Skip to content

القس نبيه عباسي على نورسات الأردن: “الوصاية الهاشمية صمام الأمان للحضور المسيحي في القدس”

تاريخ النشر: أغسطس 14, 2026 4:11 م

يزن ملكونيان


أكد القس الدكتور نبيه عباسي، رئيس طائفة الكنيسة المعمدانية الأردنية وسفير الاتحاد المعمداني العالمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس تتجاوز بعدها التاريخي وحماية المواقع الدينية، لتشكّل عاملًا أساسيًا في حماية حرية العبادة والحفاظ على الحضور المسيحي في الأراضي المقدسة وشرقنا العربي، مشددًا على أن الدور الهاشمي في المنطقة يمثل امتدادًا لنهج تاريخي يقوم على الوسطية والاعتدال واحترام المكونات الدينية وصون كرامة الإنسان.
وجاء حديث عباسي خلال مقابلة على قناة نورسات تناولت مئة عام من الحضور الإنجيلي في الأردن، ودور الكنائس الإنجيلية والمعمدانية في خدمة المجتمع، إلى جانب واقع المسيحيين في المنطقة والقضية الفلسطينية ورؤية الأردن نحو عام 2030.

وعندما انتقل الحديث إلى فلسطين وغزة، لم يتوقف عباسي عند مشهد الحرب وتداعياتها الإنسانية فحسب، لكنه أعاد النقاش إلى القدس، حيث رأى أن للأردن خصوصية تتجسد في الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية. وقال: في شيء يميز الأردن، وهو الوصاية الهاشمية للمقدسات المسيحية والإسلامية، وهذا الامر محط تقدير واهتمام عالي لنا كإنجيليين.
ومن هذه النقطة أخذ حديثه منحى أبعد من حدود التاريخ والبروتوكول. فالوصاية، كما يراها عباسي، ليست إرثًا يُستحضر في المناسبات، وإنما مسؤولية تمس حياة الناس ومستقبل وجودهم في المدينة المقدسة. ولهذا شدد قائلًا: هو مش مجرد شيء تاريخي، هو شيء يتعلق بحرية الوجود الديني، محذرًا من أن غياب هذا الدور كان يمكن أن يفتح الباب أمام مزيد من الهجرة المسيحية من المنطقة للغرب.
ثم لخّص الفكرة بعبارة مباشرة حملت جوهر بأن الموضوع ليس فقط حجارة، إنما هو موضوع الحرية والعبادة والوجود المسيحي الإسلامي. فالحديث عن المقدسات، في نظره، لا يقتصر على أماكن العبادة وما تحمله من قيمة دينية وتاريخية، لكنه يمتد إلى الإنسان الذي يصلي فيها، وإلى الجماعات التي حافظت على حضورها حولها عبر الأجيال. وهكذا تصبح حماية المكان مرتبطة بحماية حق الإنسان في العبادة والبقاء والحضور.
وفي حديثه عن هذا الدور، وضع عباسي الوصاية ضمن نهج هاشمي أوسع يقوم على الوسطية والاحترام والتقدير لكل الفئات، معتبرًا أن قيمة هذا النهج تظهر في قدرته على حماية التنوع الديني وصون مكانة المسلمين والمسيحيين معًا. ومن هنا جاء تقييمه واضحًا حين قال عن مسؤولية حماية هذا الحضور “وأفضل من قام بهذا الدور أنا متأكد هم الهاشميين”

ويأتي هذا الموقف، بحسب ما عرضه عباسي في المقابلة، في سياق علاقة تاريخية ممتدة بين الهاشميين والحضور المسيحي والإنجيلي في الأردن. ففي استعراضه لبدايات العمل المعمداني المنظم في المملكة، أشار إلى أن العلاقة مع الهاشميين تعود إلى عهد الملك المؤسس عبد الله الأول، موضحًا أنه يحتفظ بصور توثق زيارة الملك المؤسس للمستشفى المعمداني في خمسينيات القرن الماضي.

عباسي: «منذ البدايات رافقنا في بناء المملكة الأردنية الهاشمية، وسرنا قدمًا بقدم ويدًا بيد وكتفًا بكتف مع الهاشميين في بناء الأردن

كما استذكر عباسي اهتمام جلالة الملك الراحل الحسين بن طلال بالمستشفى المعمداني في عجلون، الذي أدى دورًا طبيًا وتعليميًا بارزًا في شمال المملكة، واحتضن أول كلية تمريض في الأردن، قبل أن يصبح لاحقًا مستشفى الإيمان.
وفي وصفه لهذه المسيرة، قال عباسي: «منذ البدايات رافقنا في بناء المملكة الأردنية الهاشمية، وسرنا قدمًا بقدم ويدًا بيد وكتفًا بكتف مع الهاشميين في بناء الأردن. وأضاف أن هذا التاريخ يمثل بالنسبة إلى الكنيسة مصدر فخر وامتنان للأردن وقيادته.
وتناول عباسي خلال المقابلة أيضًا واحدة من القصص التي تعكس طبيعة العلاقة بين الهاشميين والمؤسسات المسيحية، مشيرًا إلى أن السور المحيط بالمدرسة المعمدانية في عمّان كان هدية من الملك الراحل الحسين بن طلال، بعد أن علم بحاجتها إلى سور يحافظ على سلامة الطلبة. وبقي هذا السور، بحسب عباسي، شاهدًا في ذاكرة المدرسة على اهتمام الملك بالمؤسسة وطلابها.
وامتد حديث عباسي إلى عهد جلالة الملك عبد الله الثاني، حيث ربط استقرار الأردن وقدرته على المحافظة على وحدته، رغم الأزمات والحروب المحيطة به، بحكمة القيادة الهاشمية.
وفي حديثه عن العلاقة بين المسيحيين والمسلمين في الأردن، توقف عند النقاش حول مفهوم «العيش المشترك»، معتبرًا أن النموذج الأردني يتجاوز فكرة تعايش مجموعتين منفصلتين. وقال: «إحنا في الأردن كمسيحي ومسلم المفروض نكون عائلة واحدة، ورئيس العيلة وقائدها هو جلالة الملك عبد الله».
وأضاف أن الأردن، رغم ما تشهده المنطقة من أوضاع مقلقة، بقي صامدًا، معتبرًا ذلك انعكاسًا للقيادة الحكيمة والدور الكبير الذي يقوم به الهاشميون في قيادة البلاد والحفاظ على وحدتها واستقرارها.
كما ربط عباسي حكمة القيادة الهاشمية بالموقف الأردني من القضية الفلسطينية، ولا سيما في ظل الحرب في غزة. وأكد خلال المقابلة أن الاتحاد المعمداني العالمي أعلن رفضه للعنف ودعا إلى وقف إطلاق النار، كما أشار إلى تأييد الاتحاد لحل الدولتين وقيام دولة فلسطينية مستقلة.
وتحدث عن المساعدات التي قدمتها الكنائس المعمدانية لغزة من خلال الهيئة الخيرية الأردنية الهاشمية، مشيدًا بالدور الذي تقوم به المملكة في إيصال المساعدات الإنسانية.
وفي سياق حديثه عن تعامل جلالة الملك عبد الله الثاني مع الضغوط السياسية المتعلقة بغزة، وصف عباسي موقف الملك بأنه يعكس “حكمة واضحة من جلالة الملك في قيادة المشهد السياسي في المنطقة”.


ولا ينفصل الحديث عن حماية الوجود المسيحي في القدس، في رؤية عباسي، عن التحدي الأوسع الذي يواجه المسيحيين في الشرق الأوسط. فقد أشار خلال المقابلة إلى أن الحروب التي شهدتها سوريا والعراق ولبنان والأراضي المقدسة أدت إلى هجرة أعداد كبيرة من المسيحيين، لافتًا بصورة خاصة إلى تراجع أعداد المسيحيين في مناطق تاريخية مثل بيت لحم.
وأوضح أن جزءًا من مسؤوليته كسفير معمداني للشرق الأوسط وشمال إفريقيا يتمثل في تشجيع القيادة والحضور المسيحي والعمل، بقدر الإمكان، على توفير الظروف التي تساعد المسيحيين على البقاء في أوطانهم، بما في ذلك الأمان وفرص العمل وتعزيز دور الكنائس المحلية.
ومن هنا يكتسب تأكيده على الوصاية الهاشمية أهمية إضافية؛ إذ يضعها في قلب قضية أكبر تتعلق بمستقبل المسيحيين في المنطقة، لا بمجرد إدارة المواقع المقدسة. فالوصاية، وفق ما طرحه عباسي، تسهم في حماية مساحة يستطيع فيها المسيحي والمسلم المحافظة على عبادته وحضوره وهويته الدينية.
وبرز النموذج الأردني مرة أخرى في حديثه عن استعدادات المملكة للاحتفال عام 2030 بمرور ألفي عام على معمودية السيد المسيح في نهر الأردن. فقد أشار عباسي إلى أن استعداد مؤسسات الدولة الأردنية لهذا الحدث المسيحي العالمي يمثل في ذاته رسالة عن طبيعة الأردن.
وقال إن وجود دولة ذات أغلبية مسلمة تعمل، من خلال رئاسة الوزراء واللجان الوطنية والمؤسسات المختلفة، من أجل الاحتفال بحدث مرتبط بمعمودية المسيح يقدم صورة للعالم على النسيج الأردني كيف هو واحد. واعتبر أن الأردن من خلال ذلك يقدم نموذجًا يُحتذى به عالميًا
وأشار كذلك إلى اهتمام جلالة الملك بمختلف مكونات المجتمع الأردني، وليس بالمسيحيين وحدهم، مستشهدًا بالشيشان والشركس والأرمن، ومؤكدًا أن النهج الملكي يقوم على ألا يشعر أي مكون بأنه أقل أهمية بسبب قلة عدده، لأن لكل مكون دوره وتأثيره في الوطن.
وبهذا المعنى، فإن الوصاية الهاشمية على المقدسات المسيحية والإسلامية في القدس لا تظهر، في حديث عباسي، كموقف منفصل عن التجربة الأردنية الداخلية، وإنما كامتداد للنهج ذاته: احترام التعددية، وحماية حرية العبادة، والمحافظة على حضور المكونات الدينية، والنظر إلى الإنسان باعتباره جزءًا أصيلًا من هوية المكان.
وفي ختام المقابلة، أعاد عباسي التأكيد على هذه الرسالة عندما عبّر عن أمله في أن يبقى الأردن واحة للأمن والسلام، قائلًا: تستمر رسالتنا التاريخية الأردن في حماية المقدسات وتعزيز الحوار وخدمة الإنسان».
وهي رسالة تلخص الرؤية التي قدمها طوال الحوار: أن حماية المقدسات لا تقف عند حدود الأبنية والحجارة، وإنما تمتد إلى حماية الإنسان وحقه في العبادة والبقاء، وأن الوصاية الهاشمية تمثل، في ظل التحديات التي يواجهها الحضور المسيحي في القدس والمنطقة، صمام أمان لهذا الحضور، وضمانة لاستمرار الهوية الدينية والتاريخية للمدينة المقدسة.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment