِ وأهلِهِ، حتى أصبحَ جزءًا من ذاكرتِهِ الحديثةِ. ويؤكدُ أبناءُ البلدةِ، من المسلمينَ والمسيحيينَ، أنَّ حضورَهُ في برقينَ لم يكنْ محصورًا بالإطارِ الكنسيِّ فقط، بل تعداهُ إلى بناءِ علاقاتٍ إنسانيةٍ واجتماعيةٍ قائمةٍ على المحبةِ والانفتاحِ وخدمةِ الجميعِ دونَ تمييزٍ.
وفي حديثِهِ للمجلةِ، شددَ الراهبُ فيزاريونَ على أنَّ رسالةَ الكنيسةِ الحقيقيةَ “تبدأُ من الإنسانِ”، معتبرًا أنَّ الإيمانَ لا يكتملُ إلا بالفعلِ الإنسانيِّ الصادقِ وخدمةِ الآخرِ. وقالَ: “المسيحُ في هذه الأرضِ علّمنا أنَّ الرحمةَ أقوى من الخوفِ، وأنَّ الإنسانَ يُشفى بالمحبةِ قبلَ أيِّ شيءٍ آخرَ”.

وأشارَ إلى أنَّ ديرَ العشرةِ البرصِ ما يزالُ حتى اليومِ يستقبلُ الزوارَ والحجاجَ والوفودَ المختلفةَ، رغمَ الظروفِ الصعبةِ التي تعيشُها فلسطينُ، مؤكدًا أنَّ الحفاظَ على هذا الإرثِ المسيحيِّ التاريخيِّ “هو مسؤوليةٌ روحيةٌ وثقافيةٌ ووطنيةٌ في آنٍ واحدٍ”.
ويجمعُ أهالي برقينَ على أنَّ الكنيسةَ لم تكنْ يومًا مكانًا مغلقًا على طائفةٍ أو جماعةٍ بعينِها، بل مساحةً جامعةً تحملُ رسالةَ سلامٍ، وهو ما عززهُ الراهبُ فيزاريونَ خلالَ سنواتِ خدمتِهِ، عبرَ حضورِهِ الإنسانيِّ وعلاقاتِهِ الواسعةِ مع أبناءِ المنطقةِ كافةً.
وهكذا، يبقى ديرُ العشرةِ البرصِ في برقينَ أكثرَ من مجردِ معلمٍ دينيٍّ أو أثريٍّ؛ فهو ذاكرةٌ إنجيليةٌ حيّةٌ، وجسرٌ روحيٌّ بينَ الماضي والحاضرِ، وشاهدٌ مستمرٌّ على رسالةِ الشفاءِ والمحبةِ التي انطلقتْ من هذه الأرضِ قبلَ ألفي عامٍ وما تزالُ تنبضُ حتى اليومِ.



تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!