
السابق مجلس رؤساء الكنائس في الأردن يرحّب بمشروع القانون المعدّل لمجالس الطوائف المسيحية

داود كُتّاب- ملح الأرض
يُثيرُ إدخالُ موضوعِ الوصيّةِ في سياقِ توزيعِ التركةِ في الأردنِّ تساؤلاتٍ عديدةً قد يصعبُ الإجابةُ عنها بصورةٍ قطعيّةٍ. ومع ذلك، قد يكونُ من المفيدِ الاستفادةُ من التجاربِ العالميّةِ في الدولِ التي تعتمدُ الوصيّةَ، لا سيّما في كيفيّةِ التعاملِ مع الحالاتِ المعقّدةِ التي لا يكونُ فيها الحلُّ واضحًا تمامًا.
فبحسبِ عددٍ من القانونيّين الدوليّين الذين تواصلتْ معهم ملح الأرض، توجدُ عادةً مجموعةٌ متراكمةٌ من القوانينِ والإجراءاتِ التي تمَّ اعتمادُها، وأصبحت إرثًا من السوابقِ شكّلتِ المخرجَ القانونيَّ في الحالاتِ المستعصيةِ المتعلّقةِ بتوزيعِ التركةِ. كما توجدُ شروطٌ وإرشاداتٌ تتعلّقُ بحالاتِ العائلاتِ التي لا يتمُّ صياغةُ الوصيّةِ فيها أو توثيقُها بصورةٍ قانونيّةٍ، إضافةً إلى تعليماتٍ تساعدُ على معالجةِ حالاتٍ يتمُّ فيها إضافةُ طفلٍ إلى العائلةِ بعد صدورِ الوصيّةِ وقبلَ أن يقومَ كاتبُها بتحديثِها.
في الولاياتِ المتحدةِ، على سبيلِ المثالِ، لا يوجدُ قانونٌ فدراليٌّ موحّدٌ في هذا المجالِ، بل تُتركُ المسألةُ لكلِّ ولايةٍ وفقَ ما تراهُ مناسبًا. ولو أردنا تطبيقَ هذا النموذجِ، فقد يكونُ من المنطقيِّ منحُ المحاكمِ الكنسيّةِ للطوائفِ المختلفةِ هامشًا محدّدًا يضمنُ تحقيقَ العدالةِ في الحالاتِ التي لا يتوفّرُ فيها وضوحٌ كافٍ داخلَ الوصيّةِ، وهنا تأتي ضرورةُ الانفتاحِ على التجاربِ العالميّةِ وضرورةُ رفعِ وعيِ ومعرفةِ القضاةِ والمحاكمِ بكيفيّةِ التصرّفِ في بعضِ الحالاتِ الصعبةِ والمعقّدةِ.
ويفيدُ عدد من الخبراءِ الأمريكيين بأنهُ رغم غياب القوانينِ الفدراليةِ الموحّدة، توجدُ مبادئٌ تُطبَّقُ بشكلٍ واسعٍ في أغلبِ الولايات حول توزيع التركة، ومن أبرزها ما يلي:
يُقدِّمُ الخبراءُ نصائحَ مهمّةً لكيفيّةِ تضمينِ الوصيّةِ بنودًا تخصُّ الأبناءَ الذين يُولدونَ بعدَ تاريخِ توقيعِها. وتوجدُ عدّةُ أساليبَ صياغةٍ يمكنُ اتّباعُها لمعالجةِ هذه المسألةِ. من ذلك أن يُشيرَ نصُّ الوصيّةِ إلى الأبناءِ الحاليّين بأسمائِهم وتاريخِ ميلادِهم، ثمَّ تنصُّ على أنَّ أيَّ إشارةٍ إلى كلمةِ “أبنائي” تشملُ أيَّ أبناءٍ يُولدونَ أو يتمُّ تبنّيهم قانونيًّا بعدَ تاريخِ توقيعِ الوصيّةِ.
كما يمكنُ، في القسمِ الذي تُحدِّدُ فيه الوصيّةُ كيفيّةَ تقسيمِ التركةِ، أن ينصَّ النصُّ على تقسيمِ الممتلكاتِ إلى حصصٍ منفصلةٍ ومتساويةٍ، حصّةٌ لكلِّ من “أبنائي”. وبذلك، يحصلُ أيُّ ابنٍ موجودٍ وقتَ وفاةِ المُوصي على حصّتِه، وتُنفَّذُ الوصيّةُ وفقَ رغبتِه حتى لو لم تُعدَّلْ بعدَ ولادةِ طفلٍ جديدٍ.
رغمَ أنَّه من المتوقَّعِ أن تتضمَّنَ القوانينُ الأردنيّةُ بندًا يمنعُ حرمانَ أفرادِ العائلةِ من الميراثِ بشكلٍ مطلقٍ، يُنظرُ إلى هذا الأمرِ لدى البعضِ بوصفِه تقييدًا لحريّتِك في اختيارِ من تشملُهم وصيّتُك، خاصّةً أنَّه بإمكانِك، وأنتَ حيٌّ، أن تُوزِّعَ أو تنقلَ ملكيّةَ أيِّ أملاكٍ لمن تريدُ.
ومع ذلك، حتّى في الدولِ الغربيّةِ توجدُ قيودٌ تتعلّقُ بمنعِ حرمانِ بعضِ الأشخاصِ. وفيما يخصُّ “محدوديّةَ الوصيّةِ”، ففي الغالبِ لا توجدُ في كثيرٍ من الأنظمةِ العالميّةِ قيودٌ صارمةٌ من حيثُ المبدأِ حولَ ما يمكنُ أن تتضمّنَه الوصيّةُ. فقد تشملُ الوصيّةُ تركَ كلِّ الممتلكاتِ للزوجِ أو للزوجةِ أو للولدِ أو للبنتِ دونَ غيرِهم. لكنْ توجدُ في المقابلِ قيودٌ على حرمانِ بعضِ الفئاتِ.
في كثير من الولايات الأمريكية، يمكن حرمان الأبناء البالغين من الميراث، لكن لا يُمكن عمومًا حرمان الزوج أو الزوجة من الميراث كليًا دون وجود اتفاقية ما قبل الزواج سارية المفعول أو تنازل قانوني صريح.
وتختلفُ القواعدُ باختلافِ الشخصِ الذي ترغبُ في استبعادِه ومكانِ الإقامةِ. فإذا استبعدتَ الزوجَ أو الزوجةَ من الوصيّةِ أو تركتَ له أو لها مبلغًا زهيدًا، فإنَّه/فإنَّها عادةً ما يحقُّ له/لها، بموجبِ القانونِ، المطالبةُ بحصّةٍ اختياريّةٍ أو قانونيّةٍ من تركتِك، وغالبًا ما تكونُ بينَ ثلثِ أصولِك ونصفِها.
إذًا لا يُمكنُ حرمانُ الزوجِ أو الزوجةِ من الميراثِ كليًّا إلّا إذا تنازلَ/تنازلتْ قانونيًّا عن حقوقِه/حقوقِها بموجبِ اتّفاقيّةِ ما قبلَ الزواجِ أو ما بعدَه.
يعتمدُ ذلك على عمرِ الطفلِ والقوانينِ المحليّةِ. في العديدِ من الأنظمةِ القانونيّةِ الأمريكيّةِ، غالبًا لا يوجدُ التزامٌ قانونيٌّ على الأبِ أو الأمِّ بتركِ ميراثٍ لأبنائِهما البالغين. أمّا الأبناءُ القُصَّرُ أو المُعالون، فلا يمكنُ حرمانُهم بالكاملِ، لأنَّ القوانينَ غالبًا ما تنصُّ على وجوبِ توفيرِ النفقةِ والدعمِ لهم حتّى بلوغِ سنِّ الرشدِ.
إذا كانَ مسموحًا لك قانونيًّا بحرمانِ شخصٍ ما من الميراثِ، فإنَّ كيفيّةَ صياغةِ الوصيّةِ أمرٌ بالغُ الأهميّةِ لتجنُّبِ النزاعاتِ القانونيّةِ المُكلِفةِ. ومن أهمِّ الضوابطِ:
وفي نفس السياق وصلنا التعليق التالي من المهندس فارس سلايطة. ننشره كم جاء مع تقديم ملاحظة بسيطة في النهاية
لسنا أمام سؤال: هل توجد وصايا في الدول الغربية؟ بل أمام سؤال مختلف تمامًا: هل يجوز للمشرّع أن يسن نصوصًا عامة ثم يترك تحديد الحقوق الفعلية اجتهاد المحاكم؟
الاستشهاد بالولايات المتحدة أو فرنسا أو غيرهما لا ينهض حجةً بذاته؛ لأن هذه الدول لا تطبق نظامًا واحدًا، بل أنظمة مختلفة جذريًا، ولكل منها تاريخ تشريعي، وقضاء متخصص، وسوابق مستقرة تراكمت عبر عقود، بل عبر قرون. فلا يمكن استيراد نتيجة التجربة دون استيراد منظومتها القانونية كاملة.
إن من أخطر ما يمكن أن يفعله أي تشريع هو أن ينقل عبء صنع القاعدة القانونية من المشرّع إلى القاضي.
فالقاضي ليس مشرعًا، وإنما يطبق القانون. فإذا أصبح تحديد الحقوق متوقفًا على تفسير المحكمة في كل قضية، فإننا نكون قد استبدلنا يقين النص بعدم يقين الاجتهاد.
وهنا تبرز إشكالية جوهرية. هل نريد أن يعرف المواطن حقه بمجرد قراءة القانون، أم بعد سنوات من التقاضي؟
إن مبدأ الأمن القانوني، وهو من المبادئ المستقرة في الفقه الدستوري المقارن، يقوم على أن تكون الحقوق والالتزامات واضحة، وقابلة للتوقع، بحيث يستطيع الفرد أن يرتب أوضاعه القانونية مسبقًا، لا أن يكتشف حقوقه بعد صدور حكم قضائي.
ولهذا فإن القول بأن المحاكم ستعالج الحالات الصعبة ليس ميزة في التشريع، بل دليل على أن التشريع لم يحسمها ابتداءً. ثم إن المقارنة المحاكم الأجنبية ليست في محلها.
القضاء الذي يُستشهد به يستند إلى تراكم ضخم من السوابق القضائية وإلى منظومة متكاملة من درجات التقاضي والرقابة والتفسير. أما في حالتنا، فنحن بصدد منح سلطة تقديرية واسعة لمحاكم لم تُنشأ أصلًا لتطوير قواعد عامة في قانون الميراث والملكية، ولا تملك رصيدًا من السوابق المستقرة في هذا المجال يحقق توحيد الاجتهاد ويضمن استقرار المعاملات.
وهنا لا يكون الخلاف مع الأشخاص، ولا مع الكنيسة، ولا مع القضاة. بل مع فكرة أن يصبح مستقبل الأسر، وحقوق الأبناء، واستقرار الملكية، مرهونًا بما قد استقر عليه الاجتهاد القضائي مستقبلًا.
العدالة لا تتحقق بإعطاء القاضي سلطة أكبر، وإنما بإعطاء المواطن قانونًا أوضح. والتشريع الجيد هو الذي يقلل الحاجة إلى القضاء، لا الذي يجعل القضاء جزءًا من بنائه الأساسي. ولهذا فإن السؤال الذي لم أجد له جوابًا حتى الآن هو:
· ما هو النموذج القانوني الأردني المقترح تحديدًا؟ وما هي الضوابط التي تمنع اختلاف الحقوق باختلاف المحكمة أو باختلاف الاجتهاد؟
أما الاكتفاء بالقول إن “الدول الأخرى تفعل ذلك”، فهو ليس تأسيسًا قانونيًا، بل مقارنة منقوصة تغفل أن تلك الدول لم تبنِ أنظمتها على نصوص عامة، وإنما على منظومات قانونية متكاملة استغرقت عقودًا طويلة حتى استقرت.
تعليق من داود كُتّاب
هدف المقال رد على تساؤلات كثيرة حول كيفية معالجة أمور مثل وفاة كاتب الوصية و حق ابن جديد بعد كتابة الوصية وكيف يتم التعامل مع أمور معقدة. اوافقك انه لا بد من تشريع اما في البرلمان أو لدى المشرع الكنسي واعتقد ان التعديل يوفر المحاكم الكنسية القيام بوضع ضوابط قانونية لمعالجة كافة الإشكالات المتوقعة علما على سبيل المثال أن فكرة الوصية المحدودة موجودة في عدة دول.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!