Skip to content

خارطة الطريق للوصول الى المصادقة على الوصية والتبني في الأردن

تاريخ النشر: يوليو 22, 2026 8:09 م
images (30)55

بقلم: داود كُتّاب – ملح الأرض

بعد أن قام مجلس الوزراء الأردني بقبول الأسباب الموجبة لتعديل قانون الطوائف المسيحية لعام 2014 بحيث يوفر غطاء قانوني للوصية والتبني لدى المكون المسيحي تستمر النقاشات والتساؤلات حول الخطوات القادمة علما ان الموضوع الان في انتظار صدور توصيات ديوان التشريع والرأي والذي يتبع ذلك تحويل الأمر لمجلس الامة ختاما بتوشيح التعديل من قبل الملك ثم نشره في الجريدة الرسمية. ولكن الموضوع لن ينتهي هناك. فيما يلي خلفية الموضوع والخطوات التي يجب أن تتم لغاية قدرة المواطن المسيحي أن يصيغ ويوقع على وصية ملزمة وان تستطيع عائلة مسيحية ان تتبني طفل مسيحي بصورة قانونية.

الخلفية الدستورية التي استحوذت التعديل

هناك مشكلتان أساسيتان تقفان خلف تعقيدات تعديل قانون الميراث للمسيحيين في الأردن، يتداخلان مباشرة مع ملفي الوصية والتبني. أولى هذه المشكلات تتمثل في صعوبة استحالة الحكومة إصدار قانون للوصية والتبني خاص بالمسيحيين، لأن ذلك قد يُفهم على أنه يعارض مع مبدأ المساواة بين الأردنيين مهما اختلفت دياناتهم (المادة السادسة). وفي المقابل، يشير الدستور إلى أن للطوائف غير المسلمة حق تنظيم أمورهم وأحوالهم الشخصية (المادة 109 ب). غير أن تطبيق قانون الميراث عملياً ظلّ جارياً على الجميع وفق الشريعة الإسلامية، ما أدّى إلى فجوة بين النص الدستوري من جهة، والتطبيق الواقعي من جهة أخرى.

جرى خلال السنوات الماضية قدر من التفاوض انتهى إلى ما يُعرف بوثيقة المحبة أو عهد المحبة، وقّع عليها ممثلو كنائس متعددة، إضافة إلى نواب وأعيان وشخصيات من طوائف مختلفة. وكانت الوثيقة سبب إقرار مجلس الوزراء الأردني برئاسة الدكتور جعفر حسان الأسباب الموجبة لمشروع قانون معدّل قانون مجالس الطوائف المسيحية لسنة 2026، متضمناً إقرار مبدأ الوصية والتبني للطوائف المسيحية.

الاحتمالين أمام المجتمع والكنائس

لكن مسألة التعديل لا تقف عند حدود مجلس الأمة. فبعد موافقة مجلس النواب تأتي مرحلة مجلس الأعيان، ثم التوقيع الملكي، وأخيراً نشر التعديل في الجريدة الرسمية. ولكن الصعوبات والاشكال الحقيقية ستتشكل لاحقاً إلى وكيفية التعامل مع التعديل عند صدوره، الأمر الذي يفتح الباب أمام عدة احتمالات.

الاحتمال الأول هو أن تتجه كل كنيسة إلى وضع نظام خاص بها للوصية والتبني، بما يؤدي إلى تعدد المرجعيات داخل المجتمع المسيحي. وفي هذا السياق، يُذكر أن كنيسة الروم لديها نظام يعرف بقانون العائلة المسيحية المرتبط بالنموذج البيزنطي. ويُنظر إلى هذا الخيار محدد لطائفة معينة ولن تقبل الطوائف الأخرى به.

أما الاحتمال الثاني، فيقوم على أن تتفق الطوائف المسيحية ومحامون متخصصون على صياغة نظام موحد للوصية والتبني يكون مرجعية للجميع، ثم تقوم كل كنيسة بعد ذلك بإقرار إلى هذا النص وتقوم محاكمها الكنسية تطبيقه وتفسيره حسب الحاجات التي ستصلها. ويُنظر إلى هذا الاتجاه بوصفه الحاصل على أكثر فرصة لتوحيد المرجعية للطوائف وتقليل فرص النزاع داخل المجتمع.

تعقيدات الوصية

تظهر أهمية التفاصيل بصورة واضحة في موضوع الوصية تحديداً وقد يكون قانون الوصية الإيطالي المكون من 150 بند مثال على ضرورة التفصيل في النظام لمنع الاستغلال وعدم الوضوح.

 بادئ ذي بدء من ناحية كتابة وتوقيع والتصديق الوصية حيث هناك متوقع شروط صارمة. مثلا هناك من يفضّل أن تكون الوصية سرية حتى لا ينكشف توزيع الميراث بما قد يولّد صراعات داخل العائلة قبل وفاة صاحب الوصية. وفي المقابل يوجد من يرى أن العلنية قد تكون أكثر وضوحاً وتقلل من الخلافات بعد الوفاة. الرأي الغالب والتجارب العالمية تعتبر انه من الصعب تطبيق اتجاه الإعلان العلني للوصية قبل الوفاة..

من ناحية أخرى وهي الأكثر أهمية لابد أن يتم التوافق حول ما هو مقبول وما هو مرفوض في أي وصيه حيث يتم طرح مسألة حدود الوصية نفسها من ناحية قانونية: فحتى في الدول التي تتيح حرية أكبر في صياغتها، لا يُقبل عادةً أن تُستخدم الوصية لحرمان أفراد محددين من حقوقهم الأساسية، فمن المؤكد أن النظام سيفرض قيوداً تضمن عدم إلغاء حقوق أفراد مهمين مثل الزوجة أو الزوج أو الأطفال الصغار أو حتى حرمان كامل لأحد الأبناء.  كما هناك نصائح لوضع عبارة الأبناء والبنات إضافة تفصيل بحيث في حال ولادة طفل بعد كتابة الوصية تكون الوصية شاملة له أو لها.

ومن الأمثلة العالمية وفي بعض الدول تمنع حصول استحقاقات من يطّلع على محتوى الوصية بغير الأصول أو قبل الوقت المناسب، بهدف ضمان احترام إجراءات فتح الوصية.  وهناك العديد من النصوص للوصية تشمل كل الموصي الابتعاد عن الخلافات العائلية في توزيع التركة، حيث يضع البعض بند قانوني ينص على حرمان أي من المستفيدين من الوصية في حال الطعن فيها وذلك لضمان حق كاتب الوصية بها وتجنب النزاعات العائلية حولها.

دور المحاكم الكنسية

كما يُشار إلى سؤال جوهري حول دور المحكمة الكنسية. المحكمة الكنسية، وفق ما نُقل عن قاضٍ كنسي، لا تضع القوانين من تلقاء نفسها، بل تترجم القواعد الملائمة لقضاياها وتطبق ما يوافق عليه المجمع الكنسي. لذلك لا ينبغي أن تتحول مسألة التشريع إلى عبء إضافي على القضاء الكنسي كي يبتكر شروط الوصية والتبني، بل الأفضل أن تأتي القواعد مكتملة من حيث المبدأ والإجراءات، لتصبح المحكمة جهة تنفيذية وليست جهة ابتكار.

ويرتبط ذلك بملاحظة أخرى تتعلق بالبديل عند غياب الوصية. إذ يرى النص أن عدم وجود وصية يؤدي تلقائياً إلى تطبيق قواعد الميراث وفق الشريعة الإسلامية. وفي المقابل، إذا وُجدت وصية وتمت إقرارها حسب الشروط، فإن توزيع التركة قد يسير وفق ما نصت عليه الوصية، مع بقاء احتمال الطعن في صحتها بعد الوفاة، ما قد يؤدي إلى توقف العمل بها والعودة إلى القواعد النظامية المعمول بها. كما تُذكر فروقات بين توزيع الحقوق في الشريعة الإسلامية وتوزيعها وفق نموذج الوصية في دول أخرى، باعتبار ذلك أحد أسباب الحاجة إلى وجود وصية منظّمة ضمن إطار واضح.

الوصية قد تضمن العدل بدل المساواة

ومن المعروف أن هناك اختلافات تتعلق بحقوق الزوج أو الزوجة وطريقة توزيع الحصص في سيناريوهات متعددة، ومن التجارب الدولية توضح أن النظام يوازن غالباً بين حرية التصرف في التركة وبين حماية حقوق أفراد محددين. وتبرز هنا فكرة أن وجود الوصية قد يكون أداة لتحقيق نوع من “العدل” وفق ظروف العائلة، وليس بالضرورة مجرد “المساواة الرقمية”، لأن المشرع في الأنظمة المشابهة يسمح بمعالجة فروقات الواقع الاجتماعي والاقتصادي بين الأبناء.

التبني محصور للأردن في الوقت الحالي

أما في التبني، فيُعتقد أنه أقل تعقيداً من ناحية التشريعات المرتبطة بالوصية، لكنه لا يخلو من تحديات. فهناك اشتراطات حالية تتعلق بديانة الطفل المطلوب تبنيه، وقد أدت صعوبة توفير فرص تبنٍ كافية داخل البلاد إلى فتح باب تبنٍ من بلدان أخرى مثل سوريا أو مصر أو لبنان لأطفال مسيحيين. وهذا يتطلب ترتيبات ثنائية بين الدول، وبروتوكولات من الجهات المختصة، مع ضرورة التحقق من ديانة الطفل عبر الوثائق الرسمية.

وفي هذه المرحلة، تُطرح فكرة أن المعارضة الحالية ليست بالضرورة رفضاً للمبدأ ذاته، وإنما نابعة من غياب التفاصيل. بالأطراف المعارضة قد تكون محقة في مخاوفها لأن النصوص لم تصل بعد إلى درجة تحديد الإجراءات والضوابط بدقة. ومن وجهة النظر الواردة في النص، يمكن تجاوز هذا التوتر من خلال الاتفاق على صياغة واضحة ومفصلة للتبني والوصية بما يضمن أن يكون التطبيق قابلاً للتحقق والاحتكام.

حرية الاختيار لمن لا يريد الوصية

في ضوء ذلك، يقدم النص تقييمه لمسار التعديل من ناحية تنفيذية. فحتى بعد إقرار تعديل قانون الميراث للمسيحيين، يبقى للمواطنين خيار الالتزام أو عدم الالتزام به من خلال كتابة وصية أو عدم كتابتها. وبذلك، حتى لو اعتبر البعض أن التوزيع الجديد قد يعطي الرجال أو فئات معينة نصيباً أكبر، فإن وجود وصية وقانون ينظمها قد يفتح باباً لإعادة ترتيب العلاقة داخل العائلة، خاصة مع الزوجات والبنات وملف الملكيات. كما يحذّر النص من أن تتحول هذه العملية إلى ضغط اجتماعي أو إلى توظيف لمقولة أن بعض الأقارب أولى بالمحافظة على ممتلكات العائلة، بما قد يخلق نزاعات إذا لم تكن الضوابط واضحة وعادلة.

وفي المحصلة، فإن التعديل يمكن أن يكون متوازناً إذا تم التعامل معه كاتفاق على مرجعية واضحة، لا كملف مفتوح للتأويل. فكلما زادت التفاصيل ووضحت الإجراءات المتعلقة بالوصية والتبني، قلّت فرص النزاع وقلّ هامش الاعتراض. وبدل أن يتم دفع الموضوع إلى المحكمة لاحقاً لمعالجة الغموض، يجب الاتفاق منذ البداية على نص محدد وواضح يلتزم به الجميع، سواء في التشريع أو في التطبيق داخل الإطار الكنسي والقضائي.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment