
السابق افتتاح مركز”مضافة بيت الحكمة ” -فرع الكمالية التابع للطائفة المعمدانية في الأردن

كتبت لانا جريس حبش
قد مضى عام على فراق بابا، لكن ما زلت أحن إليه كأنه فارقنا قبل عدة أيام. بمزيج من الحزن والفرح فكرت به كثيرا خلال هذا العام. اشتقت لسماع صوته كل مرة هاتفت الماما وتحدثنا. وفي كل مرة ذهبت للكنيسة أتذكر كلماته ووعظه وأشعر بالدافع للسير على خطاه في قراءتي ودراستي للكتاب المقدس.
حتى في المنزل نذكره كثيرا،خصوصا عند تناولنا الطعام حيث كان دائما يصلي لنا قبل كل وجبة، وعلمنا ترنيمة “الحمد للجواد” لنرنمها قبل الطعام. ومع أنها ترنيمة قديمة، قد أصبح لها معنى متعدد الأبعاد، لها كلمات غنية، كما تملؤنا بالفرح حين نصليها معا ونسمع اولادنا – أحفاده- يرنمونها باللغة العربية باتقان وثقة وفرح.
احيانا قد لا نريد ان نذكر مشاعرنا ولكن الأولاد يذكرون “سيدو” بكل سهولة و يملؤوننا بالأمل والحب خصوصا في بعدنا عن الأردن. يذكرون قصائد كان يرددها و يذكرون حزازير كان يكررها حتى أصبحوا يقولونها بأنفسهم. وعندما يلفت انتباهنا عصفور جميل و نقف لنتأمل فيه، أتذكر طفولتي كيف كان بابا يناديني بسرعة حتى أرى العصفور، خصوصا البلبل، واسمع صوته قبل أن يحلق ويختفي عن أنظارنا.

تعلمت الكثير من والدّي، كانا مثال رائع لزوجين يسيران في الحياة كفريق متناغم ومتناسق. يرفعان عائلتنا بالصلاة في كل مساء، حيث يذكرون كل فرد وكل احتياج كبير وصغير بإخلاص. حتى ان كان يومهم حافل ومتعب كانوا دائما يجدون الوقت للصلاة معنا . كل ما تعلمته عن الحكمة والتواضع والعدل كان من مراقبتي لبابا يعلّم ويعيش هذه المبادئ.
أتحيّر احيانا كيف سأعلم أطفالي هذه الدروس التي تعلمتها منه فقط بمشاهدتي له في حياته اليومية و تعليمه للكتاب. عندما كنت صغيرة، كنت أجمع له كل الأسئلة التي كانت تخطر ببالي. وكان دائما لديه الجواب الذي يشبع فضولي. وعند بلوغي أدركت أنها ليست مجرد اجوبة شخص بالغ لطفل صغير بل هي اجوبة حكيمة تنبع من فكر عميق، حيث في كل موضوع يجد الكلمات المناسبة.

ومع مرور الأيام عندما تصعب الأسئلة وتتعقد المواضيع كان ايضا لديه جواب، وإن لم يكن رد مباشر فلديه السؤال المناسب الذي يقود الحوار نحو الإجابة. الحكمة التي تعلمتها منه تتخطى المكان والزمان فهي طريقة للسلوك اليومي كسفير ليسوع المسيح بمحبة حقيقية نحو الجميع، كمحبة الله للإنسان المخلوق على صورته.
حتى السماء لم تعد كما عرفتها من قبل، فبمنظور جديد أفكر في الحياة الأبدية. الان بابا هو أول ما يخطر على بالي، أفكر به وهو في محضر الآب ، كم هو سعيد هناك يرى جمال الرب وجها لوجه. كما أشعر بالاشتياق لليوم الذي نلتقي معه هناك. حتى ذلك اللقاء ستبقى ذكراه قوية في قلبي .

كتب منصور ابورحمة
هي الذكرى التي تبقى وفيها نبذة قصيرة من حياة أثْرَت وأثَّرَت على من عاش قريباً منها.
جريس (ابو عودة) قارئاً نشيطاً و دارساً لكلمة الله و مُفَسّراً لها، فلا زيادةً عليها ولا إنقاص منها. وفي التعليم يتركُ للدارسين الحرية لفهم النص كما يأتي دون إلزام رأيه الشخصي عليهم، طالما الافكار تتوافق مع النص المدروس. نفتقد هذا المُعلِم ، واسع العلم والمعرفة والمتعامل مع تلاميذه وكأنه تلميذٌ معهم. عامود من أعمدة الكنيسة المحلية، استلم الرسالة ممن تعبوا وشاركوا في تأسيس الخدمة في الأردن.
كان له دور في تأسيس المجمع الإنجيلي الأردني وقد شغل منصب اول رئيس له ولفترة دورتين متتاليتين. كان أبو عودة أيضاً أولَ من فكَّرَ في وضع نظام للكنيسة المحلية ليكون مبنياً على كلمة الله وتوجيهها. إكتمل العمل وتمت الطبعة الأولى عام 2019، وهو من مؤسسي برنامج التعليم اللاهوتي بالامتداد.


شارك في عدة ندوات روحية هدفها بنيان الكنيسة، مجموعة وأفراداً ، دون أن يضع نفسه قائداً، بل فتح الباب بتواضع لكل من وجد في نفسه امكانية تقديم أفكار لِتَقَدُمْ العمل. تولَّى تلمذة كل مؤمن حديث في مجموعتنا بما في ذلك طالب المعمودية ليكن لديه مفهوماً وتطبيقاً ايمانياً، حتى لا يُقدِم المرء على هذه الخطوة دون فهم واضح للموضوع.
كان جريس حبش مشهوداً له في عمله اليومي في مؤسسة الإسكان ومناصب اخرى حساسة، وكان يُعهد له إنجاز المشاريع التي توكل له بأحسن وجه ورضاً من مسؤوليه ومصداقية وأمانة تامة.

هل أتحدّث عن شعور الفراق بصيغة المتكلم؟ أم هو شعور الكثيرين من معارفه وتلاميذه؟
عرفت جريس صاحب المبدأ الإيجابي في ايجاد الحلول للمشاكل المتعبة سواء كانت في الحياة الإجتماعية او الروحية. فكلمات الرب يسوع جاهزة في ذهنه لكل مناسبة أو موقف لتضيء الحلول و تجمع الأفكار حول تعليم الرب فيعود المجد لمن يستحق المجد.
أما اللقاءات البيتية لدرس الكلمة فنالت منه إهتماماً واسعاً و شملت مجموعاتٍ تفاوتت الأعمار والمستويات فيها ، من الكنيسة وخارجها. هل أختصر بكلماتي حياة رجل عاش أيامه منذ صباه مكرَّساً لربِّهِ ولعمل خدمته بكلمات بشرية لا تصف اختباراته وانفعالاته في السراء والضراء في أحلك الظروف وأقساها. كان صبوراً، بشوشاً، محباً… أفتقدُ أخاً ومشجّعاً في الخدمة دون فشل او خضوع للمفشلات.
تبارك إلهنا و مخلصنا
اقراء ايضا: الشيخ الكنسي جريس جبش 1944-2025 هنا


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!