
السابق Debunking Netanyahu’s Christian safe haven claim

نُشر هذا المقال لأول مرة في صحيفة “عرب نيوز” (Arab News)، وأعيد نشره بإذن من المؤلف من خلال ترجمة غير رسمية
بقلم: اسامة الشريف*
تضمن خطاب بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي العديد من المزاعم الزائفة، بل وحتى الأكاذيب الصريحة. وعند إخضاع كل ادعاء لتدقيق دقيق للحقائق، يتبين أن خطابه المتعالي يفتقر إلى أي مضمون حقيقي. ورغم أن معظم مزاعمه لم تكن جديدة ودُحضت منذ زمن بعيد، إلا أن الزعم بأن إسرائيل هي المكان الوحيد في الشرق الأوسط الذي يشهد “نمواً وازدهاراً ونجاحاً” للمسيحيين هو ادعاء شائن للغاية لدرجة أنه لا ينبغي أن يمر دون اعتراض أو تفنيد.
عندما يخدم ذلك غاياته، دأب نتنياهو في مناسبات عديدة على الإشارة إلى الثقافة اليهودية-المسيحية المشتركة التي تزعم إسرائيل أنها تدافع عنها. ولكن باستثناء العديد من الإنجيليين المتصهينين الأمريكيين -الذين يتبنون سردية الصهيونية المسيحية التي تربط الإيمان بدعم إسرائيل- فإن الكنائس الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية الرئيسية (بما في ذلك الاتحاد اللوثري العالمي ومجلس الكنائس العالمي وغيرهم ) قد رفضت الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وأدانت الممارسات المعادية للمسيحيين، لا سيما في القدس الشرقية.
تشير بيانات المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل إلى وجود نحو 184 ألف مسيحي في إسرائيل، أي ما يعادل 1.9 في المائة تقريباً من إجمالي السكان. وفي الضفة الغربية، يعيش حوالي 45 ألف مسيحي ضمن التعداد السكاني الفلسطيني البالغ 3.2 مليون نسمة. أما المجتمع المسيحي في غزة -الذي كان يضم نحو 1000 شخص قبل أكتوبر 2023- فقد تقلصت أعداده بشكل أكبر. ففي عام 1948، كان المسيحيون يشكلون حوالي 10 في المائة من سكان فلسطين التاريخية، بينما تبلغ نسبتهم اليوم حوالي 2 في المائة فقط.
وفي الواقع، ولا سيما في ظل الائتلاف الحكومي الذي يقوده نتنياهو -والذي يتسم بالتوجهات القومية المتطرفة والتعصب الديني الشديد- فقد تصاعدت وتيرة الهجمات ضد المسيحيين في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة. خلص تقرير نشرته صحيفة “واشنطن بوست” في شهر يوليو/تموز إلى أن المسيحيين في جميع أنحاء الأراضي المقدسة يتعرضون لموجة من العداء والعنف، وأنهم في القدس يواجهون مضايقات متكررة من اليهود المتشددين (الحريديم) الذين “يجوبون البلدة القديمة هائجين، ويدمرون الممتلكات أثناء مسيراتهم”.
وأشارت الصحيفة إلى حالة بلدة “الطيبة” -البلدة الوحيدة ذات الغالبية المسيحية في الضفة الغربية- حيث يتناقص عدد السكان بعد سنوات من الهجمات المتواصلة والضغوط الاقتصادية التي يمارسها مستوطنون يهود مسلحون. وعندما زار السفير الأمريكي لدى إسرائيل، مايك هاكابي -وهو قس إنجيلي دافع مراراً عن تل أبيب- بلدة الطيبة العام الماضي عقب إضرام مستوطنين النار في أشهر معالمها، وهي كنيسة القديس جاورجيوس التي يعود تاريخها إلى 1500 عام، ندد بما وصفه بأنه “عمل إرهابي”.
وقبل ذلك بأسابيع، هاجم مستوطنون الدير الأرمني في البلدة القديمة بالقدس، وبصقوا على الرهبان والصلبان والأيقونات المقدسة. وقد وصلت الشرطة الإسرائيلية بعد نحو 25 دقيقة من فرار المهاجمين، وكما هو الحال في جميع الحالات المماثلة تقريباً، لم تكن هناك أي اعتقالات أو ملاحقات قضائية.
وتُظهر مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع مستوطنين يهوداً يبصقون على حجاج مسيحيين في البلدة القديمة. وعند سؤاله عن هذه الحوادث، قلل وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، من شأن البصق على الكهنة، معتبراً أنه “ليس عملاً إجرامياً”.
وقد وثّق كل من “مركز روسينغ” (Rossing Center) ومقره القدس و”مركز بيانات الحرية الدينية” (Religious Freedom Data Center) ارتفاعاً حاداً في الهجمات المعادية للمسيحيين داخل إسرائيل والقدس الشرقية في السنوات الأخيرة. وتشمل هذه الهجمات حوادث موثقة لبصق متعصبين يهود على رجال دين مسيحيين في البلدة القديمة، وتخريب مقابر مسيحية، وتشويه أديرة بكتابات غرافيتي.
وفي قطاع غزة الذي مزقته الحرب، أصابت غارة جوية إسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول 2023 كنيسة القديس بورفيريوس للروم الأرثوذكس -وهي ثالث أقدم كنيسة في العالم- مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 17 شخصاً كانوا يحتمون بداخلها. وبعد شهرين، أطلق قناص إسرائيلي النار فأردى قتيلةً عاملةً في الكنيسة تبلغ من العمر 49 عاماً ووالدتها المسنة أثناء محاولتهما عبور ساحة كنيسة العائلة المقدسة، كما أُصيب سبعة أشخاص آخرين بالرصاص أثناء محاولتهم حمايتهما. في يوليو/تموز 2025، أصابت قذيفة دبابة إسرائيلية كنيسة العائلة المقدسة — وهي الرعية الكاثوليكية الوحيدة في غزة — مما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص، بينهم أم وابنها البالغ من العمر 17 عاماً، وإصابة 10 آخرين، بمن فيهم كاهن الرعية. ووصفت إسرائيل الحادث بأنه خطأ ناجم عن “ذخيرة طائشة”، رغم أن بطريرك القدس للاتين، الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، صرح بأن الدبابة أصابت الكنيسة “بشكل مباشر”. وقد وصف البابا ليو الهجوم بأنه “غير مبرر”. وتقول جماعات حقوقية إن النيران الإسرائيلية أودت بحياة ما لا يقل عن 23 مسيحياً كانوا يحتمون في أقدم كنيستين في غزة منذ اندلاع الحرب.
في جنوب لبنان، ألحقت الضربات الإسرائيلية أضراراً أو دمرت ما لا يقل عن ثماني كنائس، بما في ذلك كنيسة ودير القديس “ميما” (St. Mema) في دير ميماس -الذي يعود تاريخه إلى العصور الوسطى- وكنيسة القديس جاورجيوس في ديردغيا، وكنيسة القديس إيليا الحي في علما الشعب. وفي يارون، هدمت القوات الإسرائيلية ديراً ومدرسة كاثوليكية تديرهما راهبات المخلص (السالڤاتوريات).
وتم توثيق جنود إسرائيليين وهم يدنسون رموزاً مسيحية في أنحاء جنوب لبنان؛ ففي أحد مقاطع الفيديو، شوهد جندي يضع سيجارة مشتعلة في فم تمثال للسيدة العذراء، وفي مقطع آخر، استخدم جندي مطرقة هيدروليكية (جاك هامر) لتحطيم تمثال للسيد المسيح على الصليب في قرية دبل. والمفارقة أن الجنود الإسرائيليين أنفسهم هم من ينشرون هذه المقاطع على حساباتهم الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي.
ومن المزاعم الخاطئة الأخرى التي ساقها نتنياهو في الأمم المتحدة، القول بأن نسبة المسيحيين في بيت لحم كانت تتراوح بين 80 و90 في المائة إبان السيطرة الإسرائيلية، لتصبح النسبة مسلمة (بين 80 و90 في المائة) فقط بعد تسليم المدينة للسلطة الفلسطينية عام 1995، مما يوحي بأن الحكم الإسرائيلي كان عهد أمان. غير أن الإحصاءات تكشف أن أعداد المسيحيين في بيت لحم كانت تتناقص بالفعل قبل عام 1995 بكثير، مدفوعةً بموجات الهجرة خلال ثلاثة عقود من الاحتلال الإسرائيلي.
وقد أغفل نتنياهو ذكر تأثير مصادرة الأراضي، ونقاط التفتيش، وجدار الفصل الذي يشق الأراضي الزراعية لمدينة بيت لحم مباشرة، باعتبارها عوامل دفعت مسيحيي المدينة إلى المغادرة. وبشكل عام، تمكن المسيحيون من الهجرة بوتيرة أسرع مقارنة بجيرانهم المسلمين نظراً لكونهم أكثر ميلاً لامتلاك أقارب مستقرين في الغرب، مما يسهل عليهم الحصول على فرص إعادة التوطين وحق اللجوء. ومع ذلك، لا ينبغي إغفال عوامل أخرى، مثل اندلاع الانتفاضة الثانية وتصاعد التشدد الإسلامي في أنحاء الأراضي المحتلة.
وفي المقابل، شهدت أعداد المواطنين الفلسطينيين المسيحيين في إسرائيل نمواً -وإن كان طفيفاً- في السنوات الأخيرة. ورغم تمتعهم بحقوق المواطنة، إلا أنهم يخضعون لسياسات تمييزية وممارسات ترهيبية داخل المجتمع الإسرائيلي الأوسع. ففي ظل حكومة نتنياهو، جرى تقليص ميزانيات البلديات في التجمعات العربية بشكل حاد، كما تعاني هذه التجمعات من الانفلات الأمني ومعدلات جريمة تفوق المعدل الوطني العام. في غضون ذلك، أغفل نتنياهو أيضاً حقيقة أن الحكومات الإسرائيلية والمنظمات الاستيطانية تعمل جنباً إلى جنب منذ عقود لمصادرة أراضٍ وممتلكات تابعة للكنائس في القدس وخارجها. فمن خلال توظيف قوانين ضريبية صارمة ووثائق مزورة، فضلاً عن تشريعات بلدية خاصة، تسعى إسرائيل إلى مصادرة والاستيلاء على أراضٍ عربية -بما في ذلك أراضٍ مسيحية- في القدس الشرقية. وتلجأ بلدية القدس الإسرائيلية إلى ما يُعرف بـ “أوامر العناية بالحدائق” (أوامر التشجير)، وهي آلية تُستخدم للسيطرة على أراضٍ يُزعم أنها مهملة تحت ذريعة “تنسيق الحدائق”. وباستخدام هذه الأوامر، اقتحمت البلدية في شهر يونيو/حزيران أراضٍ تابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس في منطقة وادي الربابة بالقدس الشرقية واستولت عليها.
يتعين على الكنائس والمنظمات المسيحية أن تتكاتف لدحض مزاعم نتنياهو وتسليط الضوء على الاضطهاد الذي يتعرض له المسيحيون في الأراضي المحتلة، ولا سيما في القدس. إذ يتمتع مسيحيو فلسطين بروابط مادية وثقافية وتاريخية بالأرض تفوق ما لدى أي مجموعة أخرى؛ فهم يعيشون هنا بشكل متواصل منذ أكثر من ألفي عام. ويُعد نضالهم من أجل البقاء في أراضي أجدادهم رمزاً للقضية الفلسطينية الأوسع، المتمثلة في تمسك الفلسطينيين بهويتهم والدفاع عنها، وضمان حقهم الأصيل وغير القابل للتصرف في تقرير المصير والحرية.
يبدو أن نتنياهو يعتقد أنه إذا كرر مزاعم دُحضت سابقاً من على منصة بارزة بما يكفي، فإنها ستتحول في نهاية المطاف إلى حقائق. لكن ذلك لا يحدث؛ بل إن هذا السلوك لا يؤكد إلا حقيقة معاكسة تماماً. فسجل إسرائيل لا يعكس حمايةً، بل استغلالاً؛ إنه سجل حافل بحرق الكنائس وقصف دور العبادة ومعاناة أقلية مستضعفة.
أسامة الشريف صحفي ومحلل سياسي مقيم في عمّان. حساب تويتر (X): @plato010


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!