
السابق أوقِـفـوا العـالَـمَ في دربِ الدمـــارِ

في محاضرة جمعت بين البحث العلمي والخبرة في الخدمة العامة والشغف العميق بسرد القصص المعمارية، خاطب البروفيسور كامل محادين أعضاء نادي الروتاري وضيوفهم حول الرؤية الكامنة وراء مشروع “بيت عنيا ما وراء الأردن”، وهو مشروع تطويري يتمحور حول قرية المغطس قرب نهر الأردن.
نُظمت المحاضرة، التي أُقيمت يوم الأربعاء الموافق 23 سبتمبر في فندق فور سيزونز، من قِبل ناديي روتاري عمّان كوزموبوليتان وعمّان فيلادلفيا، حيث تم تقديم المشروع ليس فقط كبنية تحتية، بل كإرث روحي وثقافي طويل الأمد للأردن والمنطقة.
كان محور محاضرة د. محادين مسار تطوير موقع المغطس. حيث أوضح أنه على الرغم من أن المنطقة تُعتبر منذ زمن طويل أحد أهم المواقع الروحية للمسيحية، إلا أن الموقع الحالي – رغم احتوائه على كنائس عديدة – يفتقر إلى خطة رئيسية master plan متكاملة ومنهجية تصميمية تراعي احتياجات الزوار.
قال: “عندما تنتقل، لا تعرف كيف تنتقل”، واصفًا غياب الممرات ونوافير الشرب والخدمات التكميلية اللازمة لدعم الحج والسياحة. كما أشار إلى وجود كنائس متعددة، لكن التجربة العامة لا تزال غير مكتملة.
بحسب ما ذكره محادين، فإن الدافع وراء وضع خطة أكثر تنظيماً جاء عندما طلب جلالة الملك عبد الله الثاني تحسين وتطوير المنطقة المجاورة لمنطقة المغطس. وقد مُنح المشروع أرضاً تبلغ مساحتها حوالي 1400 دونم لإنشاء قرية مسيحية.
وصف محادين كيف بدأ المشروع ببحث معمق في الأبعاد الروحية والتاريخية للموقع حيث قال إنه درس النصوص والتقاليد المسيحية بتوسع، بهدف تحديد “العمارة الأصيلة” المرتبطة بعصر السيد المسيح. وقدّم مفهوم التصميم كرحلة عبر الزمن، موضحًا أنه أراد أن يختبر الزوار الضوء والحركة والمعنى أثناء تجولهم في أرجاء المكان، بدءًا من الجغرافيا الروحية حول تقاليد الميلاد والمعمودية.
وأكدت المحاضر أن التصميم متجذر في الرمزية، ولكنه يُعبّر عنه من خلال التخطيط الحديث وتصميم المناظر الطبيعية وتوفير وسائل الراحة للزوار بعناية.
ركزت خطة محادين أيضًا على حماية الطبيعة. فقد ذكر أن المشروع يهدف إلى تخصيص حوالي 90% من مساحته للمساحات الخضراء، مؤكدًا ضرورة الحفاظ على الأشجار القائمة، وأن النظام البيئي المستدام – وليس البيئة العمرانية – هو ما يجب أن يُميز القرية. كما وصف استخدام أساليب التصميم المحلية، داعيًا إلى عمارة متجذرة في الحجر المحلي والأشكال الإقليمية بدلًا من التقليد المستورد.
يرى محادين أن هندسة المناظر الطبيعية في المنطقة لا تزال غير مُقدَّرة حق قدرها، وانتقد السلطات لتقصيرها في دمج المساحات الخضراء والمساحات الخارجية المصممة بعناية في التخطيط الحضري والإقليمي الأوسع.
ولدعم الحج والفعاليات الجماهيرية، أوضح محادين أن التصميم يتضمن مسرحًا مُصممًا لاستيعاب تجمعات كبيرة جدًا، مشيرًا إلى احتياجات السعة المرتبطة بالفعاليات الموسمية. كما سلط الضوء على استراتيجية تدفق الزوار: منع دخول السيارات الخاصة إلى المناطق الحساسة. وبدلًا من ذلك، سيتمكن الزوار من ركن سياراتهم والتنقل داخل الموقع عبر مناطق إنزال مُنظمة، مع تصميم لوجستي يهدف إلى الحفاظ على الهدوء وحماية البيئة.
كما أكد البروفيسور محادين على الوظائف المتعددة. وتحدث عن دمج الخدمات والمساحات التي تتيح للزوار تجربة الموقع لفترة أطول من مجرد زيارة قصيرة. ووصف الحدائق الزراعية التي تُزوّد المطاعم الموجودة في الموقع بالغذاء، ومناطق البازار للتجارة الصغيرة، وخيارات الإقامة التي تشمل أماكن إقامة تُشبه الأديرة وفئات فندقية متعددة. وأضاف أن القرية يجب أن تُجسّد الذاكرة الثقافية من خلال “رموز” تروي التاريخ المسيحي في الأردن، رابطةً بين المواقع والقصص والعناصر الرمزية لتوجيه الزوار عبر سرد متماسك.
من أبرز جوانب محاضرة محادين قناعته بأن الموقع يجب أن يكون ملكًا للبشرية جمعاء، لا للمسيحيين فقط. وقال إن عليه كمصمم بناء “مكان للبشرية”، مُؤطِّرًا المسيحية كرسالة عالمية مرتبطة بالاهتمام بالناس والبيئة. وانطلاقًا من هذا المبدأ، ناقش تعاونه مع خبراء تصميم الكنائس الدوليين، واستشهد برسومات طُوِّرت من خلال عمليات عملية شبيهة بـ جلسات معمقة خلال المرحلة الاستشارية.

اشتهر محادين بعمله في مجال هندسة المناظر الطبيعية وتخطيط التراث، وقد استعرض مسيرته الأكاديمية – بدءًا من دراسات الدكتوراه في جامعة تكساس إيه آند إم، مرورًا بمسيرة مهنية طويلة كمخطط – قبل عودته إلى الساحة الأكاديمية والعامة في الأردن. واستذكر أدواره السابقة المرتبطة بالتخطيط والتنمية، بما في ذلك فترة عمله في الجامعة الأردنية، ومسؤولياته العامة خلال فترة الربيع العربي في العقبة، حيث قال إنه غالبًا ما كان يواجه تدخلات سياسية، ولكنه ظل ملتزمًا بتصميم مساحات تخدم الناس.
على الصعيد الشخصي، وصف محادين هويته العائلية واهتمامه الطويل الأمد بدور المسيحية في الشرق الأوسط. وأكد أن المسيحيين، في جميع أنحاء المنطقة، ساهموا تاريخياً في بناء ثقافة مشتركة وبنية اجتماعية متينة، وأن التخطيط المعاصر يجب أن يعكس هذه الحقيقة بدلاً من التعامل مع التراث المسيحي على أنه هامشي أو رمزي بحت.
أجمل محادين خطابه بتناول قضايا اجتماعية أوسع، منها احترام الأديان وكيفية معالجة التاريخ الديني في التعليم. وأكد على ضرورة أن يتجنب المجتمع الأردني الصمت المبني على الخوف حول المواضيع الدينية، وأن يعرض التراث المشترك بانفتاح ومسؤولية. وانتقد ميل بعض الخطابات العامة إلى التركيز الضيق، قائلاً إن السياحة والتخطيط الروحي يتطلبان سردًا أكثر توازنًا. وفي الوقت نفسه، أكد أن النصوص الإسلامية تُقرّ أيضًا بمريم العذراء ويوحنا المعمدان، داعيًا إلى فهم ثقافي قائم على الاحترام بدلًا من الدفاع عن الذات.
في كلمته الختامية، عاد إلى الاهتمامات العملية والمدنية. وأعرب محادين عن أسفه لقلة الحدائق العامة المصممة بشكل جيد في عمّان، مؤكداً على أهمية تخطيط المناظر الطبيعية الرفاهية والحياة الاجتماعية. وحثّ على مزيد من الاحترام للمهندسين المعماريين وخبراء تنسيق الحدائق، مشيراً إلى أن اتخاذ قرارات التخطيط دون فهم فني يجعل المشاريع أقل فعالية وأقل قيمة ثقافية.
بعد المحاضرة، وبينما كان الضيوف يطرحون أسئلة حول أصالة المياه المستخدمة في طقوس العماد، والكنائس التاريخية، وكيفية معالجة قضايا تنقية البيئة.
بدت رؤية محادين واضحة: بيت عنيا ما وراء الأردن ليست مجرد خطة بناء، بل نموذج لكيفية دمج الإيمان والمناظر الطبيعية والتراث والتجربة العامة. وكانت الرسالة واضحة بنفس القدر لأعضاء الروتاري والحضور على حد سواء: يمكن أن يكون التصميم شكلاً من أشكال التعبد، ويمكن للأماكن المقدسة أن تصبح جسورًا ثقافية حية عند التخطيط لها بعناية وبحث واحترام.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!