
السابق أخبار الناس: الأب بدر والشيف خوري

ملح الأرض – ليث حبش
خلفيّةٌ تاريخيّة… التَّقويمُ وأثرُه على مواعيدِ الصَّوم
مع دخولِ الكنائسِ المسيحيّةِ زمنَ الصَّومِ الكبير، تتجدَّدُ الأسئلةُ حولَ الفروقاتِ بين الطَّوائفِ في مواعيدِ الصِّيامِ وطبيعتِه، خصوصًا في الأردن، حيث تتعايشُ الكنائسُ ضمنَ نسيجٍ اجتماعيٍّ واحد، وأنَّ جذورَ الاختلافِ تعودُ إلى اعتمادِ تقويمينِ مختلفين، هما التَّقويمُ اليوليانيُّ الذي أُقِرَّ في عهدِ يوليوس قيصر، ثمَّ التَّقويمُ الغريغوريُّ الذي أُدخِلَ عليه تصحيحٌ فلكيٌّ في عهدِ البابا غريغوريوس الثالث عشر بعد اكتشافِ خللٍ في الحساباتِ الزَّمنيّة. وقد تبنَّت الكنائسُ الغربيّةُ التَّقويمَ الغريغوريَّ، فيما حافظت الكنائسُ الشَّرقيّةُ على اليولياني، ما أدّى إلى فروقاتٍ في مواعيدِ بعضِ الأعياد، ولا سيّما عيدُ الفصح. ويشيرُ الأبُ جعارة إلى خصوصيّةِ الأردنِّ وفلسطين، حيث تمَّ الاتِّفاقُ على توحيدِ الاحتفالِ بعيدِ الميلادِ في 25 كانون الأوّل، فيما يُحتفلُ بعيدِ الفصح وفقَ الحسابِ الشَّرقي، حفاظًا على وحدةِ الجماعةِ المحليّة رغمَ استمرارِ الفروقاتِ السَّنويّة.

الكنيسةُ اللاتينيّة… الصَّومُ كعلاقةٍ شخصيّة
يوضحُ الأب خليل جعارة، كاهنُ اللاتين في رعيّةِ ماركا، في حديثِه لـ ملح الأرض أنَّ الصَّومَ في الكنيسةِ اللاتينيّة ليس مظهرًا دينيًّا أو استعراضًا للتَّقوى، بل علاقةٌ شخصيّةٌ بين الإنسانِ والله. ويستندُ إلى قولِ المسيحِ في إنجيلِ متّى: “ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كالمرائين”، مؤكّدًا أنَّ الصَّومَ يبدأ بأربعاءِ الرَّماد ويمتدُّ حتى عيدِ القيامة، مع الالتزامِ بالانقطاعِ عن اللَّحم يومي الأربعاءِ والجمعة، والسَّماحِ بتناولِ السَّمك.
ويوضحُ أنَّ الكنيسةَ لا تفرضُ الصَّومَ بالقوّة، بل تتركُه لضميرِ المؤمن، معتبرًا أنَّ الصَّومَ يقومُ على ثلاثةِ أركانٍ متلازمة، هي الصَّومُ والصَّلاةُ والصَّدقة، حيث يتحوَّلُ ما يوفِّرُه الصَّائمُ إلى دعمٍ للعائلاتِ المحتاجة عبر صناديقَ مخصَّصة خلال هذه الفترة. أمّا في الأيّامِ الثَّلاثةِ الأخيرة، خميسُ الأسرار والجمعةُ العظيمة وسبتُ النُّور، فتوصي الكنيسةُ بوجبةٍ واحدةٍ خفيفةٍ خاليةٍ من الدَّسم، تعبيرًا عن المشاركةِ الرُّوحيّة بآلامِ المسيح.

الرُّومُ الكاثوليك… انقطاعٌ وتدرُّجٌ روحي
من جهتِه، يوضحُ الأب بولس حدّاد، كاهنُ رعيّةِ الرُّومِ الكاثوليك في الفحيص، لـ ملح الأرض، أنَّ الصَّومَ يبدأُ بعد أحدِ المرافع، أي مرفعِ اللَّحم ومرفعِ الجبن، حيث يدخلُ المؤمنون تدريجيًّا في زمنِ التَّقشُّف. ويبيّن أنَّ الصَّومَ يتضمَّنُ انقطاعًا كاملًا عن الطَّعامِ والشَّراب من مساءِ اليومِ السَّابق حتى ظهرِ اليومِ التَّالي، ثمَّ يُسمحُ بتناولِ وجباتٍ خاليةٍ من كلِّ ما هو من أصلٍ حيوانيّ. ويمتدُّ الصَّومُ الأربعينيُّ من الاثنينِ بعد المرافع حتى الجمعةِ السَّابقة لسبتِ لعازر، يعقبه صومُ الأسبوعِ المقدَّس من مساءِ أحدِ الشَّعانين حتى سبتِ النُّور.
ويشيرُ إلى أنَّ يومَ الأحد يحتفظُ بطابعٍ خاصٍّ لأنَّه يومُ قيامةِ الرَّب، لذلك يمكنُ فيه تخفيفُ الصَّوم، في تعبيرٍ لاهوتيٍّ يجمعُ بين التَّقشُّف والرَّجاء.

الكنيسةُ الأرثوذكسيّة… تمهيدٌ تدريجيٌّ ومسيرةُ جهاد
أمّا في الكنيسةِ الأرثوذكسيّة، فيوضحُ الأرشمندريتُ د. ملاتيوس بصل، رئيسُ ديرِ القدّيسين يواكيم وحنّة في فلسطين، في حديثِه لـ ملح الأرض، أنَّ الصَّومَ الكبير لا يبدأُ بشكلٍ مفاجئ، بل يسبقه تمهيدٌ روحيٌّ وتدريجي. فالمؤمنون يدخلون أولًا في أحدِ مرفعِ اللَّحم، حيث يُمتنعُ عن اللُّحوم، ثمَّ يلي ذلك أحدُ مرفعِ الجبن، الذي يُتوقَّف فيه عن مشتقّاتِ الحليبِ والبيض، لتبدأ بعدها مباشرةً فترةُ الصَّومِ الأربعينيِّ الكبير بشكلٍ كامل.
ويؤكّدُ أنَّ هذا التَّدرُّج يهدفُ إلى إعدادِ المؤمنِ نفسيًّا وروحيًّا للدُّخول في زمنِ التَّقشُّف، بحيث لا يكونُ الصَّومُ مجرّدَ قرارٍ لحظي، بل مسيرةً تصاعديّةً في ضبطِ النَّفس. وخلال الصَّومِ الكبير، يمتنعُ المؤمنون عن السَّمك طوال أيّامِ الصَّوم باستثناء عيدِ البشارة وأحدِ الشَّعانين، باعتبارهما محطّتَي فرحٍ ضمنَ المسيرةِ النَّسكيّة. كما يُصامُ عن الزَّيت في معظمِ أيّامِ الأسبوع، ويُسمحُ به غالبًا يومي السَّبتِ والأحد، فيما يُمارسُ الصِّيامُ الانقطاعيُّ من منتصفِ اللَّيل حتى السَّاعةِ الثَّالثة بعد الظُّهر تقريبًا، تذكيرًا بساعةِ صلبِ المسيح.
ويشدِّدُ الأرشمندريتُ بصل على أنَّ الهدفَ من كلِّ هذه الممارسات ليس الحرمانَ الجسديَّ بحدِّ ذاتِه، بل ضبطُ الأهواءِ، والتَّوبةُ الصَّادقة، وتكثيفُ الصَّلاة، وممارسةُ الرَّحمة، معتبرًا أنَّ الصَّومَ هو عبورٌ روحيٌّ من الضَّعف إلى القوّة، ومن الحزنِ إلى رجاءِ القيامة، لينتهي الزَّمنُ المقدَّس بليلةِ الفرحِ الكبرى حين تُعلنُ الكنائس: “المسيحُ قام… حقًّا قام”
تنوّعُ الطُّقوس… وحدةُ الهدف
ورغمَ التَّفاوتِ في تفاصيلِ الممارسةِ بين الكنائسِ اللاتينيّة والرُّوم الكاثوليكيّة والأرثوذكسيّة، تتّفقُ جميعُها – كما أكّد ضيوفُ “ملح الأرض” – على أنَّ الصَّومَ زمنٌ مقدَّسٌ لإعادةِ ترتيبِ العلاقةِ مع الله والاستعدادِ لعيدِ القيامة، أهمِّ الأعيادِ في الإيمانِ المسيحي.
وفي الأردن، حيثُ تتجاورُ التقاليدُ الكنسيّةُ ضمنَ مجتمعٍ واحد، يظهرُ هذا التنوّعُ بوصفِه غنًى روحيًّا يعكسُ تعدّديّةَ الطُّقوسِ ووحدةَ الإيمان، لتبقى القيامةُ الهدفَ المشتركَ الذي يجتمعُ حولَه الجميع، حتى وإن اختلفت طُرقُ المسيرِ نحوَه.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!