
السابق ضرورةُ مشاركة القطاعُ الخاصُّ في ترجمةِ رؤيةِ الملك بشأنِ التراثِ المسيحيِّ وجذورِهِ التاريخيةِ في الأردنِ إلى مبادراتٍ ومشاريع عمليةٍ على أرضِ الواقع- من نشرة ملح الأرض رقم 251

المطران عطاالله حنا – رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
نحن في موسم قطف ثمار الزيتون، وقد تحوّل هذا الموسم وهذه الأيام إلى إمعان في التعدي على الفلسطينيين وأرزاقهم وأراضيهم وأشجار زيتونهم.
فالمستوطنون يجولون ويصولون في كل مكان، وفي هذا الموسم بشكل خاص، ويستهدفون شجرة الزيتون. وهذه التعديات إنما هي امتداد لسنوات سابقة، وفي كل عام نشهد ازديادًا في حدة هذا الاستهداف وهذه التعديات التي تتعرض لها شجرة الزيتون.
شجرة الزيتون في فلسطين لها رمزية خاصة؛ فهي ترمز إلى السلام، وترمز إلى الجذور العميقة في تربة هذه الأرض. والفلسطينيون جميعًا يفتخرون بشجرة الزيتون، فهي شاهد على تاريخهم وأصالة وجودهم في هذه البقعة المباركة من العالم.
من يعتدون على الإنسان الفلسطيني هم ذاتهم المعتدون على شجرة الزيتون. وفي كثير من البلدات والقرى يُمنع الفلسطيني من الوصول إلى أرضه، بينما يدخل المستوطنون ويسرقون ثمار الزيتون، ناهيك عن عمليات تحطيم هذه الشجرة واقتلاعها في بعض الأحيان.
ما هي رسالة المستوطنين من هذا التعدي على شجرة الزيتون؟ وعندما أتحدث عن المستوطنين، أقصد أيضًا وداعميهم الذين يوفرون لهم غطاءً لكي يقوموا بهذه الأفعال العنصرية والهمجية.
المستوطنون ومن يدعمهم، إنما يقولون للفلسطيني من خلال استهدافهم لشجرة الزيتون: إن هذه الشجرة هي شجرتنا، وهذه الأرض هي أرضنا، وما هو مطلوب منك، أيها الفلسطيني، أن تحزم أمتعتك وتغادر بلدك.
من يتابع التطورات في الضفة الغربية، وخاصة الحصار المحكم والبوابات الحديدية والحواجز العسكرية، إنما يستنتج أننا أمام سياسة تطفيش ممنهجة، حيث يسعى الاحتلال للضغط على الفلسطينيين لكي يغادروا بلدهم، ولكي يتم الاستيلاء على ما تبقى من أراضٍ فلسطينية.
في وقت من الأوقات كذبوا علينا وقالوا إن الحل هو دولتان لشعبين، ونحن هنا نتساءل: ماذا بقي للفلسطينيين؟ فالضفة الغربية مستباحة بشكل غير مسبوق، والانتقال من مدينة إلى مدينة ومن قرية إلى أخرى بات أمرًا محفوفًا بالمخاطر، ليس بسبب الحواجز فحسب، بل بسبب انتشار المستوطنين الذين يحملون أسلحتهم، وما أكثر أولئك الذين تم استهدافهم من قبل المستوطنين، فمنهم من ارتقى شهيدًا ومنهم من هو جريح ومصاب.
المستوطنون في الضفة الغربية يتصرفون وكأنهم رديف لجيش الاحتلال؛ وهم جيش بدون زي عسكري، يحملون أسلحتهم ويوجهون بنادقهم نحو صدور الفلسطينيين، بما في ذلك الأطفال.
نحن اليوم نعيش جريمة العصر في ظل حرب إبادة مستمرة ومتواصلة تستهدف قطاع غزة، أما الضفة الغربية تتعرض لحرب من نوع آخر، حيث يستهدف كل شيء فلسطيني، وكل شيء له علاقة بأصالة وتراث وهوية شعبنا، ولا يُستثنى من ذلك شجرة الزيتون.
زرنا مؤخرًا جامعة بيرزيت، واستمعنا من إدارة الجامعة إلى ما تتعرض له هذه المؤسسة الأكاديمية العظيمة والهامة في فلسطين، حيث هنالك مئة وخمسون طالبًا تقريبًا قيد الاعتقال، واقتحام الحرم الجامعي يتم بشكل مستمر. والاقتحامات تستهدف الضفة الغربية كلها، بما في ذلك رام الله، حيث شاهدنا مؤخرًا كيف أن سيارات الاحتلال دخلت إلى المنارة وإلى أماكن رئيسية في رام الله كما و في غيرها من القرى والمدن.
يبدو أننا وصلنا إلى مرحلة لا توجد فيها خطوط حمراء ولا خضراء ولا صفراء، فكل شيء فلسطيني مستباح، في ظل حالة عربية كنا نتمنى أن تكون أفضل حالًا. أما في الغرب، فهنالك بيانات تصدر تستنكر ما يتعرض له الفلسطينيون، في حين أن المظالم تستمر وستبقى إذا ما اكتفت الدول الغربية ببيانات الشجب والاستنكار، والتي لا نقلل من أهميتها، ولكنها وحدها ليست كافية لردع هذا الاحتلال وسياساته وممارساته بحق الإنسان الفلسطيني.
غزة تعيش مأساة غير مسبوقة في التاريخ البشري الحديث، وها نحن اليوم نلحظ أن الضفة الغربية هي مستهدفة بأساليب معهودة وغير معهودة.
الضفة الغربية تتعرض لعدوان، والاقتحامات في كل مكان، وفي كل يوم هنالك شهداء، وهنالك تعديات واستهداف للإنسان الفلسطيني في كافة تفاصيل حياته.
الإنسان الفلسطيني يستحق الحياة، ولا يستحق أن يُعامل بهذه القساوة وبهذه العنجهية والعنصرية.
الإنسان الفلسطيني يستحق الحياة، ولا يستحق أن يُعامل كغريب في وطنه، والحواجز تقف أمامه بالمرصاد لكي لا يتمكن من الوصول إلى القدس.
العالم بأسره مطالب بأن يتحرك لإنقاذ الإنسان الفلسطيني. فدماء الفلسطيني ليست رخيصة، والإنسان الفلسطيني خلقه الله كما خلق كل إنسان في هذا العالم، ولا يجوز القبول والخضوع لهذه السياسات التي تستهدف الإنسان الفلسطيني وأرضه وحريته وكرامته وأمنه وأمانه وسلامه، كما أنها تستهدف شجرة الزيتون التي ترمز إلى السلام.
ما يحدث حاليًا في الأرض الفلسطينية ليس قدرًا، بل هو بسبب شراسة الاحتلال وعدوانيته، والحال العربي المتردي، وصمت الكثيرين من الحكام في العالم الذين نراهم يتحدثون عن حقوق الإنسان، ولكنهم يتجاهلون ويغضون الطرف أمام معاناة الإنسان الفلسطيني.
يقتلون الإنسان الفلسطيني ويستهدفون أرزاقه وشجرة زيتون، ولكن الإنسان الفلسطيني باقٍ في أرضه، وجذوره عميقة في تربة هذه الأرض، جذور شجرة الزيتون العميقة في تربة هذه الأرض المقدسة.
ما يحدث يحتاج إلى معجزة ربانية، ويحتاج إلى انعطافة في هذا العالم نحو القيم الإنسانية. فعندما يقول حكام هذا العالم كلمة حق تجاه الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، إنما يعبرون عن إنسانية وعن قيم ومبادئ سامية نتمنى أن تكون موجودة في عالمنا، لأننا نعتقد بأن الإنسان المتحلي بالقيم والأخلاق لا يمكنه أن يكون مع الظالمين، بل مع المظلومين في محنتهم وأحزانهم.
حفظ الله شعبنا وإنساننا الفلسطيني المظلوم، وحفظ الله هذه الأرض المقدسة التي تنزف دمًا، وحفظ الله شجرة الزيتون لكي تبقى رمزًا للسلام والأصالة والجذور العميقة في تربة هذه الأرض.
القدس، 07 تشرين الأول 2026


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!