
السابق مراد دمرجيان… حين يرحل المايسترو، يبقى اللحن في القلوب

بقلم: القاضي فارس شرايحة*
تُعدّ الحياة الزوجية من أهم الروابط الإنسانية والاجتماعية التي تقوم على المودة والرحمة والاحترام المتبادل، وهي علاقة تحتاج إلى قدر كبير من التفاهم والحوار والتسامح، حتى تتمكن من مواجهة التحديات والخلافات التي قد تنشأ بين الزوجين. ومن الطبيعي أن لا تخلو أي حياة زوجية من الاختلاف في وجهات النظر أو تباين الطباع والاحتياجات، إلا أن خطورة هذه الخلافات لا تكمن دائماً في أسبابها الأصلية، بل قد تكمن في الطريقة التي تُدار بها، ولا سيما عندما يتدخل الأهل بصورة سلبية، فيتحول الخلاف البسيط إلى أزمة عائلية معقدة قد تنتهي بانفصال الزوجين ووقوع الطلاق.
لدور الإيجابي قد يتحول إلى عامل من عوامل هدم الحياة الزوجية عندما يتجاوز حدود النصح والمساندة، ويصبح تدخلاً في تفاصيل العلاقة الزوجية وقراراتها الخاصة.
لا يمكن إنكار الدور المهم الذي يؤديه الأهل في حياة أبنائهم، فهم مصدر للحكمة والخبرة والدعم النفويظهر التدخل السلبي للأهل في حياة أبنائهم عندما ينحاز الأهل إلى ابنهم أو ابنتهم بصورة مطلقسي والاجتماعي، وقد يكون تدخلهم ضرورياً في بعض الظروف، خصوصاً عندما يكون الهدف منه الإصلاح وتقريب وجهات النظر وحماية الأسرة من التفكك،غير أن هذا الدور الإيجابي قد يتحول إلى عامل من عوامل هدم الحياة الزوجية عندما يتجاوز حدود النصح والمساندة، ويصبح تدخلاً في تفاصيل العلاقة الزوجية وقراراتها الخاصة.
ويظهر التدخل السلبي للأهل في حياة أبنائهم عندما ينحاز الأهل إلى ابنهم أو ابنتهم بصورة مطلقة، دون الاستماع إلى الطرف الآخر أو محاولة فهم حقيقة الخلاف وأسبابه. وقد يتخذ هذا التدخل صوراً متعددة، مثل تضخيم الأخطاء، وتفسير التصرفات بحسن نية على أنها إساءة متعمدة، وإثارة الشكوك، واستحضار الخلافات القديمة، وتحريض أحد الزوجين على الآخر، أو دفعه إلى اتخاذ قرارات متسرعة في لحظات الغضب والانفعال، والأخطر من ذلك أن بعض الأهل يتعاملون مع الخلاف الزوجي وكأنه معركة يجب الانتصار فيها لأحد الطرفين، بدلاً من النظر إليه باعتباره مشكلة تحتاج إلى حل. وهنا يفقد الخلاف طبيعته الخاصة بين الزوجين، ويتحول إلى صراع بين عائلتين، تتداخل فيه مشاعر الكرامة والكبرياء والحساسية العائلية، ويصبح التراجع عن المواقف أو الاعتذار أصعب من معالجة المشكلة نفسها.
كما أن نقل تفاصيل الحياة الزوجية إلى الأهل بصورة مستمرة، ولا سيما في أوقات الغضب، قد يؤدي إلى تكوين صورة سلبية دائمة عن الطرف الآخر، فالزوجان قد يتصالحان وينسيان الخلاف، لكن الأهل قد يحتفظون بمشاعر الاستياء والعتب، ويستحضرون المواقف السابقة عند كل خلاف جديد، الأمر الذي يجعل تجاوز الماضي أكثر صعوبة.
ومن مظاهر التدخل السلبي أيضاً استخدام المقارنات بين الأزواج، أو التدخل في القرارات المالية وتربية الأبناء وإدارة شؤون المنزل، أو فرض شروط ومطالب لا تنبع من احتياجات الزوجين الحقيقية، وإنما من رغبات الأهل وتصوراتهم الخاصة عن الحياة الزوجية. وقد يشعر أحد الزوجين، نتيجة ذلك، بأنه لا يعيش مع شريك حياته فحسب، بل يخضع أيضاً لرقابة مستمرة وتدخل دائم من أسرته أو أسرة الطرف الآخر.
ومع استمرار هذه الظروف، تتراجع الثقة المتبادلة، ويضعف الشعور بالأمان والاستقلالية، ويصبح الحوار بين الزوجين أقل فاعلية. وقد يصل الأمر إلى أن يصبح الطلاق خياراً مطروحاً ليس بسبب الخلاف الأصلي، بل بسبب تراكم الضغوط الخارجية، وفقدان الأمل في استعادة الحياة الزوجية لاستقرارها.
قد يكون التدخل السلبي نابعاً من الحرص على الابن أو الابنة، أو من الاعتقاد بأن الخبرة الأبوية تمنح الأهل الحق في إدارة حياة أبنائهم حتى بعد الزواج. وقد يكون نتيجة الخوف من تعرض أحد الأبناء للظلم، أو التأثر بتجارب شخصية سابقة، أو صعوبة تقبل استقلال الأبناء واتخاذهم قرارات تختلف عن قناعات الأسرة.
وفي بعض الحالات، تختلط المحبة بالرغبة في السيطرة، ويصبح الدفاع عن الابن أو الابنة أهم من البحث عن الحقيقة وتحقيق الاستقرار. وقد يتصور الأهل أنهم يقدمون الحماية اللازمة، بينما تكون النتيجة الفعلية زيادة التوتر وتعميق الخلاف وإضعاف قدرة الزوجين على حل مشكلاتهما بأنفسهما.
ومن المهم التأكيد أن المسؤولية لا تقع على الأهل وحدهم؛ فالزوجان يتحملان أيضاً مسؤولية وضع الحدود المناسبة لتدخل الآخرين بما فيهم الأهل، والمحافظة على خصوصية حياتهما، وعدم السماح بتحويل كل خلاف إلى قضية عائلية واسعة. فالحياة الزوجية الناجحة تحتاج إلى وعي من الطرفين بأهمية الاستقلال في اتخاذ القرارات، مع الاستفادة من خبرة الأهل دون التفريط في خصوصية العلاقة الزوجية.
إن حماية الحياة الزوجية لا تعني قطع العلاقة مع الأهل أو التقليل من مكانتهم، وإنما تعني تنظيم هذه العلاقة على أساس الاحترام المتبادل، بحيث يبقى للأهل دورهم المحترم، ويحتفظ الزوجان في الوقت نفسه بحق إدارة حياتهما واتخاذ قراراتهما المشتركة.
ويقتضي ذلك أن يحرص الزوجان على حل خلافاتهما بالحوار المباشر، وأن يتجنبا عرض تفاصيل مشكلاتهما على الآخرين في لحظات الغضب والانفعال. كما ينبغي لكل منهما أن يضع حدوداً واضحة ومحترمة للتدخلات الخارجية، دون إساءة إلى أهله أو إلى أهل شريك حياته.
أما الأهل، فإن دورهم الحقيقي في هذه المرحلة يتمثل في الاستماع بتوازن، وتهدئة النفوس، وتشجيع الحوار، ومساعدة الزوجين على رؤية المشكلة من زوايا مختلفة. فليس من الحكمة أن يتحول النصح إلى تحريض، أو أن تتحول الحماية إلى سيطرة، أو أن يصبح الانحياز العائلي سبباً في خسارة علاقة زوجية كان من الممكن إصلاحها.
وآخيراً فإن الزواج ليس علاقة بين شخصين فحسب، بل هو بناء أسري جديد يحتاج إلى الاستقلال في إدارة شؤونه، وإلى الدعم العائلي الذي يعزز استقراره ولا ينتقص من خصوصيته. ومن هنا، فإن الأهل الذين يحبون أبناءهم حقاً هم الذين يساعدونهم على بناء حياة زوجية ناضجة، لا الذين يجعلونهم أسرى للخلافات والضغوط والمواقف المتصلبة.
فليس كل تدخل دليلاً على المحبة، وليس كل دفاع عن الابن أو الابنة موقفًا حكيمًا، كما أن الوقوف إلى جانب أحد الأبناء لا يعني بالضرورة الوقوف ضد شريك حياته. وقد يكون أعظم ما يقدمه الأهل لأبنائهم عند وقوع الخلاف هو أن يمنحوهم مساحة للحوار، وأن يذكروهم بأن الحياة الزوجية تستحق فرصة عادلة للإصلاح متى كان ذلك ممكناً وآمناً.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!