Skip to content

الجلاء المسيحي من الأرض المقدسة… مَن نلوم؟

تاريخ النشر: أغسطس 2, 2026 5:18 م
760648426_1049777651343842_3938091783964446944_n

الأب فراس عبدربه

«كَيْفَ جَلَسَتْ وَحِيدَةً الْمَدِينَةُ الْكَثِيرَةُ الشَّعْبِ! صَارَتْ كَأَرْمَلَةً، الْعَظِيمَةُ فِي الأُمَمِ…».

لم يكن سهلًا عليّ أن أكتب هذا المقال. لكنني، وأنا أقف في الصلاة أمام الله، شعرت أن هناك كلامًا يجب أن يُقال، وقبل ذلك أن نكون نحن أول من يسمعه. إن هذا السؤال قد يزعج كثيرين، لكنه سؤال لا يجوز لنا أن نهرب منه.

حين نتحدث عن تناقص الوجود المسيحي في الأرض المقدسة، وعن الهجرة بل الجلاء المسيحي الذي يتسارع عامًا بعد عام، فإننا نعرف جيدًا الأسباب الخارجية التي تدفع أبنائنا واخوتنا واخواتنا إلى الرحيل. الاحتلال، والمضايقات التاريخية والحالية، والظروف السياسية والأمنية، والأزمات الاقتصادية، وانعدام الاستقرار، كلها عوامل حقيقية لا يمكن إنكارها أو التقليل من خطورتها.

بل إن كثيرين يغادرون اليوم لأنهم لم يعودوا يرون لهم و لأولادهم مستقبلًا آمنًا في هذه الأرض، حيث يغدو العنف يوما بعد يوما أقوى من القانون. ومسألة الأمان ليست تفصيلًا ثانويًا، بل هي من أبسط حقوق الإنسان والعائلة، ونحن واعون تمامًا إلى مدى تأثير الخوف وانعدام الاستقرار في قرارات الهجرة.لكن، هل تكفي هذه الأسباب وحدها لتفسير ما وصلنا إليه؟

نحن واعون تمامًا إلى مدى تأثير الخوف وانعدام الاستقرار في قرارات الهجرة.لكن، هل تكفي هذه الأسباب وحدها لتفسير ما وصلنا إليه؟” الأب فراس عبد ربه

*الأسباب التي لا نتحدث عنها*

لكل نتيجة، في العادة، أسباب متعددة: منها الرئيسي ومنها الثانوي، ومنها الخارجي ومنها الداخلي. والأسباب الخارجية لهجرة المسيحيين معروفة وحقيقية، ولا أريد أن أقلل منها أو أن أحمّل الضحية مسؤولية الظلم الواقع عليها. لكن أليس من الواجب أيضًا أن نتقدم خطوة أخرى، وأن نطرح على أنفسنا سؤالًا أصعب: ماذا عن مسؤوليتنا نحن؟ وماذا عن أمانتنا لدعوتنا المسيحية خلال العقود الماضية؟

في الكتاب المقدس، كلما مرّ شعب الله بأزمة، لم يكتفِ الأنبياء بإدانة الأمم أو بتحميل الآخرين المسؤولية، بل كانوا يوجهون نظر الشعب إلى الداخل، ويدعونه إلى فحص ضميره والعودة إلى الله. كان السؤال النبوي الدائم: ماذا عن أمانتنا نحن للرب والعهد الذي قطعناه معه؟

وهنا أطرح هذه الأسئلة لا بصفتي قاضيًا يدين الآخرين، بل بصفتي واحدًا من أبناء هذه الكنيسة، واحد من وكل إليهم الله مهمة رعائية، يحتاج قبل غيره إلى فحص الضمير والتوبة.

*فحص ضمير جماعي*

هل نستطيع نحن، كمسيحيين في الأرض المقدسة، أن نقول إننا بقينا دائمًا أمناء لدعوتنا؟ هل نستطيع أن نزعم أن حياتنا، كأفراد وعائلات ورعايا ومؤسسات وقيادات كنسية، كانت في كل شيء انعكاسًا صادقًا للإنجيل؟ بدءًا من أعلى الرتب الكنسية، وصولًا إلى كل طفل مسيحي معمد، ومرورًا بجميع الأجيال والفئات، هل يمكن أن نقول إننا لم نخطئ في شيء، وإن حياتنا المسيحية كانت كلها فضيلة وأمانة؟

أم أن علينا الاعتراف بأننا سقطنا، نحن أيضًا، في حب المال، والبحث عن المصالح الشخصية، وبناء الذات على حساب الجماعة، والخصومات، والصراعات العائلية والطائفية، ونهش بعضنا بعضًا، وضعف التضامن والانتماء؟ ألم تضعف في كثير من البيوت التربية المسيحية؟ ألم يتراجع التعليم المسيحي، لا من ناحية ما تقدمه الكنيسة وحدها، بل أيضًا من ناحية رغبة المؤمن الشخصية في التعلم والتعمق في إيمانه وبذل الجهد من أجله؟ ألم يتحول الإيمان عند بعضنا إلى هوية اجتماعية موروثة، من دون معرفة حقيقية بالمسيح أو التزام حي بإنجيل؟

هل بقيت الصلاة والأسرار وحياة الكنيسة في مركز بيوتنا؟ هل سعينا بجد إلى تكوين أبنائنا في الإيمان، أم تركنا مسؤولية التربية المسيحية كلها للرعية أو للمدرسة، واكتفينا ببعض المناسبات والعادات؟ وهل بذل كل واحد منا جهدًا حقيقيًا لكي يفهم إيمانه ويعيشه ويدافع عنه ونقله إلى الجيل المقبل؟

إن المسيحية لا تستمر بمجرد الوراثة، ولا يكفي أن يولد الإنسان في عائلة مسيحية لكي يبقى الإيمان حيًا فيه. فالإيمان يحتاج إلى أن يُختار من جديد، وأن يُغذّى بالصلاة والتعليم والأسرار والعمل والمحبة. وحين يضعف التعليم المسيحي، وتغيب المعرفة، ويصبح الانتماء إلى الكنيسة سطحيًا، يسهل أن تصبح الهجرة الجغرافية أيضًا قطيعة روحية وثقافية مع كل ما تركه الإنسان خلفه.

*هل يمكن أن يكون الابتعاد عن الله جزءًا من المشكلة؟*

أنا لا أقول إن ما نعيشه اليوم هو عقاب من الله، ولا أستطيع أن أستبعد هذا الاحتمال أو أجزم به، لأن الله وحده يعرف مقاصده، وأنا لا أجرؤ أن أنسب إليه أحكامًا لم يعلنها، وهو وحده الديان العادل والرحيم. كما أن الإنجيل نفسه يمنعنا من أن نربط كل مأساة مباشرة بخطيئة معينة أو أن نحكم على المتألمين بأنهم أكثر خطيئة من سواهم.

لكنني أتساءل: هل يمكن أن تكون بعض آلامنا أيضًا ثمرة طبيعية ابتعادنا، عبر عقود طويلة، عن الله وعن روح الإنجيل؟ أليس الابتعاد عن مصدر الحياة يحمل في ذاته الضعف والتشتت والانقسام؟ ألم يقل المسيح لتلاميذه في مثل الكرمة والأغصان: «اُثْبُتُوا فِيَّ وَأَنَا فِيكُمْ… لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئًا». (يوحنا ١٥: ٤-٥)؟

*الثبات في الأرض يبدأ بالثبات في المسيح*

الثبات في الأرض، وفي هذه الأرض على وجه التحديد، لا يمكن فصله عن الثبات في المسيح.

لعلنا نتحدث كثيرًا عن ضرورة ثبات المسيحيين في الأرض، وهذا مطلب ضروري ومشروع، لكن الثبات في الأرض، وفي هذه الأرض على وجه التحديد، لا يمكن فصله عن الثبات في المسيح. فالغصن لا يستطيع أن يحمل ثمرًا إن انفصل عن الكرمة، والجماعة المسيحية لا تستطيع أن تحفظ حضورها ورسالتها إذا ابتعدت عن مصدر حياتها.

قد نستطيع، بوسائل سياسية واقتصادية ومؤسساتية، أن نؤخر التراجع أو أن نقدم المساعدة لبعض العائلات، وهذا كله ضروري وواجب. لكننا لن نستطيع أن نصنع نهضة مسيحية حقيقية إن لم نعد أولًا إلى المسيح، ونثبت فيه، ونستمد منه معنى وجودنا وقوتنا ورجاءنا.

*حتى الظلم الكبير الواقع علينا لا يعفينا من المحاسبة*

وفي العهد القديم، كان شعب الله المختار هو إسرائيل. أما في العهد الجديد، الكنيسة هي شعب الله الجديد، المؤلف من جميع الذين جمعهم المسيح في جسده، يهوداً كانوا أم أُمميين. وكما لم يتردد الأنبياء في دعوة الشعب القديم إلى التوبة والرجوع إلى العهد، كذلك لا يجوز لنا أن نعفي أنفسنا من المحاسبة لمجرد أننا نعاني من الظلم والاضطهاد.

فالظلم الخارجي لا يجعلنا تلقائيًا أبرارًا، والاضطهاد لا يعفينا من مسؤولية الأمانة. إن ما أقوله هنا لا ينتقص، بأي شكل من الأشكال، من مسؤولية من يمارس الظلم أو يبرر الاعتداء على شعبنا. المحاسبة الروحية لا تلغي المطالبة بالعدالة، كما أن المطالبة بالعدالة لا تعفينا من التوبة. وقد يكون الإنسان مظلومًا من جهة، ومحتاجًا إلى التوبة من جهة أخرى. والاعتراف بأخطائنا لا يبرر من يظلمنا، كما أن إدانة الظلم لا تعني أن نرفض فحص ضميرنا.

*خطر الانقسام وفقدان الرسالة*

لم يعرف تاريخ الأرض المقدسة تراجعًا في نسبة المسيحيين كما نعرفه اليوم، حتى أصبح حضورهم يقل عن واحد في المئة في أجزاء واسعة منها. وهذه الحقيقة وحدها تدعونا إلى وقفة صادقة أمام الله. ليس لنبحث فقط عمّن ظلمنا، بل أيضًا عمّا أهملناه نحن، ما زرعناه أو امتنعنا عن زرعة خلال أجيال متعاقبة.

لقد عانت جماعاتنا من النزاعات بين الطوائف، وبين العائلات، وبين الإخوة، ومن التنافس على النفوذ والمكانة والمال. وبدلًا من أن يسند بعضنا بعضًا، كثيرًا ما أضعف بعضنا بعضًا.

لقد عانت جماعاتنا من النزاعات بين الطوائف، وبين العائلات، وبين الإخوة، ومن التنافس على النفوذ والمكانة والمال. وبدلًا من أن يسند بعضنا بعضًا، كثيرًا ما أضعف بعضنا بعضًا. وهنا يعود تحذير القديس بولس بقوة شديدة: «فَإِنْ كُنْتُمْ تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَانْظُرُوا لِئَلَّا تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا». (غلاطية ٥: ١٥)

هذه الآية ليست مجرد تحذير أخلاقي للأفراد، بل يمكن أن تكون وصفًا لمصير كل جماعة تنغلق على نزاعاتها الداخلية. الجماعة الصغيرة لا تستطيع أن تتحمل الانقسام الدائم ونهش أبنائها بعضهم بعضًا. وعندما تصبح المصلحة الفردية أو العائلية أو الطائفية أهم من خير الجماعة كلها، فإننا نساهم، ولو من غير قصد، في إضعاف وجودنا ومستقبلنا.

وحين يهاجر الإنسان، لا يعود دائمًا إلى السؤال عما تركه خلفه، ولا إلى دعم من بقوا. وقد تنشأ أجيال جديدة في المهجر تنقطع تدريجيًا عن أرضها وكنيستها ولغتها وذاكرتها. وهكذا لا تكون الهجرة مجرد انتقال فرد من بلد إلى بلد، بل قد تتحول، عبر الزمن، إلى جلاء جماعي واقتلاع لذاكرة مسيحية عمرها ألفا عام.

*إلى أين من هنا؟*

قد يكون العالم مسؤولًا عن كثير من جراحنا، وقد يكون الاحتلال والمضايقات  والتمييز وانعدام الأمان من أهم أسباب هجرتنا. لكننا لا نستطيع أن نعفي أنفسنا من مسؤولية المحافظة على شعلة الإيمان التي أوكلها المسيح إلينا في هذه الأرض. ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث لشعب مؤمن ليس فقط أن يُضطهد، بل أن يفقد تدريجيًا هويته ورسالة وجوده، وأن يبقى مسيحيًا بالاسم والتاريخ والعادة، بينما يبتعد قلبه عن المسيح. فإذا أردنا حقًا أن يبقى للمسيحية مستقبل في الأرض التي شهدت ميلادها، فلا يكفي أن نطالب بحقوقنا فقط، رغم مشروعية ذلك وضرورته، بل يجب أن نعود أولًا إلى مصدر قوتنا: إلى المسيح نفسه. النهضة المسيحية وتجديد العهد لا يبدآن بالسياسة، ولا بالاقتصاد، ولا حتى بالأرقام، رغم أهمية هذه كلها، بل من القلب، ومن التوبة، ومن القداسة، ومن تربية مسيحية عميقة، ومن معرفة حقيقية بالإيمان، ومن الوحدة فيما بيننا، ومن التضامن الحقيقي الذي يجعل كل واحد يحمل همّ الآخر وهمّ الجماعة كلها.

نحتاج إلى توبة لا تقتصر على بعض الأفراد، بل إلى توبة جماعية وارتداد جماعي تشمل العائلات والرعايا والمؤسسات والقيادات الكنسية، توبة تعيد ترتيب أولوياتنا، وتصلح تربيتنا لأبنائنا، وتداوي انقساماتها، وتجدد استعدادنا للتضحية من أجل بقاء الجماعة ورسالتها. ليست التوبة الجماعية إعلانًا بأن الجميع مذنبون بالدرجة نفسها، فهناك الكثير من المسيحيين والقادة الكنسيين الرائعين، بل اعترافًا بأن الجسد كله يحتاج إلى التجدد. لذلك، ربما آن الأوان أن نتوقف قليلًا عن سؤال: «من ظلمنا؟»، وأن نجرؤ أيضًا على طرح سؤالين لا يقلان أهمية ولا إلحاحًا:

«يا رب، ماذا تريد أن تقول لنا من خلال كل ما نعيشه؟» و«ماذا يجب علينا أن نعمل لكي نعود إليك، ولكي نعود شعبًا حيًا، متحدًا، ثابتًا فيك، وقادرًا على حمل رسالتك في هذه الأرض؟». «لِنَفْحَصْ طُرُقَنَا وَنَمْتَحِنْهَا، وَلْنَرْجِعْ إِلَى الرَّبِّ.» (مراثي ٣: ٤٠). آمين

الاب فراس عبد ربه خادم رعية اليشارة في عين عريك

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment