Skip to content

سليمان منصور: فارس الألوان الطبيعية جعل الفن قصةً وطنية ورسمَ الكريكاتير

تاريخ النشر: أغسطس 26, 2026 10:11 ص
لوحة نحات يصنع السلام من الحجر- منزل صموئيل كتاب- فيلدلفيا_ "السلام 1990"

لوحة نحات يصنع السلام من الحجر- منزل صموئيل كتاب- فيلدلفيا_ "السلام 1990"

داود كُتّاب– ملح الأرض

في منتصف الثمانينيات، انتقلتُ أنا وعائلتي إلى حيّ الرام في القدس. كانت زوجتي حاملًا يومها. وخلال التعارف بين الجيران، اكتشفتُ أن أحدهم الرسّام الفلسطيني سليمان منصور. كان لديه استوديو صغير قرب عمارتنا، يُنتج فيه لوحاته الزيتية. كانت لوحة «جمل المحامل» معروفةً في ذلك الوقت. وكنتُ أتحدث معه عن الفنّ والوطن وضرورة تنظيم عمل الفنانين من خلال نقابةٍ أو تجمّع.

الفنان سليمان منصور 1947-2026

فنيًّا، كان سليمان منصور يملك نظريةً صارمةً: اللوحة ليست نقلًا لصورةٍ فقط، بل قصةٌ أو قصيدةٌ. وتفتح للمتلقّي أبعادًا تتجاوز المشهد المباشر.

كان سليمان يكره الفنَّ الرخيص. كان يقول لي إن الفنَّ رسالةٌ… ورسالةٌ وطنيةٌ. لكن الوطنيةَ لا تعني مجرّد تزيين اللوحة بألوان العلم. كان يعكس الوطن من خلال الواقع الفلسطيني كما هو، عبر التعبير الواقعي الصادق الذي يدفع المتلقّي للتفكير.

في تلك السنوات، كنت أعمل كمحرّرٍ لصحيفة الفجر الأسبوعية الصادرة بالإنجليزية. كنت أرغب أن تضمّ صحيفتنا رسمةَ كاريكاتيرٍ أسبوعيًّا تعكس محور العدد أو أحد أهمّ مواضيعه، خاصةً المخصّصة للصفحة الأولى. كنا نلتقي في مكتب الصحيفة وسط الأسبوع. وكان سليمان يقدّم لنا رسمةً بالأسود والأبيض تعكس رؤيته للموضوع. ورغم أنه لم يكن رسّام كاريكاتيرٍ تقليديًّا، إلا أنه نجح في هذه المهمة نجاحًا باهرًا، كما تظهر رسوماته المنشورة على صفحاتنا الأولى.

محاولة شمير عرض الانتخابات قبل الانسحاب. النشر في نيسان 1989 (التاريخ يعيد نفسه)

دافع سليمان منصور عن حرية الصحافة من خلال الجرئة في المواضيع التي تناولها ووفر احد رسوماته لحرية التعبير.

سليمان منصور بدل لوحة مايكل انجيلو “الخليقة” بمحاولات الاحتلال خنق القلم الفلسطيني

والمتابع للوحات سليمان منصور يلاحظ الاهتمام الكبير والتكريم الخاص للمرأة الفلسطينية ودورها في النضال وفي الصمود.

قطف الزيتون – المراة والرجل في موقع متساوي

في أواخر الثمانينيات، انطلقت الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والتي ناضلت لإنهاء الاحتلال وعكست رفض الاستيطان، والعمل على الاكتفاء الذاتي. رسم سليمان في تلك الفترة لوحاتٍ زيتيةً تعكس الصمود. رسم طبيعة فلسطين الريفية، خصوصًا أشجار الزيتون ومعها الشعب الفلسطيني. ثم حاول إدخال روح العراك الحجري أيضًا. صوّر حجرًا ضخمًا يقوده رجلٌ بثوبٍ فلسطينيٍّ ينقش الحجارة.

وبدايات حمامة السلام كانت في اللوحة، كأنه يقول إن مقاومة الحجر (شاهد اللوحة الرئيسية المسماة «السلام 1990») ستنتج عنها السلام المنشود. ورسم كذلك طفلًا يرفع العلم على قبة الصخرة، وخلفه كنيسة القيامة.

في موضوع الاعتماد على الذات، أخذ سليمان منصور ومجموعةٌ من زملائه—ومنهم نبيل عناني وتيسير بركات وآخرون—هذا المبدأ بجدية. بدل شراء الألوان الزيتية المستوردة من الخارج والمباعة في الأسواق الإسرائيلية، اعتمدوا موادَّ محليةً وألوانًا من الطبيعة. استخدموا الحنّة وألوان مخرجات الأرض.

استخدم سليمان منصور الطين والقش المحلية بدل من الزيوت والالوان والقماش المتسوردة

كما استبدلوا القماش بالجلود الطبيعية بدلًا من الرسم على القماش. واستخدموا خلطاتٍ من الطين والبيض والقش. فكانت اللوحات تُنتج بجودةٍ وتألق، وفي الوقت نفسه ملتزمةً بدعوات قيادة الانتفاضة: الاعتماد على الذات من خلال استخدامهم موادَّ محليةً 100%.

أدخل سليمان منصور، ابن قرية بيرزيت، القضيةَ الفلسطينيةَ ذاتَ مكوّنٍ فلسطينيٍّ مسيحيٍّ. رسوماته ذاتُ علاقةٍ بمهد المسيح الموجود تحت الاحتلال، وكان يرسم السيد المسيح بالكوفية الفلسطينية.

بيت لحم في ذكرى الميلاد من العذراء مريم محاصرة من الاحتلال

زرتُ الجارَ السابقَ في منزلهِ في بيت حنينا قبلَ عدةِ سنواتٍ. تابعتُ قيامَ أبنائهِ، وخاصةً فارس، بتحويلِ أعمالِ والدهِ إلى بوستراتٍ رقميةٍ يسهلُ شراؤها نسبيًّا. لكنَّ اللوحاتِ الزيتيةَ وغيرها من الموادِّ الطبيعيةِ ظلّت كنزًا من كنوزِ الشعبِ الفلسطينيِّ. سأفتقدُ صديقي سليمان. لكنني واثقٌ أنَّ الشعبَ الفلسطينيَّ والعالمَ سيستمرانِ في معرفةِ هذا الفنانِ المتألّقِ.

ستبقى أعمالُه شاهدًا على الصمودِ والتحدّي وحبِّ الأرضِ والوطنِ.

بعض رسومات الكاريكاتير التي لم يتم معرفة الجمهور العام بها:

الفجر الانجليزي: تشرين اول 1990
كريكاتير حول محاولة امريكا صنع ممثل للشعب الفلسطيني -حزيران 1985
مقاومة ضغوطات بلدية القدس الإسرائيلية من خلال الضرائب- كانون ثاني 1985

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment