Skip to content

الإرث والتبني… عندما يعترف القانون بأن الأسرة تتجاوز روابط الدم

تاريخ النشر: يونيو 20, 2026 12:16 م
WhatsApp Image 2026-06-20 at 8.11.37 AM

كتبت: ماران عماد معايعة مُؤسِس مُؤَسسة الهدف

شهدت المملكة مؤخراً تطوراً تشريعياً مهماً من خلال الاعداد لمشروع تعديل بعض أحكام قانون مجالس الطوائف المسيحية ، بما في ذلك المواد المتعلقة بالتبني والوصية، في خطوة تنسجم مع الإطار الدستوري الذي أقره الدستور الأردني لمجالس الطوائف الدينية غير المسلمة لتنظيم مسائل الأحوال الشخصية لأتباعها بموجب القوانين الخاصة بها. ولا يقتصر هذا التطور على كونه تعديلاً قانونياً، بل يفتح الباب أمام حوار إنساني ومجتمعي عميق حول مفهوم الأسرة والانتماء لها وحقوق الأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية.

من خلال العمل لسنوات طويلة مع الأطفال الأيتام والأطفال المحرومين من الرعاية الأسرية، أدركت أن احتياجات الطفل لا تتوقف عند توفير الطعام والتعليم والرعاية الصحية. فالطفل يحتاج قبل كل شيء إلى الانتماء، وإلى الشعور بأنه محبوب ومقبول وموجود في عائلة تنظر إليه باعتباره ابناً حقيقياً. فالهوية والانتماء والاستقرار العاطفي ليست رفاهية، بل احتياجات أساسية تؤثر بصورة مباشرة في نمو الطفل النفسي والاجتماعي وقدرته على بناء علاقات صحية وآمنة في المستقبل.

وفي هذا السياق، من المهم التمييز بين مفهومي التبني والاحتضان. ففي الشريعة الإسلامية، يحرّم التبني الكامل الذي ينقل النسب الشرعي والقانوني للطفل إلى الأسرة المتبنية، التزاماً بالنصوص الشرعية التي تحافظ على منع اختلاط الأنساب. ومن هنا نشأت أنظمة الكفالة والاحتضان، التي تُعد من أعظم صور الرحمة والرعاية، حيث توفر للطفل بيئة أسرية آمنة ومستقرة وتكفل احتياجاته المادية والمعنوية دون تغيير نسبه.

وتضع الدولة الأردنية، من خلال برنامج الأسر الراعية البديلة، ضوابط دقيقة لحماية الأطفال، تشمل التأكد من الاستقرار النفسي والأخلاقي والمالي للأسرة، وخضوعها للمتابعة الدورية من الجهات المختصة، بما يضمن أن تبقى المصلحة الفضلى للطفل هي الأولوية الأولى.

أما في التقاليد والأعراف المسيحية، فإن التبني يُنظر إليه باعتباره علاقة أبوية كاملة تنشئ رابطة دائمة بين الطفل والأسرة المتبنية، قائمة على المحبة والالتزام والانتماء. فالطفل المتبنى ليس مشروع رعاية مؤقتة، ولا ضيفاً داخل البيت، بل ابن بكل ما تحمله الكلمة من معنى، له الحقوق نفسها وعليه الواجبات نفسها التي يتمتع بها الأبناء البيولوجيون.

من هنا، جاءت التعديلات المقترحة لتفتح المجال أمام تنظيم آثار التبني والوصية والميراث ضمن الإطار الكنسي للمسيحيين، بما في ذلك معالجة الحقوق المالية والإرثية للابن المتبنى وفق الضوابط الكنسية والتشريعات النافذة. وهذه الخطوة لا تتعلق بالماديات أو بالحقوق المالية فحسب، بل تحمل رسالة إنسانية وقانونية عميقة مفادها أن الأسرة لا تقوم حصراً على رابطة الدم، بل أيضاً على رابطة المحبة والالتزام والمسؤولية.

وفي الوقت ذاته، لا يزال موضوع انعكاس التبني في المفهوم الكنسي على قيود الأحوال المدنية الرسمية خاضعاً للإطار القانوني العام للدولة الناظم لمسائل الأنساب والهوية المدنية. ويعكس ذلك نموذجاً أردنياً متوازناً يسعى إلى احترام خصوصية التشريعات الكنسية للمسيحيين، وفي الوقت نفسه يحافظ على الإطار العام الناظم للأنساب والهوية المدنية في المملكة.

ولعل أجمل ما في هذه الرؤية التشريعية أنها تعيد التركيز على جوهر القضية: الطفل. فالطفل الذي حُرم من أسرته الأصلية لا يحتاج فقط إلى سرير أو مدرسة أو نفقة شهرية، بل يحتاج إلى بيت يشعر فيه بالأمان، وإلى أشخاص ينادونه ابناً أو ابنة، وإلى يقين داخلي بأنه مرغوب ومحبوب ومنتمٍ.

وفي الإيمان المسيحي، لا يُعتبر التبني مجرد إجراء قانوني، بل يحمل بعداً روحياً عميقاً. فنحن نفهم علاقتنا بالله على أنها علاقة أبناء بالتبني؛ فقد منحنا هوية جديدة، وانتماءً جديداً، وميراثاً جديداً. ولذلك، فإن الاعتراف بالطفل المتبنى ومنحه الحماية والحقوق التي تضمن له الاستقرار والانتماء يشكل انعكاساً عملياً لقيم القبول والمحبة غير المشروطة والكرامة الإنسانية.

إن التطورات التشريعية الأخيرة لا تدعونا فقط إلى مناقشة مواد قانونية جديدة، بل تدعونا أيضاً إلى إعادة التفكير في معنى الأسرة نفسها. فحين يعترف القانون بحق الطفل في الانتماء والاستقرار والكرامة، فإنه لا ينظم شأناً قانونياً فحسب، بل يترجم قيماً إنسانية وإيمانية عميقة تؤكد أن كل طفل يستحق أن يكون له بيت حقيقي وعائلة حقيقية ومستقبلاً آمناً يشعر فيه بأنه ابن بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.

ونحو عالم بلا أيتام، نؤمن أن مكان الطفل الطبيعي هو الأسرة. فنجاحنا لا يُقاس بعدد المؤسسات التي نبنيها أو الخدمات التي نقدمها، بل بعدد الأطفال الذين يجدون بيتاً حقيقياً وعلاقات دائمة تمنحهم الحب والانتماء والاستقرار. فالطفل لا يحتاج فقط إلى من يعتني به، بل إلى من ينتمي إليه ومن يلتزم به مدى الحياة. وعندما نضع مصلحة الطفل الفضلى في قلب التشريع والعمل المجتمعي، فإننا نقترب أكثر من مجتمع يؤمن بأن لكل طفل الحق في أن ينمو داخل أسرة، وأن يشعر بأنه محبوب ومقبول، وأن يعيش كابن له هوية وكرامة وانتماء.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment