Skip to content

الوصيّةُ حلّ إختياري. والكرةُ الآن في ملعبِ الكنائس

تاريخ النشر: أكتوبر 15, 2026 3:32 م
مقال

داود كتّاب – ملح الأرض

قبلَ أن ينشفَ الورقُ على قرارِ الحكومةِ الأردنيةِ إجراءَ تعديلٍ يسمحُ للمكوّنِ المسيحيِّ بأن يستفيدَ من موضوعَي الوصيةِ والتبنّي، خرجَ العديدُ من المعارضين علينا بمعلوماتٍ ومواقفَ وتحليلاتٍ بعيدةٍ كلَّ البعدِ عن الواقعِ.

ما قامتْ به الحكومةُ الأردنيةُ مشكورةً هو الالتزامُ القانونيُّ والأخلاقيُّ بالمادةِ 109 من الدستورِ الأردنيِّ، والتي تنصُّ في الفقرةِ (ب) على أنَّ لمجالسِ الطوائفِ الدينيةِ الأصولَ والأحكامَ المتعلقةَ بمسائلِ الأحوالِ الشخصيةِ.

وقد أقرّتِ الحكومةُ في 17 حزيران الماضي الأسبابَ الموجبةَ لإجراءِ تعديلٍ مقترحٍ مقدَّمٍ من مجلسِ رؤساءِ الكنائسِ في الأردنِ، وبالتوافقِ مع الأعضاءِ المسيحيين في مجلسَي الأعيانِ والنوابِ. وبموجبِ التعديلِ، تُضافُ فقرةٌ إلى نصِّ المادةِ 4 من القانونِ الأصليِّ، تنصُّ على أنه، وعلى الرغمِ مما وردَ في أيِّ قانونٍ آخرَ، تُعتبرُ من مسائلِ الأحوالِ الشخصيةِ للطوائفِ المسيحيةِ وتخضعُ لقوانينِها الكنسيةِ قضايا الزواجِ والطلاقِ والوصيةِ والتبنّي. ومن ثمَّ أحالتِ الحكومةُ التعديلَ إلى ديوانِ التشريعِ والرأي، الذي أعادَ الأمرَ مع إجراءٍ بسيطٍ يضيفُ موضوعَ الأموالِ غيرِ المنقولةِ إلى النصِّ.

ومن ثمَّ أقرّتِ الحكومةُ في 11 من الشهرِ الحاليِّ التعديلاتِ وإحالتَها إلى مجلسِ الأمةِ لإقرارِها.

إذًا، ما تمَّ هو فقط نقلُ ملفَّي الإرثِ والتبنّي وإضافتُهما إلى ملفَّي الزواجِ والطلاقِ لدى المسيحيين.

وفي حالِ إتمامِ المراحلِ الدستوريةِ من مجلسَي النوابِ والأعيانِ، وتوشيحِ التعديلِ بالإرادةِ الملكيةِ، وبعدَ مرورِ 30 يومًا من نشرِه في الجريدةِ الرسميةِ، سيكونُ قانونًا ساريَ المفعولِ.

ويفيدُ الأعيانُ والنوابُ ورؤساءُ الكنائسِ والقائمون على المشروعِ بعدةِ أمورٍ بديهيةٍ، ولكن يجبُ التأكيدُ عليها للجمهورِ العامِّ:

  1. الوصيةُ إجراءٌ اختياريٌّ وليستْ إجباريةً. ومن لا يريدُ أن يُصدرَ ويوقّعَ وصيةً، فهذا حقٌّ له أو لها، وستتمُّ العودةُ إلى تطبيقِ القانونِ ساري المفعولِ للأردنيين، والمبنيِّ على ما جاءَ في الشريعةِ الإسلاميةِ.
  2. كما أنَّ من المؤكدِ أنَّ شروطَ الوصيةِ لن تسمحَ بحرمانِ ابنٍ أو بنتٍ أو زوجٍ أو زوجةٍ.
  3. بناءً على تعديلِ ديوانِ التشريعِ والرأي، فإنه سيشملُ موضوعُ الوصيةِ في الإرثِ الأموالَ المنقولةَ وغيرَ المنقولةِ.
  4. لا يوجدُ أيُّ نصٍّ يحدّدُ أنَّ الوصيةَ ستشملُ فقط ثلثَ الأملاكِ والأموالِ.

رغمَ أنَّ هذه البنودَ المذكورةَ تُعتبرُ أساسيةً، فإنَّ هناك تفاصيلَ كثيرةً يجبُ أن يتمَّ الاهتمامُ بها للتقليلِ من الطعونِ وغيرها التي قد تصدرُ بعدَ البدءِ في تطبيقِ الوصيةِ. وهنا دعوةٌ صادقةٌ للمفكرين والقانونيين والنشطاءِ إلى ضرورةِ تلقّي ما جرى والبدءِ الفوريِّ بوضعِ أسسٍ ونماذجَ يُفضّلُ أن تكونَ موحّدةً لبياناتِ وشروطِ الإرثِ، بحيثُ يتمُّ إغلاقُ بابِ التشكيكِ والاتهاماتِ غيرِ الصحيحةِ.

وفي مجالِ التحضيراتِ لتطبيقِ آليةِ الوصيةِ، لا يزالُ هناك غموضٌ حولَ ما إذا كان سيتمُّ الاتفاقُ على نظامٍ وشروطٍ موحّدةٍ لكافةِ المسيحيين، أم سيتمُّ إنشاءُ نظامٍ وشروطٍ مستقلةٍ لكلِّ طائفةٍ على حدةٍ والمصادقةُ عليها.

يقولُ الكثيرون إنهم يفضّلون قانونًا مُلزمًا وواضحًا يوفّرُ المساواةَ بينَ الذكورِ والإناثِ، وهذا أمرٌ ممتازٌ لو توفّرَ الإجماعُ عليه. صحيحٌ أنَّ هناك أغلبيةً للفكرةِ، ولكن لا يوجدُ إجماعٌ، وكونُ النوابِ المسلمين موافقين على التصويتِ لصالحِ التعديلِ شريطةَ اتفاقِ كافةِ الأعيانِ والنوابِ.

لقد تمَّ التوافقُ والإجماعُ على الوصيةِ. قد تكونُ حلًّا وسطًا، ولكنه حلٌّ موجودٌ في كلِّ العالمِ، ومنه المجتمعاتُ المسيحيةُ. فالوصيةُ توفّرُ حريةً لمن يوقّعُ عليها لتوزيعِ ملكيتِه توزيعًا عادلًا كما يراه مناسبًا، دونَ الإجحافِ والحرمانِ. أمّا الإصرارُ على قانونٍ مُلزمٍ في وقتٍ لا تزالُ فيه قوى شدٍّ عكسيٍّ ترفضُ ذلك، فإننا سنبقى في موقعِنا ولن نتقدّمَ قيدَ أنملةٍ.

كثيرٌ من المعلّقين والمنتقدين لموضوعِ الوصيةِ لا ينوون إصدارَ وصيةٍ، وهذا حقُّهم. ولكن هل لديهم الحقُّ في منعِ توفيرِ الفرصةِ للعائلاتِ ذاتِ الذريةِ من الإناثِ، التي تنتظرُ منذُ سنواتٍ إجراءً يوفّرُ لها حمايةَ أملاكِها من الذكورِ من غيرِ العائلةِ المصغّرةِ؟

يقولُ العديدُ إنَّ التعديلَ لا يكفي، حيثُ إنَّ هناك تفاصيلَ عديدةً لتحديدِ الوصيةِ وشروطِها، ومن الصعبِ أن تقومَ بها كنائسُنا بسببِ غيابِ الخبرةِ والمعرفةِ. قد يكونُ هذا صحيحًا، ولكنه لا يكفي كحجةٍ لعدمِ الخوضِ في الموضوعِ والبحثِ المعمّقِ عن تجاربَ عالميةٍ، والعملِ على بحثِ كيفيةِ الاستفادةِ منها وتعديلِها إن كان ضروريًّا لكي تتلاءمَ مع مجتمعِنا ووضعِنا.

لقد قامتْ حكومةُ الدكتورِ جعفر حسان بما طُلبَ منها، ونتوقّعُ من الأعيانِ والنوابِ إقرارَ التعديلاتِ، ويبقى الحملُ الأكبرُ على رؤساءِ الكنائسِ والنشطاءِ والمحامين والخبراءِ للعملِ الفوريِّ وترتيبِ اجتماعاتٍ داخليةٍ وعرضِ ما ينتجُ عنها على المجتمعِ المسيحيِّ، ومن ثمَّ إقرارِه من الرئاساتِ الكنسيةِ.

إن نجاح التعديل في مسارته الدستورية يعد امرًا غاية الاهمية في الاعتراف بدور واستقلالية المكون المسيحي فيما يتعلق بإلاحوال الشخصية ويجب على الجميع النظر للامر الاهم وعدم تضخيم اي امر جانبي ليس في صلب هذه السابقة الهامة.

الكرةُ أصبحتْ في ملعبِكم، ولا يفيدُ الانتقادُ والتمنّي والاحتجاجُ. المطلوبُ عملٌ دؤوبٌ والخروجُ بنظامٍ واضحٍ وشروطٍ تشملُ كافةَ الاحتمالاتِ لكي نقلّلَ، إن لم نقلْ نُلغي كليًّا، أيَّ محاولةٍ للطعنِ في الوصايا المصدّقِ عليها في المستقبلِ.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment