
السابق Evangelical Leaders pay their respects to the fallen in Hmoud Church

المهندس منير سعد – بيرزيت
في عصر الذكاء الاصطناعي، لم يعد السؤال فقط: كم نعرف؟ بل: من يعلّمنا، وما سلطان هذا التعليم؟ في الآلة تستطيع أن تجمع المعلومات وتشرحها وتعيد صياغتها، لكنها هل تستطيع أن تنقل إلى الإنسان الحق الذي يغيّر حياته؟ وعندما نتأمل تعليم السيد المسيح له المجد، نجد أن الجموع لم تندهش من كثرة المعلومات، بل من السلطان الذي كان في تعليمه: “فَلَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هَذِهِ الأَقْوَالَ، بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، لأَنَّه كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ”. (متى 7:29)
فما هو هذا السلطان الذي جعل تعليم السيد المسيح مختلفًا؟ وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدرته على نقل المعرفة، أن ينقل سلطان الكلمة التي تدعو الإنسان إلى التوبة والإيمان وتغيير الحياة؟ هنا نحتاج إلى التمييز بين المعلومة والتعليم، وبين شرح الكلمة والعيش فيها.
الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يجمع النصوص الدينية، ويقارن الروايات، ويشرح الكلمات، ويعرض الخلفيات التاريخية، ويقترح تفاسير وأسئلة للتأمل. لكنه، مهما بلغت قدرته، لا يصبح بذلك شاهدًا على تعاليم السيد المسيح، ولا صاحب سلطان روحي، ولا بديلًا عن الكتاب المقدس أو عن حياة الإيمان.
كان يسوع يعلّم في مجتمع يعرف الكتب المقدسة والشريعة. وكان معلمو الشريعة والكتبة يحاورونه ويسألونه، وعندما كانوا يسمعونه كانوا يتعجبون من تعليمه ومن فهمه. لم يكن المسيح يقدم معلومات جديدة فحسب، بل كان يضع الإنسان أمام معنى أعمق للكلمة. في العظة على الجبل يقول: “سمعتم أنه قيل… أما أنا فأقول لكم”، فهؤلا يتوقف عند ظاهر الفعل، بل يصل إلى القلب. فالغضب يصبح موضع فحص، والنظرة تصبح موضع مسؤولية، ومحبة القريب تمتد إلى محبة الأعداء. إنه تعليم لا يكتفي بأن يقول للإنسان ماذا يفعل، بل يسأله: من أنت في أعماقك؟ ولهذا كان تعليم المسيح مرتبطًا بشخصه حياته ورسالته. فالكلمة عنده لم تكن منفصلة عن الحياة التي عاشها.
معظم الاختراعات التي غيّرت حياة البشر جاءت لتساعد الإنسان في حاجاته. فالطائرة لتسهيل الانتقال لمسافات بعيدة، والهاتف للتواصل، والحاسوب لإنجاز مهام العمل، والآلات لإنتاج الغذاء والملابس والأدوات التي يحتاج إليها الإنسان.
وحتى عندما ظهرت الآلة الكاتبة، ثم تطورت الطباعة ووسائل النشر، أصبح بالإمكان كتابة الكتب ونسخها ونشر الكتاب المقدس بسرعة وعلى نطاق واسع. لقد جعلت هذه التقنيات المعرفة أكثر انتشارًا وأيسر وصولًا، لكنها لم تكن بديلًا عن فكر الإنسان.
كان الإنسان لا يزال هو الذي يقرأ ويفهم ويناقش ويقارن ويكتب ويكوّن رأيه. أما الذكاء الاصطناعي فيقترب من منطقة مختلفة: فهو لا يساعدنا فقط في الوصول إلى المعلومات أو تنفيذ الأعمال، بل يستطيع أن يدخل إلى عملية التفكير نفسها.
وهنا يكمن التحدي. فالخطر ليس في أن يساعدني الذكاء الاصطناعي على التفكير، بل في أن أعتاد عليه إلى درجة يتحول فيها من مساعد للفكر إلى بديل عن الفكر. حيث يقول السيد المسيح عن الفكر: “تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ”.
ولم يكن اهتمام الكنيسة الأولى بالفكر أمرًا ثانويًا. فقد واجه آباء الكنيسة أسئلة وهرطقات هددت فهم الإيمان المسيحي، ولم تكن مواجهتهم لها قائمة على العاطفة وحدها، بل على الفحص والتمييز والاحتكام إلى الكتاب المقدس وما تسلمته الكنيسة، واستخدام العقل في فهم الإيمان والدفاع عنه. فالإيمان لم يكن بالنسبة إليهم إلغاءً للعقل، بل كان العقل أداة في خدمة الحقيقة والتمييز بين التعليم السليم والتعليم المنحرف. وهذا يجعل الحفاظ على الفكر السليم والذهن المتزن أمرًا أساسيًا في الحياة المسيحية.
فالتجربة والصراع لا يدخلان حياة الإنسان دائمًا من خلال أفعال ظاهرة؛ فقد تبدأ الفكرة في الذهن، ثم تتحول إلى رغبة، ثم إلى قرار، ثم إلى سلوك. ولذلك يصبح ما يدخل إلى عقل الإنسان وما يتكرر فيه وما يقتنع به أمرًا ذا أهمية روحية وأخلاقية.
ومن هنا تظهر خطورة السؤال: من يؤثر في فكر الإنسان؟ ومن يصوغ له المعلومات التي يبني عليها قناعاته؟ والسؤال الأهم: من هو اوهم مرجعية الذكاء الاصطناعي؟ وكيف تقدم لنا المعلومات وتحلل؟ وكيف تُبنى الأجوبة، وبناءً على أيّ فكرٍ تُصاغ؟
في الماضي كان الإنسان يبحث ويقرأ ويسأل ثم يكون رأيه. أما اليوم، فقد يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يقدم له ملخصًا، وتحليلًا، وحجة، وموقفًا، وربما قرارًا جاهزًا. وهنا لا تكمن المشكلة في الآلة وحدها، بل في أن يتخلى الإنسان تدريجيًا عن مسؤوليته في التفكير والتمييز.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد المؤمن في قراءة الكتاب المقدس، والبحث في التاريخ، ومقارنة التفاسير، والوصول إلى مصادر كثيرة. لكن الإيمان المسيحي الذي عاشته الكنيسة منذ ألفي عام لا يمكن اختزاله في قاعدة بيانات، ولا يمكن استبداله بعلاقة جافة بين الإنسان والخوارزميات. المؤمن لا يعيش إيمانه من خلال الحصول على المعلومات فقط، بل من خلال الحضور والمشاركة والصلاة والعبادة والجماعة والتلمذة. فالكنيسة ليست موقعًا إلكترونيًا، والقداس الإلهي ليس محتوى رقميًا، والإيمان ليس إجابة تنتجها خوارزمية.
في القداس، يقف الإنسان وسط جماعة المؤمنين، ويشارك في الصلاة والترنيم وقراءة كلمة الله، ويتفاعل مع المكان والصوت والحركة والخبز والخمر والماء والزيت والبخور، ومع الكاهن وجماعة المؤمنين، ضمن إيمان تسلمته الكنيسة وحفظته وعاشت عبر الأجيال. هذه ليست مجرد معلومات يمكن للآلة أن تصفها؛ إنها ممارسة إيمانية حسية وجماعية يعيش فيها الإنسان إيمانه بجسده وروحه وعقله، وفي شركة مع جماعة الكنيسة.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يخبرني كيف تصلي الكنيسة، لكنه لا يستطيع أن يصلي بدلًا مني. ويستطيع أن يشرح القداس، لكنه لا يستطيع أن يحل محل مشاركتي فيه. ويستطيع أن يقدم لي معلومات عن الإيمان، لكنه لا يستطيع أن يعيش الإيمان نيابة عني. وهنا نعود إلى العبارة الأولى: “كان يعلّمهم كمن له سلطان”
من المنظور المسيحي، كان تعليم السيد المسيح صادرًا عن سلطان إلهي نقي، فيه الحق والصلاح والمحبة وخلاص الإنسان. أما الذكاء الاصطناعي فهو أداة صنعها الإنسان. يمكن أن يساعده، لكنه لا يملك سلطانًا روحيًا، ولا ينبغي أن يصبح مرجعًا يحل محل الكتاب المقدس أو حياة الكنيسة أو مسؤولية المؤمن عن التمييز. يمكنه أن يساعدني على الوصول إلى النص، لكنه لا يستطيع أن يؤمن نيابة عني، ولا أن يتوب نيابة عني، ولا أن يحب نيابة عني، ولا أن يتبع المسيح نيابة عني.
فالسيد المسيح لم يقل لتلاميذه: اجمعوا أكبر قدر من المعلومات عني. انما قال: “اتبعوني.” وهنا يكمن الفارق كله. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد الإنسان على معرفة ما قاله المسيح، لكنه لا يستطيع أن يجعل الإنسان يعيش ما قاله المسيح.
لقد جاءت معظم الآلات لتوسّع قدرة الإنسان: أن يسافر أبعد، ويتواصل أسرع، وينتج أكثر، ويعمل بكفاءة أكبر. أما الذكاء الاصطناعي فيقترب من منطقة مختلفة: منطقة الفكر نفسه.
وختامًا، إن التحدي الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي لا يكمن في رفض التقنية ومقاطعتها، بل في معرفة حدودها وأطرها؛ أن نستعين بها دون أن نسلمها عقولنا، ونستفيد من سعة معرفتها دون أن نتخلى عن مسؤوليتنا في التفكير والتمييز، فنأخذ منها ما يعيننا على مشقات الحياة، دون أن نجعلها يومًا بديلًا عن دفء الإنسان، وعمق الإيمان، وسلامة البصيرة.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!