Skip to content

المسيحيةُ في المشرقِ والأردن… جذورٌ عربيةٌ ضاربةٌ في التاريخ وشواهدُ حيّةٌ منذ القرنِ الأول

تاريخ النشر: أبريل 18, 2026 10:50 ص
WhatsApp Image 2026-04-17 at 1.51.20 PM

ليث حبش – ملح الأرض

في قراءةٍ تاريخيةٍ توثّقُ عمقَ الحضورِ المسيحيِّ في المنطقة، تتقاطعُ شهاداتُ الباحثِ في تاريخِ المسيحيةِ العربيةِ المهندس مشعلِ هلسة، مع ما أوردهُ القسُّ الدكتور حيدر هلسة، لتؤكّدَ أنَّ المسيحيةَ في المشرقِ العربيِّ والأردنِ ليست طارئةً، بل تمتدُّ جذورُها إلى البداياتِ الأولى للقرنِ الميلاديِّ الأول.

ويؤكّدُ المهندسُ مشعل هلسة أنَّ “المسيحيةَ نبتةٌ أصيلةٌ في المشرقِ العربي، جذورُها في فلسطينَ وبلادِ الشامِ والعراقِ والجزيرةِ العربية، وقد آمنت بها قبائلُ عربيةٌ منذ القرنِ الأولِ الميلادي، وهو ما يشكّلُ إرثًا تاريخيًا نفخرُ به اليوم”.

ويضيفُ في تصريحهِ لـ ملح الأرض أنَّ أولى الإشاراتِ إلى دخولِ المسيحيةِ إلى العربِ وردت في سفرِ أعمالِ الرسل، حيثُ “كان عربٌ ضمنَ الجموعِ الذين شهدوا حلولَ الروحِ القدس، وقد سمعوا البشارةَ وتفاعلوا معها، ثم نقلوها إلى قبائلِهم”، ما يعكسُ بدايةً مبكرةً لانتشارِ الإيمانِ المسيحيِّ بين العرب.

م. مشعل هلسة

الأردن في قلب البدايات المسيحية

من جهته، يوضّحُ القس الدكتور حيدر هلسة لـ ملح الأرض أنَّ الأراضيَ الأردنيةَ شكّلت امتدادًا مباشرًا لهذه البدايات، مشيرًا إلى أنَّ المسيحيةَ دخلت إلى شرقيِّ نهرِ الأردن منذ القرنِ الأولِ الميلادي، بل إنَّ السيدَ المسيحَ نفسَه عبر هذه المناطق، وهو ما تؤكّدُه نصوصٌ إنجيليةٌ تشير إلى تبعيةِ جموعٍ من “عبرِ الأردن” له خلال خدمته.

ويشدّدُ على أنَّ المسيحيةَ في الأردن كانت في بداياتِها “مسيحيةً واحدة”، أي امتدادًا للحركةِ الإيمانيةِ الأولى التي انطلقت من فلسطين، قبل أن تواجهَ موجاتٍ من الاضطهاد، انتهت مع صدورِ مرسومِ ميلانو عام 313م، لتبدأ مرحلةٌ جديدةٌ من الانتشارِ والتنظيمِ الكنسي.

القسُّ الدكتور حيدر هلسة

قبائلُ عربيةٌ حملت الإيمانَ ونشرتْه
وفي هذا السياق، يلفتُ المهندسُ مشعل هلسة إلى أنَّ بلادَ الشام، بما فيها الأردن، شهدت انتشارًا واسعًا للمسيحيةِ بين القبائلِ العربية، قائلًا إنَّ جلَّ القبائلِ العربيةِ التي هاجرت إلى بلادِ الشام من اليمنِ والجزيرةِ العربية ثبت تنصّرُها، واستمرَّ هذا الوجودُ المسيحيُّ حتى مجيءِ الإسلام.

ويضيفُ أنَّ من أقدمِ القبائلِ التي اعتنقت المسيحيةَ قبائلُ تنوخ وسليح في شرقِ الأردن خلال القرنينِ الرابعِ والخامس، ثم جاءت قبائلُ غسان وكلب وبنو عذرة وجذام وإياد وبهراء في القرنِ السادس، حيث ظهرت لديهم أسقفياتٌ وأديرةٌ وتنظيماتٌ كنسيةٌ واضحة.

ممالكُ عربيةٌ مسيحية… حضورٌ سياسيٌّ وديني
ويتابعُ هلسة مستعرضًا دورَ الممالكِ العربية، إذ يقول إنَّ ممالكَ عربيةً ذات طابعٍ مسيحيّ برزت مثل مملكةِ الأنباطِ في البتراء، التي دخلتها المسيحيةُ منذ القرنِ الأولِ الميلادي، إضافةً إلى مملكةِ الغساسنة التي تبنّت المسيحيةَ وأسست بنيةً كنسيةً واسعةً في بلادِ الشام.

ويشيرُ إلى أنَّ هذه الممالكَ لم تكن مجرّدَ كياناتٍ سياسية، بل لعبت دورًا محوريًا في ترسيخِ المسيحيةِ ونشرِها بين العرب، مع الحفاظِ على اللغةِ العربيةِ إلى جانبِ استخدامِ السريانيةِ في الطقوسِ الدينية.

اقرأ أيضا: “عبق بداية المسيحية العربية” لمؤلفه مشعل جميل هلسة

مدنٌ أردنية… شواهدُ حيّةٌ على التاريخ
من جانبه، يستعرضُ القسُّ الدكتور حيدر هلسة خريطةً واسعةً للمراكزِ المسيحيةِ في الأردن، والتي تعكس عمقَ هذا الحضورِ التاريخي.

ففي عمّان، يذكرُ أنَّ المدينةَ شهدت استشهادَ عددٍ من المسيحيين خلال اضطهادِ الإمبراطورِ ديوكلتيانوس، كما شارك أساقفتُها في مجامعَ كنسيةٍ كبرى. وفي أمِّ الجمال، يبرز وجودُ عددٍ كبيرٍ من الكنائسِ التي تعود إلى القرونِ الأولى، فيما تشهدُ جرش ازدهارًا معماريًا كنسيًا من خلال كنائسِها وفسيفسائها.

أمّا مأدبا، فتُعدّ من أبرزِ المراكزِ المسيحية، بفضلِ خارطةِ الفسيفساءِ الشهيرةِ في كنيسةِ مار جرجس، والتي توثّقُ جغرافيا المنطقة في القرنِ السادسِ الميلادي. كما يشيرُ إلى أهميةِ البتراء كمركزِ مطرانية، والعقبةِ (أيلة) كمقرٍّ أسقفيٍّ مبكر، إضافةً إلى مواقعَ أخرى مثل الكرك والربة وصوغر وحسبان وماعين، والتي جميعُها شهدت نشاطًا كنسيًا واضحًا.

هويةٌ متجذّرةٌ واستمراريةٌ تاريخية
ويختتمُ المهندسُ مشعل هلسة بالتأكيدِ على البعدِ الحضاريِّ لهذا التاريخ، قائلًا إنَّ هذا الامتدادَ التاريخيَّ للمسيحيةِ بين العرب، ووجودَها المبكر في الأردنِ والمشرق، يؤكّدُ أنها جزءٌ أصيلٌ من هويةِ المنطقة، وليس مجردَ مرحلةٍ عابرةٍ في تاريخِها.

فيما يرى القسُّ الدكتورُ حيدرُ هلسة أنَّ هذه الشواهدَ، من كنائسَ وفسيفساء وأسقفيات، تمثّلُ دليلًا حيًا على استمراريةِ الحضورِ المسيحيِّ العربي، ودورهِ في صياغةِ التاريخِ الثقافيِّ والروحيِّ للمنطقة.

اقرأ أيضا: “واشرقت شمس…” كتاب جديد يسرد جزء من التاريخ المسيحي في الأردن

استيطان القبائل العربية المسيحية في بلاد الشام والعراق قبل الاسلام

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment