
السابق الأب د. فراس نصراوين رئيسًا والأب د. إبراهيم دبور نائبًا للرئيس لـ ” دار الكتاب المقدّس في الأردن”

بقلم : منير قبطي– الناصرة
في السنوات الأخيرة، قدّمت التقارير الصادرة عن مركز Pew Research Center (2023–2024) معطيات إحصائية دقيقة حول التحولات في المشهد الديني العالمي، ولا سيما فيما يتعلق بالمسيحية. وتُظهر هذه البيانات أن القضية لا تتعلق بتراجع ديني شامل بقدر ما تعكس إعادة تشكّل جغرافي وثقافي لأنماط الممارسة الدينية.
تشير الإحصاءات إلى تباين واسع في نسب الحضور الديني المنتظم (مرة واحدة شهريًا على الأقل) بين مناطق العالم. ففي عدد من الدول في إفريقيا وآسيا، تتجاوز هذه النسب 90%، في حين تنخفض في أوروبا إلى ما بين 10% و30%. أما في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية، فتتراوح النسب بين 30% و60% وفق السياق الاجتماعي والفئة السكانية.
في العديد من دول إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مثل نيجيريا وغانا وكينيا، تسجّل المسيحية مستويات مرتفعة من المشاركة الدينية، حيث تصل في بعض الحالات إلى نسب تفوق 90%. ويعكس ذلك ارتباطًا وثيقًا بين الدين والبنية الاجتماعية والحياة اليومية في هذه المجتمعات.
وفي السياق الآسيوي، تُظهر بعض الدول مثل إندونيسيا نسب مشاركة دينية مرتفعة نسبيًا، تصل إلى نحو 99%، بينما تسجل الهند قرابة 86%. وحتى داخل الأقليات المسيحية في هذه البيئات المتنوعة دينيًا، يُلاحظ استمرار مستويات عالية من الالتزام بالممارسة الدينية.
في المقابل، يُلاحظ في أوروبا انخفاض واضح في معدلات الحضور الكنسي، إذ تتراوح النسب في دول مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا بين 10% و30%، وأحيانًا أقل. ورغم استمرار انتماء شريحة واسعة من السكان إلى الهوية المسيحية من الناحية الثقافية، فإن الممارسة الدينية المنتظمة شهدت تراجعًا ملحوظًا.
أما في الولايات المتحدة، فتشير البيانات إلى وضع أكثر توازنًا نسبيًا، حيث يحضر نحو 30% إلى 35% من السكان الكنيسة بانتظام، في حين لا يشارك قرابة نصف السكان بشكل منتظم أو يبتعدون عن الممارسة الدينية. وفي أمريكا اللاتينية، تبقى المسيحية عنصرًا مهمًا في الهوية الثقافية، مع نسب حضور تتراوح بين 40% و60%.
وفي شرق آسيا، كما في اليابان، تنخفض معدلات المشاركة الدينية إلى مستويات متدنية، لا تتجاوز 10% إلى 15%، وهو ما يعكس اختلافًا بنيويًا في العلاقة بين الدين والمجتمع.
ومن الملاحظ أن العلاقة بين الطابع الرسمي للدين في الدولة ومستوى الالتزام الديني لا تبدو علاقة مباشرة. فبعض الدول التي تعتمد كنائس رسمية أو تاريخية، مثل المملكة المتحدة واليونان والدنمارك، تسجّل نسب حضور منخفضة نسبيًا. في المقابل، تظهر دول لا تعتمد المسيحية كدين رسمي، لكنها تشهد معدلات مشاركة مرتفعة، خاصة في بعض دول إفريقيا.
وتشير هذه المعطيات إلى أن المسيحية لا تمر بالضرورة بحالة تراجع عددي عالمي، بل تشهد تحولًا في مركز ثقلها الجغرافي وأنماط ممارستها. إذ ينتقل هذا الثقل تدريجيًا من أوروبا، حيث تتراجع نسب الحضور، نحو إفريقيا وأجزاء من آسيا، حيث تسجّل معدلات أعلى بكثير.
غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها الإحصائية، تطرح إشكالية أعمق تتعلق بطريقة فهم القوة الدينية. فهل تُقاس قوة المسيحية بمعدلات الحضور الكنسي فقط، أم بمدى حضور الإيمان في السلوك اليومي والقيم الاجتماعية؟
في هذا السياق، يصبح التحدي المعاصر مرتبطًا ليس فقط بالأرقام، بل بقدرة المؤسسات الدينية على إعادة صياغة حضورها في حياة الإنسان. وفي الحالة الأوروبية تحديدًا، لا يُنظر إلى التراجع الديني فقط كظاهرة إحصائية، بل كتحول ثقافي واسع يرتبط بتغير أنماط الحياة، والفردانية، وإعادة تعريف الهوية الدينية.
وعليه، فإن الاهتمام بالمستقبل الديني لا يقتصر على رصد الاتجاهات، بل يشمل أيضًا بناء استجابة فكرية ومجتمعية. ويُعدّ الاستثمار في الطفولة والأسرة عنصرًا أساسيًا في هذا الإطار، إذ تُشكل العائلة البيئة الأولى لتكوين القيم الدينية والاجتماعية.
كما أن تعزيز استقرار الأسرة، ودعم العلاقات الزوجية القائمة على الالتزام والمسؤولية، يُعدّ عاملًا مهمًا في نقل القيم الدينية واستمراريتها. وفي هذا السياق، لا يقتصر دور المجتمع الديني على الجانب الروحي فقط، بل يمتد ليشمل الدعم الاجتماعي والإنساني للأفراد والعائلات، خاصة في أوقات الأزمات.
وفي المحصلة، فإن استمرار حضور المسيحية لا يرتبط فقط بالمؤسسات أو الأرقام، بل بمدى قدرتها على أن تكون جزءًا فاعلًا من الحياة اليومية للإنسان. وعندما يتحول الإيمان إلى ممارسة حية تتجذر في الفرد والأسرة والمجتمع، فإنه يحافظ على استمراريته ويعيد إنتاج حضوره عبر الأجيال، ليس كإرث تاريخي فقط، بل كقيمة معيشة ومصداقية حقيقية في الواقع المعاصر.
*************************************************


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!