Skip to content

مكاور تحتضن «المسيح» لهاندل في أمسيةٍ تجمعُ الإيمانَ والموسيقى والتراث

تاريخ النشر: سبتمبر 17, 2026 9:16 ص
قلعة مكاور والبحر الميت في خلفية العرض- صور من الاتحاد الأوروبي

قلعة مكاور والبحر الميت في خلفية العرض- صور من الاتحاد الأوروبي

بقلم داود كُتّاب- ملح الأرض

 تحتَ رعايةِ الأميرِ الحسن بن طلال، عُرضتْ في 13 أيلول رائعةُ المؤلفِ هاندل الموسيقيةُ «المسيح» في موقعٍ دينيٍّ تاريخيٍّ مميزٍ أمامَ جمهورٍ واسعٍ.

تضمّنَ الحدثُ الموسيقيُّ أوركسترا مجريةً، إلى جانبِ عازفينَ منفردينَ فرنسيينَ وأردنيينَ، وعازفينَ على آلاتٍ موسيقيةٍ شرقيةٍ. أُقيمَ الحفلُ في الهواءِ الطلقِ في موقعِ مكاور – وهي قلعةٌ تقعُ على قمةِ تلٍّ يُعتقدُ أنها متصلةٌ بالمكانِ الذي قطعَ فيه هيرودس أنتيباس رأسَ يوحنا المعمدانِ. كانَ هذا الحدثُ جزءًا من بدايةِ رحلةٍ ثقافيةٍ وروحيةٍ أوسعَ نطاقًا نحوَ الاحتفالاتِ العالميةِ بذكرى القديسِ يوحنا المعمدانِ في عامِ 2030.

صرّحتْ ديما بواب، المغنيةُ الأردنيةُ المميزةُ، لموقعِ ملح الأرض أنه عندما تواصلتْ معها والدتُها، سهى بواب، المديرةُ التنفيذيةُ لإصدقاءِ مهرجاناتِ الأردنِ، بشأنِ المشاركةِ في عرضٍ موسيقيٍّ كلاسيكيٍّ في الهواءِ الطلقِ، عرفتْ ديما تمامًا ما يناسبُ الجمهورَ الأردنيَّ. وأضافتْ: «كنتُ أرغبُ في المشاركةِ في عملٍ موسيقيٍّ شعبيٍّ معروفٍ، سهلِ الاستماعِ إليه، ومناسبٍ للمكانِ الذي أرادتْ وزارةُ السياحةِ الأردنيةُ الترويجَ له».

كشفتْ ديما بواب أنها سبقَ لها أن قدّمتْ أوراتوريو «المسيح» لهاندل قبلَ عشرِ سنواتٍ في الأردنِ، ومراتٍ عديدةٍ في أماكنَ أخرى حولَ العالمِ، لكنها واجهتْ بعضَ الصعوباتِ في التحضيرِ للعرضِ في الأردنِ. فقد كانَ الوقتُ المخصصُ للحفلِ في الأردنِ 70 دقيقةً، بينما يستغرقُ أداءُ عملِ «المسيح» الموسيقيِّ بصورةٍ كاملةٍ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ. لذا اقترحتْ الاقتصارَ على الجزأينِ الأولِ والثاني من الملحمةِ الموسيقيةِ اللذينِ يتناولانِ ميلادَ وحياةَ يسوعَ، معَ اختتامِ البرنامجِ بقرارِ «هللويا» الشهيرةِ. «شعرتُ أنَّ إضافةَ الجزأينِ الثالثِ والرابعِ لن تكونَ مناسبةً، وقد لا تكونُ ملائمةً لفعاليةٍ تُقامُ في الهواءِ الطلقِ».

عبّرتْ ديما بواب لـ ملح الأرض أنَّ البعدَ بينَ أوروبا والأردنِ والوقتَ القصيرَ اللازمينِ للتحضيرِ لتقديمِ هذا العملِ الموسيقيِّ المتنوعِ كان تحدي كبير، لكنَّ التكنولوجيا الحديثةَ ساعدتْ في ذلكَ. وقالتْ: «تمكّنا من تبادلِ التسجيلاتِ الصوتيةِ بالإيميلِ وإجراءِ عددٍ من البروفاتِ عبرَ تطبيقِ زووم». وأوضحتْ أنها عملتْ مع عازفِ العودِ، طارق الجندي، في أداءِ «المسيح» في السابقِ، كما تواصلتْ مع رولا البرغوثي، عازفةِ القانونِ، للتنسيقِ البرنامجَ والمداخلاتِ المختلفةَ. تقولُ ديما إنَّ الخطةَ شملتْ توفيرَ فرصةٍ لهما بإرتجال مقاطعَ موسيقيةٍ منفردةٍ قبلَ دخولِ الأوركسترا مجددًا مع العملِ الموسيقيِّ «المسيح»، ومنحهما فرصةً لدعمِ الكونسرتِ أينما كانَ ممكنًا، لا سيما في مقطعِ «هللويا» الختاميِّ.

المبدعين عازف العود طارق الجندي وعازفة القانون رلى البرغوتي

أكدَ عازفُ العودِ طارق جندي لـ ملح الأرض أنَّ الفريقَ الأردنيَّ تعاونَ افتراضيًّا لشهورٍ عديدةٍ في التحضيرِ للحفلِ، بما فيهِ إجراءُ بروفاتٍ عبرَ الإنترنتِ. وأضافَ: «لكنَّ البروفاتِ الفعليةَ معَ الفريقِ بأكملِه من المجرِ والأردنِ لم تُعقدْ إلا في اليومينِ الأخيرينِ قبلَ الحفلِ». وذكرَ أنَّه قدّمَ قبلَ عشرِ سنواتٍ عزفًا في الأوراتوريو «المسيح» لهاندل، وأنَّه كانَ على تواصلٍ دائمٍ معَ المرنمينَ المنفردينَ المقيمينَ في فرنسا، بمن فيهم ديما بواب، استعدادًا للحفلِ. وأعربَ الجندي عن فخرِه بالمشاركةِ في هذا الأداءِ الذي أظهرَ انسجامًا حقيقيًّا بينَ آلةِ العودِ الشرقيةِ التي يعزفُ عليها، برفقةِ رولا البرغوثي على آلةِ القانونِ، وبمشاركةِ الأوركسترا المجريةِ الكاملةِ. وتابعَ: «درستُ الموسيقى في الغربِ، وأنا على درايةٍ بموسيقاها الكلاسيكيةِ، وقد سررتُ بتقديمِ عرضٍ موسيقيٍّ مشتركٍ يجمعُ بينَ الآلاتِ الكلاسيكيةِ الغربيةِ والشرقيةِ، ليخرجَ عملًا موسيقيًّا رائعًا في موقعٍ تاريخيٍّ ذي أهميةٍ دينيةٍ».

علّقتْ بواب على التناغمِ الموسيقيِّ الذي استطاعَ الموسيقيونَ الأردنيونَ تحقيقَه معَ الحفاظِ على جمالِ الآلاتِ العربيةِ. وقالتْ: «كانوا يعزفونَ مقطوعاتٍ منفردةً شكّلتْ مدخلًا مناسبًا للأوركسترا، فكانتْ مداخلاتهم الانفراديةُ، ولنقلْ على سلمِ دو الكبيرِ C major، هو نفسُ السلمِ للفقرةِ التاليةِ والتي كانتِ الأوركسترا تبني موسيقاها عليها، فكانتْ مقدمةُ العودِ والقانونِ تمهّدُ بسلاسةٍ لأجزاءِ الأوركسترا اللاحقةِ».

كما أشارتْ بواب إلى اختلافٍ تقنيٍّ في كيفيةِ ضبطِ الموسيقى. «عندما ألّفَ هاندل هذه التحفةَ الفنيةَ، كانَ معيارُ الضبطِ أقربَ إلى 415 هرتز، بينما تُعزفُ الموسيقى الكلاسيكيةُ الحديثةُ على 442 هرتز». وأشارتْ إلى أنَّ الآلاتَ الشرقيةَ كالعودِ، وعازفينَ مثلَ طارق جندي ورولا البرغوثي، كانوا قادرينَ على التكيفِ معَ أيِّ نغمةٍ موجودةٍ وتقديمِ أداءٍ رائعٍ.

ببيعتْ أكثرُ من 2500 تذكرةٍ، لكنْ تشيرُ بعضُ التقديراتِ إلى أنَّ 3000 شخصٍ حضروا الفعاليةَ الموسيقيةَ، التي تضمنتْ عرضًا نصيًّا وصوريًّا مصاحبًا لقصةِ يوحنا المعمدانِ على شاشاتٍ عملاقةٍ. وأوضحتْ ديما أنَّ أوراتوريو «المسيح» يتناولُ حياةَ يسوع المسيحِ وموتهِ، بينما ركزَ الحفلُ في الأردنِ على حياةِ يوحنا المعمدانِ ورسالتهِ. وأضافتْ: «كانَ دائمًا في تفكيرنا أنَّ هذا الحدثَ سيقامُ في الأردنِ، وكانَ الهدفُ تقديمَ عرضٍ موسيقيٍّ رائعٍ ومؤثرٍ مثلَ «المسيح»، بالإضافةِ إلى الترويجِ لموقعٍ لم يكنْ الكثيرونَ حولَ العالمِ، وحتى في الأردنِ، على درايةٍ به». وكانَ اختيارُ مكاورَ محورًا أساسيًّا لهذه المبادرةِ. فهذا الموقعُ، المرتبطُ تقليديًّا باستشهادِ يوحنا المعمدانِ، يحملُ أهميةً تاريخيةً ودينيةً كبيرةً، ويُعدُّ جزءًا من المشهدِ السياحيِّ الثقافيِّ والدينيِّ الغنيِّ في الأردنِ.

كانَ برنامجُ الحفلِ معقدًا ومتعددَ الأهدافِ. إذ وصلَ العديدُ من الأشخاصِ بحافلاتٍ مستأجرةٍ، بدأتْ في عمّانَ في الساعةِ الرابعةِ مساءً، وتعرّفوا على الموقعِ الدينيِّ وجلسوا في مقاعدهم بحلولِ الساعةِ السابعةِ مساءً عندما بدأَ الحفلُ في الوقتِ المحددِ لمشاهدةِ غروبِ الشمسِ. وقالتْ ديما: «عندَ البدءِ بالحفلِ كانَ مشهدًا رائعًا للأوركسترا والموسيقيينَ، وخلفهم التلُّ الذي استُشهدَ فيه يوحنا المعمدانُ، والبحرُ الميتُ في الأفقِ البعيدِ».

من اليسار سفير الفاتيكان في الأردن وسفير الاتحاد الأوروبي وفي الوسط العين ميشيل نزال رئيس لجنة السياحة في مجلس الأعيان واقصى اليمين المطران اياد طوال

في هذهِ المناسبةِ، قالَ سفيرُ الاتحادِ الأوروبيِّ بيير-كريستوف تشاتزيسافاس: «يلتزمُ الاتحادُ الأوروبيُّ التزامًا راسخًا بدعمِ صونِ وحمايةِ وتنميةِ التراثِ الثقافيِّ الأردنيِّ بشكلٍ مستدامٍ، بما في ذلكَ موقعُ مكاورَ التاريخيُّ». وأكدَ على التزامِ الاتحادِ الأوروبيِّ المستمرِّ بتعزيزِ الثقافةِ باعتبارِها «محركًا للتنميةِ المستدامةِ والمشاركةِ المجتمعيةِ».

كما وصفَ وزيرُ السياحةِ والآثارِ الدكتور عماد حجازين المبادرةَ بأنَّها إطلاقُ «رحلةٍ ثقافيةٍ وروحيةٍ نحوَ الاحتفالاتِ العالميةِ بذكرى القديسِ يوحنا المعمدانِ في عامِ 2030»، مسلطًا الضوءَ على مساهمتِها في الحفاظِ على التراثِ المشتركِ وتعزيزِ مكانةِ الأردنِ كوجهةٍ للحجِّ المسيحيِّ والسياحةِ الثقافيةِ والحوارِ الدوليِّ.

القس د. نبية عباسي (اقصى اليسار)

كما أعربَ القسُّ الدكتور نبيه عباسي، رئيسُ طائفةِ الكنيسةِ المعمدانيةِ الأردنيةِ، لـملح الأرض عن أنَّ حضورَ عرضِ «هاندل مسايا» في مكاورَ، المكانِ الذي استُشهدَ فيه يوحنا المعمدانُ، كانَ حدثًا تاريخيًّا ومؤثرًا. وقد أضفى اختيارُ هذا الموقعِ بُعدًا روحيًّا عميقًا، إذ يرتبطُ يوحنا المعمدانُ مباشرةً بمعموديةِ السيدِ المسيحِ في الأردنِ.

وقالَ عباسي، وهو أيضًا سفيرُ التحالفِ المعمدانيِّ العالميِّ لمنطقةِ الشرقِ الأوسطِ وشمالِ أفريقيا، إنَّ العرضَ الذي تمَّ في إطارِ الاستعدادِ للاحتفالِ بمرورِ ألفي عامٍ على هذه المناسبةِ المباركةِ «تميّزَ بروعةِ التنظيمِ، وجودةِ الأداءِ، والاستخدامِ المؤثرِ للمشاهدِ البصريةِ التي عززتْ رسالةَ العملِ عن المسيحِ، ملكِ الملوكِ والقائمِ من بينِ الأمواتِ، فكانَ مناسبةً تبعثُ على الفخرِ والتشجيعِ للإيمانِ المسيحيِّ. وكلُّ الشكرِ والتقديرِ للحكومةِ الأردنيةِ على اهتمامِها بإبرازِ هذا الإرثِ المسيحيِّ الأصيلِ، بما يعكسُ رسالةَ الأردنِ في صونِ الأماكنِ المقدسةِ وتعزيزِ قيمِ التعايشِ والانفتاحِ».

المرنمة ديما بواب: شعرت امام جمهورنا الأردني “بالراحة والاسترخاء”

وحولَ الكونسرتِ نفسِه، قالتِ المغنيةُ المنفردةُ ديما بواب لـ ملح الأرض التوتر المصاحب للأداء العلني يعتبر جزءاً من طبيعة العمل، وعادةً ما يتضاعف هذا الشعور عند عودتي إلى الديار بسبب الضغط الناجم عن الرغبة في التألق أمام الأهل والأصدقاء؛ غير أن الأمر اتخذ هذه المرة طابعاً مختلفاً، إذ امتزجت مشاعر الفرح والحماس لتمنحني القدرة على تقديم أداءٍ اتسم بالبراعة والسلاسة. لقد تمكّنتْ ديما بواب من تقديمِ أفضلِ ما لديها وهي تشاهدُ آلافَ الأشخاصِ يبذلونَ الوقتَ والجهدَ للوصولِ إلى هذا الموقعِ النائي لحضورِ حفلٍ موسيقيٍّ مميزٍ.

أعربتْ بواب عن سعادتِها وفخرِها بالفعاليةِ، رغمَ أنَّ التحديَ الأكبرَ تمثّلَ في ضبطِ الصوتِ بشكلٍ صحيحٍ في ظلِّ الرياحِ الخارجيةِ. وقالتْ: «نحنُ الموسيقيونَ نسعى للكمالِ، ونعتادُ على الإعداداتِ الصوتيةِ الداخليةِ المُعايرةِ، لذا كانَ الصوتُ تحديًا، لكنني أتمنى العودةَ إلى الأردنِ، ربما في عيدِ الفصحِ عامَ ٢٠٢٧، لتقديمِ المزيدِ من العروضِ، وربما في الهواءِ الطلقِ، وسنحتاجُ إلى إيلاءِ اهتمامٍ دقيقٍ للتعاملِ مع الصوتِ في الأماكنِ الخارجيةِ الصعبةِ».

حظيَ الحدثُ بدعمٍ من الاتحادِ الأوروبيِّ، وهيئةِ السياحةِ الأردنيةِ، والخطوطِ الملكيةِ الأردنيةِ، ومعهدِ غوته الأردنيِّ، وسفارةِ المجرِ في الأردنِ. وقد تمَّ العرضُ الموسيقيُّ، الذي نظمتْه جمعيةُ أصدقاءِ مهرجاناتِ الأردنِ تحتَ شعارِ «أصداءُ الإيمانِ، أصواتُ التراثِ»، بنجاحٍ مميزٍ، ولاقي إقبالًا وتشجيعًا من الجمهورِ الحاضرِ.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment