
السابق الوصيةُ ستكونُ اختياريةً وتوفّرُ لمن يرغبُ توزيعَ الإرثِ بأكثرِ عدالةٍ- من نشرة ملح الأرض رقم 252

القس الأرشديكون فائق حليم حداد
عضو اللجنة المكلّفة، ورئيس محكمة الكنيسة الإنجيلية الاسقفية العربية
اسمحوا لي أن أوضح بعض الأمور من واقع مشاركتي في ملف القانون الموحّد للكنائس بشأن المواريث والوصايا والتبنّي، حرصًا على الحقيقة والشفافية، وعلى خدمة جميع أبناء الكنائس المسيحية في الأردن، وتعزيز دور كنائسنا ومجلس رؤساء الكنائس.
مراحل إعداد المشروع
يعمل مجلس رؤساء الكنائس منذ سنوات على إعداد القانون الموحّد للكنائس بشأن المواريث والوصايا والتبنّي، بما ينظّم هذه القضايا وغيرها من المسائل ذات الصلة ضمن إطار قانوني موحّد يُعمل به في المحاكم الكنسية، ويخدم أبناء وبنات الكنائس المسيحية في الأردن على اختلاف كنائسهم وتقاليدهم.
وقد أنجزت اللجنة المكلّفة، التي تضم اثني عشر ممثلًا عن الكنائس الرسولية التسع، النسخة الأولى من المشروع ورفعتها إلى المجلس. وجرت مناقشة المشروع وتداوله داخليًا بين الكنائس المعنية، وهو الآن قيد الدراسة والمراجعة وإجراء التعديلات اللازمة.
ويُعدّ هذا المشروع ثمرة سنوات من العمل والدراسة المستفيضة، بمشاركة الآباء الأجلاء من رعاة كنائس وقضاة المحاكم الكنسية ومحامين كلّفتهم كنائسهم، وهو جهد مؤسسي تراكمي يخصّ شريحة واسعة من أبناء المجتمع المسيحي في الأردن، و يستحق أن نمنحه الوقت الكافي، وأن نناقشه على أساس ما يتضمنه فعلًا، لا بناءً على التخمينات أو ما يُتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن المهم توضيح أن الهدف هو الوصول إلى إطار قانوني موحّد يُعمل به في المحاكم الكنسية وفق ما جرى الاتفاق عليه، بما يعزّز العدالة والوضوح والمساواة في التعامل مع القضايا ذات الصلة، لا أن تبقى لكل كنيسة منظومة مستقلة عن هذا الإطار.
أهمية التأنّي والمسؤولية
أعرف أن من حق جميع أبناء وبنات الكنائس المسيحية في الأردن أن يسألوا ويناقشون ويعبّروا عن مخاوفهم وتطلعاتهم، وأن التساؤلات المطروحة مشروعة. لكنني أرجو أن نتحلّى بشيء من الصبر؛ فالقوانين تحتاج إلى وقت للدراسة والمراجعة والتدقيق قبل اعتمادها، ولا سيما عندما تتعلق بحقوق الأسر والأفراد ومستقبل الأجيال.
كما أن من واجبنا أن نناقش القانون الموحّد للكنائس بشأن المواريث والوصايا والتبنّي بمسؤولية وموضوعية، وأن نميّز بين النصوص الفعلية للمشروع وبين الآراء أو التفسيرات التي قد تنتشر قبل اكتمال مراحله واعتماده.
إن هذا الملف لا يخصّ كنيسة واحدة أو فئة محددة، بل يمسّ شؤونًا قانونية واجتماعية وأسرية تهمّ أبناء الكنائس المسيحية في الأردن جميعًا، ولذلك فإن التعامل معه يحتاج إلى روح الشراكة والاحترام المتبادل، بعيدًا عن التسرّع أو التعميم أو إثارة المخاوف دون الاستناد إلى نصوص واضحة.
موقف المشروع من الميراث
أما فيما يتعلق بالميراث، فلا بد أن نكون واقعيين في فهم التحديات القانونية والدستورية والاجتماعية القائمة. لقد كان من بين تطلعاتنا الوصول إلى صيغة تحقق المساواة الكاملة بين الذكر والأنثى، بما في ذلك المسائل المتعلقة بالحجب في الإرث.
لكن هذا الملف يواجه تحديات قانونية ودستورية واجتماعية معقدة، والوصول إلى توافق حوله ليس أمرًا سهلًا. ومع ذلك، فإن تعذّر تحقيق كل ما نطمح إليه في هذه المرحلة لا يعني أن نتوقف عن السعي، ولا أن نقلّل من قيمة ما تحقق.
فبدلًا من أن ننظر إلى الكأس ونراه نصفه فارغًا، فلننظر أيضًا إلى نصفه الممتلئ، ولنقدّر الخطوة التي استطعنا إنجازها بعد سنوات طويلة من العمل. وإذا كان ما تحقق قد أنصف شريحة واسعة من أبناء وبنات كنائسنا، فهذه خطوة تستحق التقدير، مع استمرار العمل من أجل ما لم يتحقق بعد، وبما يخدم العدالة ويحفظ كرامة جميع أفراد الأسرة.
الحوار طريق التطوير
بدلًا من أن تبقى مناقشاتنا محصورة في التعليقات والمنشورات، أقترح أن نفتح باب الحوار المباشر والموضوعي مع رؤساء الكنائس والمحاكم الكنسية والمحامين الذين تابعوا إعداد القانون الموحّد للكنائس بشأن المواريث والوصايا والتبنّي، لنستمع إلى بعضنا بعضًا، ونناقش النصوص والمواد بندًا بندًا، بمشاركة أوسع من أبناء وبنات الكنائس وممثليهم وأصحاب الاختصاص.
فكل قانون قابل للمراجعة والتطوير، وإذا ظهرت بعد صدوره ثغرات أو أمور تحتاج إلى تحسين، فمن واجبنا أن نواصل العمل من أجل معالجتها. كما أن ثقتنا بمؤسساتنا الكنسية لا تعني أن نتوقف عن السؤال أو النقد، بل تعني أن نمنح العمل المؤسسي فرصة، وأن نمارس النقد بمسؤولية، وأن نبحث عن الحلول بالحوار والحكمة والروية.
إن وحدة الكنائس لا تعني إلغاء التنوع، بل تعني التعاون في القضايا المشتركة، والعمل بروح المحبة والمسؤولية من أجل خير جميع المسيحيين في الأردن، مع احترام خصوصية كل كنيسة وتقاليدها ودورها.
الخطوات المستقبلية
لقد علّمتنا الحياة أن نزرع اليوم ليحصد أبناؤنا غدًا. وما لم نستطع الوصول إليه في جيلنا، يمكن أن نواصل العمل من أجله ليكون واقعًا أفضل للأجيال القادمة، لا سيما في القضايا التي تمسّ الأسرة والمرأة والطفل وحقوق الأفراد وكرامتهم.
كما أن ما عبّر عنه جلالة الملك عبد الله الثاني، حفظه الله، في المحافل الدولية، من تأكيد مكانة المسيحيين في الأردن وحقوقهم ومواطنتهم، يعزّز أملنا في مواصلة العمل من أجل مستقبل أكثر عدلًا وطمأنينة، في إطار الدستور والقانون، وبروح الشراكة الوطنية التي تجمع أبناء الأردن جميعًا.
ومن حق شعبنا المسيحي أن يعرف، ومن واجبنا أن نشرح، ومن مسؤوليتنا جميعًا أن نحافظ على الثقة المتبادلة، وأن نعمل معًا من أجل تعزيز حضور المسيحيين ودورهم وحقوقهم في وطنهم الأردن.
وأقول هذا لا دفاعًا عن أشخاص، بل تقديرًا لجهد جماعي استمر سنوات، وإيمانًا بأن مجلس رؤساء الكنائس سيواصل السعي إلى الأفضل لجميع أبناء وبنات الكنائس المسيحية في الأردن، وأن ما أُنجز في القانون الموحّد للكنائس بشأن المواريث والوصايا والتبنّي يمكن أن يكون أساسًا لمزيد من التطوير والتعاون في المستقبل.
زرعوا فأكلنا، ونحن اليوم نزرع ليأكل أبناؤنا وأحفادنا.
صلاتنا أن يبارك الله هذا العمل، ويمنحنا جميعًا الحكمة والوحدة والصبر، وأن يقودنا إلى ما فيه خير كنيستنا، وجميع أبناء وبنات الكنائس المسيحية في وطننا الأردن.
أخوكم ومحبّكم،
القس الأرشديكون فائق حليم حداد
عضو اللجنة المكلّفة، ورئيس محكمة كنسية، وخادم لشعبنا المسيحي ومؤسساته لسنوات طويلة.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!