Skip to content

حين يقول الأردن للعالم: المسيحية ليست ذكرى في هذه الأرض… بل جذور وحضور ومستقبل

تاريخ النشر: سبتمبر 28, 2026 9:59 ص
bassima444

بقلم: الدكتورة باسمة السمعان

عندما تحدث جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن حماية المسيحية ومجتمعاتها وتراثها في أرضها الأصلية والتاريخية، لم تكن كلماته مجرد إشارة عابرة إلى مكوّن ديني في الشرق الأوسط، بل حملت رسالة أعمق تتصل بتاريخ هذه الأرض وهويتها ومستقبلها.

فالحديث عن حماية المسيحية في موطنها الأصلي هو في جوهره حديث عن حماية جزء من ذاكرة الإنسانية. فهذه المنطقة ليست مجرد مكان انتشرت فيه المسيحية، بل هي الأرض التي شهدت أحداثها الأولى، ومنها انطلقت البشارة إلى العالم. ولهذا فإن المسيحية المشرقية ليست ظاهرة وافدة، ولا وجودًا طارئًا يحتاج إلى تبرير، بل هي جزء أصيل من تاريخ هذه الأرض و نسيج مجتمعاتها.

ومن هنا تكتسب الرسالة الملكية أهميتها؛ لأن تراجع أعداد المسيحيين في بعض مناطق المشرق خلال العقود الماضية، بفعل الحروب والصراعات والتطرف والهجرة، لا يعني خسارة جماعة دينية فحسب، بل يعني أيضًا خسارة جزء من التنوع التاريخي والثقافي والاجتماعي الذي ميز هذه المنطقة عبر قرون طويلة.

الأردن… من حماية المقدسات إلى حماية الرسالة

في هذا المشهد، يبرز الأردن بدور خاص. الأردن لا يحمل فقط مواقع مرتبطة بالتاريخ الكتابي والمسيحي، بل يحمل أيضًا تجربة وطنية في العيش المشترك والشراكة بين المسلمين والمسيحيين.

كما أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تمثل مسؤولية تاريخية يتولاها الأردن في حماية هوية المدينة المقدسة وصون وضعها التاريخي والقانوني، وهي مسؤولية تتجاوز مفهوم الحماية المادية للمكان إلى الحفاظ على معناه الديني والروحي والإنساني.

والأردن، بما يحتضنه من مواقع ذات أهمية مسيحية عالمية، وفي مقدمتها موقع عمّاد السيد المسيح في المغطس، يملك فرصة حقيقية ليقدم للعالم صورة مختلفة عن هذه المنطقة: صورة أرضٍ لا تختصر في الصراع، بل تحمل أيضًا قصة إيمان وتاريخ وحوار وعيش مشترك.

2030… فرصة لا ينبغي أن تضيع

ومن هنا تأتي أهمية التحضير اليوبيل عام 2030، المرتبط بذكرى ألفي عام على عماد السيد المسيح، باعتباره أكثر من مناسبة احتفالية.

إنه فرصة للأردن لكي يترجم الرسالة الملكية إلى مشروع وطني متكامل، يعيد تقديم الأردن إلى العالم بوصفه جزءًا أساسيًا من جغرافيا المسيحية الأولى، ويعزز موقعه على خريطة الحج المسيحي العالمي.

وهذا يتطلب ألا ينحصر التحضير في تنظيم الاحتفالات، بل أن يشمل تطوير المواقع، وتحسين البنية التحتية والخدمات، وتوثيق التاريخ المسيحي الأردني، وإعداد برامج للحج والثقافة، وتمكين المجتمعات المحلية، وإشراك الشباب في هذا الاستحقاق.

فالنجاح الحقيقي لليوبيل لن يقاس بعدد الاحتفالات التي تقام، وإنما بقدرتنا على أن نترك بعد عام 2030 إرثًا مستدامًا: مواقع أفضل، ووعيًا أكبر، وحضورًا أقوى، وقصة أردنية تصل إلى العالم.

الكنائس… ليست ضيفًا في مشروع اليوبيل

وهنا يأتي الدور الأساسي الكنائس الأردنية.

الكنيسة ليست فقط المكان الذي تُقام فيه الصلاة، وإنما هي حاملة وذاكرة المجتمع وإيمانه وتراثه. ولذلك فإن دورها في التحضير لليوبيل يجب أن يكون فاعلًا ومؤثرًا، من خلال توثيق الذاكرة المسيحية المحلية، وتعريف الأجيال بتاريخ مواقعها المقدسة، وتشجيع الحج الداخلي والخارجي، وإعداد برامج روحية وثقافية، وفتح المجال أمام الشباب ليكونوا جزءًا من صناعة هذه المرحلة.

كما أن التنسيق بين الكنائس المختلفة يمكن أن يعطي التحضير لليوبيل بعدًا وطنيًا جامعًا، يعكس غنى الكنائس وتنوعها، ويقدم للعالم صورة عن المسيحية الأردنية باعتبارها جزءًا من المجتمع الأردني وشريكًا في بناء مستقبله.

والأهم أن يشعر المسيحي الأردني نفسه أن الحديث عن 2030 لا يتعلق فقط بالزائر القادم من الخارج، بل يتعلق أيضًا به، وبكنيسة، بلدته، وعائلته، وذاكرته، ومستقبل أبنائه.

والإعلام… من نقل الخبر إلى صناعة الصورة

أما الإعلام، فعليه مسؤولية لا تقل أهمية.

فنحن لا نحتاج فقط إلى إعلام يغطي فعاليات اليوبيل، بل إلى إعلام يبدأ من الآن في رواية قصة الأردن المسيحية للعالم.

نحتاج إلى أفلام وثائقية، وبرامج وحوارات، وتقارير ميدانية، ومواد رقمية بلغات متعددة، تعرّف بتاريخ المواقع المسيحية، و المجتمعات التي عاشت فيها، والشخصيات التي أسهمت في بناء الأردن، وبقصص العيش المشترك التي تشكل جزءًا من تجربته الوطنية.

الإعلام يستطيع أن ينقل صورة المغطس من مجرد موقع ديني إلى قصة إنسانية وروحية، وأن يجعل من كل موقع مسيحي في الأردن بابًا للتعرف إلى تاريخ هذه الأرض.

كما يستطيع أن يخاطب الشباب بلغتهم وأدواتهم، لأن الحفاظ على الذاكرة لا يتحقق فقط بالكتب والوثائق، وإنما أيضًا من خلال المنصات الرقمية التي تشكل وعي الأجيال الجديدة.

وهنا يمكن للإعلام الكنسي والوطني، إذا عمل بتنسيق حقيقي، أن يكون شريكًا في بناء الصورة التي يريد الأردن أن يقدمها للعالم قبل 2030 وبعدها.

حماية الإنسان قبل الحجر

لكن في النهاية، يبقى السؤال الأهم: ماذا يعني أن نحمي المسيحية في موطنها الأصلي؟

لا يعني ذلك فقط أن نحافظ على الكنائس والأديرة والمواقع الأثرية. الحجر يحتاج إلى الإنسان الذي يعطيه الحياة والمعنى.

لذلك فإن دعم الوجود المسيحي يجب أن يرتبط أيضًا بتمكين العائلات والشباب، وخلق فرص العمل، وتعزيز التعليم، ودعم المبادرات المحلية، وتشجيع المسيحيين على البقاء والمشاركة في بناء مجتمعاتهم.

فلا قيمة كبيرة لموقع مقدس محفوظ إذا أصبحت المجتمعات التي حفظته عبر الأجيال عاجزة عن الاستمرار في أرضها.

من رسالة الملك إلى مسؤوليتنا

لقد أعاد جلالة الملك، من أعلى منبر دولي، وضع قضية المسيحية في موطنها التاريخي ضمن إطارها الأوسع: ليست قضية طائفة، وإنما قضية تاريخ وهوية وتنوع وحرية دينية وكرامة إنسانية.

والأردن أمام فرصة حقيقية ليحوّل هذه الرسالة إلى عمل، خصوصًا مع الاستعداد اليوبيل 2030.

وهنا تقع المسؤولية على الجميع: الدولة ومؤسساتها، والكنائس، والمؤسسات السياحية والثقافية، والإعلام، والمدارس والجامعات، والشباب، والمجتمع المحلي.

فليكن يوبيل 2030 أكثر من احتفال بحدث وقع قبل ألفي عام؛ ليكن مناسبة نسأل فيها أنفسنا ماذا سنترك نحن بعد ألفي عام من اليوم.

هل سنترك فقط مواقع محفوظة؟

أم سنترك أيضًا مجتمعًا حيًا، وكنائس فاعلة، وشبابًا يعرفون تاريخهم، وإعلامًا يروي قصتهم، وأرضًا ما زالت تحتضن أبناءها، ورسالة سلام وعيش مشترك تصل من الأردن إلى العالم؟

هذه هي الفرصة التي أمام الأردن: أن يقول للعالم إن المسيحية في موطنها الأصلي ليست ذكرى نحتفي بها، ولا حجرًا نزوره، بل جذور ما زالت حية، وحضور ينبغي أن نحميه، ورسالة يمكن أن نحملها إلى المستقبل.

ومن هنا، فإن التحضير لليوبيل 2030 ليس فقط تحضيرًا لاستقبال العالم في الأردن، بل تحضير الأردن ليقول للعالم، بثقة ووضوح: هنا بدأت قصة، وهنا ما زالت حية.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment