Skip to content

” حَيثُ لَم يَجرُؤُ الآخِرُونَ… تَجَرَّأَ وَقَالْ”.

تاريخ النشر: سبتمبر 25, 2026 9:28 ص
الخوري جوزيف سويد- راعي كنيسة مار شربل المارونية

الخوري جوزيف سويد- راعي كنيسة مار شربل المارونية


الخوري جوزف سوَيد*

قَالَها عالِيَةً مُدَوِّيَةً رَافِعًا إصبَعَهُ وَالجُرأَةُ تَلُوحُ عَلَى مُحَيَّاهُ؛ كَأَنَّهُ لَم يَكُن يَتَحَدَّثُ إِلَى قَاعَةٍ، بَل إِلى عَالَمٍ أَصَمّ، وَكَأَنَّ إِصبَعَهُ المُرتَفِعَ لَم يَكُن إِشَارَةً، بَل سُؤَالًا مُدَوِّيًا فِي وَجهِ التَّارِيخ:
أَفَلَا تَسمَعُونَ؟
أَفَلَا تَرَونَ؟
أَفَلَا تَنتَبِهُونَ؟
لَم يَكُن صَوتًا عَابِرًا فِي أَروِقَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، بَل صَوتَ مَن أَرَادَ أَن يَقُولَ لِلعَالَمِ:
أُصغُوا… اسمَعُوا… رَكِّزُوا… تَنَبَّهُوا… عُوا. فَحِينَ يَصمُتُ الآخَرُونَ، تُصبِحُ الكَلِمَةُ مَوقِفًا،
وَ تَغدُو الجُرأَةُ وَاجِبًا.
لَم تَكُنِ المَسأَلَةُ يَومًا مُشكِلَةً بَينَ الأَديَانِ، وَلَم يَكُنِ الخِلَافُ بَينَ الإِنسَان وَالإِنسَان، لِأَنَّ هَذَا مُسلِمٌ وَذَاكَ مَسِيحِيٌّ، أَو لِأَنَّ هَذَا يَنتَمِي إِلَى هَذِهِ الأَرضِ وَذَاكَ إِلَى تِلك.
إِنَّها، فِي جَوهَرِهَا، مَسأَلَةُ مَفَاهِيمَ وَقِيَمٍ وَأَخلَاق؛ مَسأَلَةُ Morality و Ethics؛
مَسأَلَةُ مَا نُؤمِنُ بِهِ حَقًّا حِينَ نُوضَعُ أَمَامَ اختِبَارِ الإِنسَانِيَّة.
فَإِلَى أَينَ يَتَّجِهُ العَالَمُ؟ وَإِلَى أَينَ نَمضِي إِذَا أَصبَحَتِ القَواعِدُ تُكتَبُ بِقُوَّةِ السِّلَاحِ، وَأَصبَحَتِ الأَخلَاقُ خَاضِعَةً لِحِسَابَاتِ المَصَالِحِ؟
صَوْتٌ فِي الْبَرِّيَّةِ وَصَوْتٌ فِي أَرْوِقَةِ الْعَالَمِ.
«قَوِّمُوا دُرُوبَ الرَّبِّ، وَاجْعَلُوا سُبُلَهُ قَوِيمَةً». هَلْ تُذَكِّرُكُم هَذِهِ الكَلِمَاتُ بِأَحَد؟
هُنَا تَستَيقِظُ فِي الذَّاكِرَةِ صُورَةُ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ؛ ذَلِكَ الصَّوتُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ البَرِّيَّةِ، لَا يَستَجْدِي تَصفِيقًا، وَلَا يَطلُبُ رِضًى، وَلَا يَختَارُ مِنَ الكَلَامِ أَسهَلَهُ، بَل يَقُولُ مَا يَرَى أَنَّهُ الحَقُّ، وَلَو كانَ الطَّريقُ إِلَيهِ وَعِرًا، وَلَو كَانَ الصَّمتُ أَيسَر.
صَوتٌ فِي البَرِّيَّةِ…
وَصَوتٌ فِي أَروِقَةِ العَالَمِ…
وَبَينَ الصَّوتَينِ قُرُونٌ مِنَ التَّارِيخِ، وَتَبَاعُدٌ فِي الزَّمَانِ وَالمَكَانِ؛ غَيرَ أَنَّ المَعنَى الَّذِي يَسْتَوقِفُنَا وَاحِدٌ:
مَاذَا يَبقَى مِن قِيمَةِ الصَّوتِ، إِذَا صَارَ هَمُّهُ أَنْ يُرضِيَ الجَمِيع؟
مَن سَيَقُولُ الحَقَّ حِينَ يَصمُتُ الآخَرُونَ؟
ليسَ مِن بابِ المَدِيحِ الَّذِي يَمُرُّ عَابِرًا، وَلَا مِن بَابِ الكَلَامِ الَّذي يُقالُ لِأَهلِ السُّلطان، إِنَّمَا لأَنَّ مَوقِفًا كَهَذَا يَستَحِقُّ أَن يُقرَأَ، وَأَن يُنَاقَشَ، وَأَن يُدَرَّس.

فَالخُطَباءُ كُلُّهم كانوا فِي كَفَّةٍ، وَأَنتُم كُنتُم فِي كَفَّةٍ أُخرَى؛ وَكُنتُم، فِي أَحيَانٍ كَثِيرَةٍ، تَسبَحُونَ عَكسَ التَّيَّارِ، لَا تَستَجدُونَ رِضًا، وَلَا تَستَعِيرُونَ مَوقِفًا، بَل تَقِفُونَ حَيثُ تَرَونَ أَنَّ الوُقُوفَ وَاجِبٌ. وَلَعَلَّ أَصعَبَ مَا فِي السِّيَاسَةِ أَن تَقُولَ مَا تَرَاهُ حَقًّا، حِينَ يَكُونُ الأَسهَلُ أَن تَصمُتَ.
أمَّا جلالته فَبِوضُوحٍ قالَها:
« الأَمرُ واضِحٌ كالشَّمسِ: أيّ تهديدٍ لِحدُودِنَا الشَّمالِيّة أَوْ أَمنُنا المائِيّ هُوَ تهديدٌ لأمنِنا القَومِيّ. لَن يَشِيحَ الأُردُنّ بِنَظَرِهِ، بَل سَنَحمِي أَمننَا، وَمياهَنا، ومصالِحَ شَعبِنَا.»
ثُمَّ قالَ لاحِقًا: «وَسَنستَمِرُّ في حملِ أمانَةِ الوصايَةِ الهاشِمِيَّةِ وَالحِفاظِ عَلَى الوَضعِ التَّاريخيّ وَالقَانُونيّ القَائِم في المُقَدَّسَات الإِسلَامِيَّةِ وَالمَسِيحِيَّةِ في القُدسْ».

أينَ نَحنُ مِنَ الإِنسَانِ؟ ومَا الَّذي يَبقى مِنَ الأَخلَاقِ، إِذَا صَارَتِ المصَالِحُ أَقوَى مِنَ القِيَم؟

وَمَا الَّذِي يَبقَى مِنَ العَدَالَةِ، إِذَا أَصبَحَ القَانُونُ يُقَاسُ بِمِقدَارِ قُوَّةِ مَن يَحتَجُّ بِهِ؟

وَإِلَى أَينَ يَتَّجِهُ العَالَمُ، إِذَا أَصبَحَ الصَّمتُ أَسهَلَ مِنَ الحَقِّ، وَأَصبَحَتِ الجُرأَةُ عَلَى قَولِ الحَقِّ عِبئًا عَلَى مَن يَملِكُهَا؟

وَمَاذَا بَقِيَ مِنَ العَالَمِ إِذَا أَصبَحَت مَأسَاةُ الإِنسَانِ تَحتَاجُ إِلَى مَن يُذَكِّرُ العَالَمَ بِأَنَّهَا مَأسَاة؟

كَلِمَاتٌ قَصِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا لَيسَت عَابِرَةً؛ فَهِيَ، فِي لُغَةِ الدُّوَلِ، مَوَاقِفُ… وَفِي لُغَةِ الأَوطَانِ، ثَوَابِت… وَفِي لُغَةِ الشُّعُوبِ، أَمَانَةٌ لَا تُسَاوَم.
جَلَالَةَ المَلِكِ: لَقَد قَالُوا فِيكَ وَعَنكَ الكَثِيرَ، الكَثِيرَ. وَلَكِنِّي سَأَقُولُ شَيئًا جَدِيدًا… “الله يِحمِيك”.
إِمضِ حَيثُ يَقُودُكَ ضَمِيرُكَ، وَاحفَظ لِلأُردُنِّ أَمنَهُ، وَلِلعَرَبِ كَرَامَتَهُم، وَلِلإِنسَانِ حَقَّهُ، وَلِلحَقِّ مَكَانَه. وأَقُولُهَا بِكُلِّ مَا أَملِكُ مِن صَرَاحَةٍ:
خطَابُكَ يَجِبُ أَن يُقرَأَ فِي الجَامِعَاتِ، وَأَن يُنَاقَشَ فِي السّاحاتِ والشَّوارِع والأزِقَّةِ والبُيُوت، وَأَن يَتَأَمَّلَ فِيهِ القَادَةُ وَالمُلُوكُ وَالرُّؤَسَاءُ. لَيسَ لِأَنَّهُ خِطَابُ مَلِكٍ فَقَط، بَل لِأَنَّهُ يَضَعُ أَمَامَ العَالَمِ سُؤَالًا أَكبَرَ مِنَ السِّيَاسَة:

هُنا لَا يَعُودُ الخطَابُ خطابَ دَولَةٍ فَقَط، وَلا خطابَ مَلِكٍ فَقَط، بَل يَغدُو شَهَادَةً عَلَى زَمَنٍ بِأَكمَلِهِ.
وَلِهَذَا أَقُولُ: اِقرَؤُوا الخطَابَ، لَا لِتُصَفِّقُوا لِصَاحِبِهِ، بَل لِتَسأَلُوا أَنفُسَكُم: لَو كُنَّا مَكَانَهُ، فَمَاذَا كُنَّا سَنَقُول؟
سيِّدِي جَلالة المَلِك المُعَظَّم: لَقَد كَتَبتَ التَّارِيخَ بِمَوقِفٍ سَيَبقَى مَحَلَّ قِرَاءَةٍ وَنِقَاش.
وَأَمَّا مَلَايِينُ التَّفَاعُلَاتِ وَالمُتَابَعَات، فَلَيسَت إِلَّا نِيشَانًا آخَرَ يُضَافُ إِلَى نَيَاشِينِكَ، وَلُؤلُؤَةً تُزَيِّنُ أو تُرَصِّعُ تَاجَكَ، وَتُضَافُ إِلَى سِجِلٍّ طَوِيلٍ مِنَ المَوَاقِفِ الَّتِي يَحفَظُهَا النَّاسُ قَبلَ أَن تَحفَظَهَا الكُتُب. وَلَكِنَّ أَجمَلَ الأَوسِمَةِ، فِي النِّهَايَةِ، لَيسَ مَا تَمنَحُهُ القَاعَاتُ، وَلَا مَا تَصنَعُهُ أَرقَامُ التَّفَاعُل… إِنَّهَا تِلكَ اللَّحظَةُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الإِنسَانُ: لَقَد قالَها، حِينَ كَانَ الصَّمتُ أَسهَل.
وَرُبَّمَا هُنَا، بَينَ يُوحَنَّا الصَّارِخِ فِي البَرِّيَّةِ، وَصَوتِ المَلِكِ فِي أَروِقَةِ الأُمَمِ المُتَّحِدَةِ، يَبقَى السُّؤَالُ نَفسُهُ:
مَن يُقَوِّمُ الطَّرِيق؟ وَمَن يَقُولُ لِلعَالَم: تَنَبَّهُوا… أَصغُوا… عُوا؟
فَالتَّارِيخُ لَا يَذكُرُ الصَّامِتِينَ كَثِيرًا؛ إِنَّهُ يَذكُرُ، فِي لَحَظَاتِهِ الفَاصِلَةِ، مَنِ امتَلَكَ شَجَاعَةَ أَن يَقُول: كَفَى.
والآنَ!!! إلَى اليُوبيل دُرّ.

· خَادِم رَعِيَّة مار شَربِل -عَمّان..
في 24 / 9 / 2026

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment