Skip to content

الرّبّ معتصم الفقير

تاريخ النشر: نوفمبر 5, 2026 5:09 م
image

بقلم: الخوري جوزف سويد -الوكيل البطريركيّ للكنيسة المارونيّة في المملكة الأردنيّة الهاشميّة.
راعي الموارنة في الأردن وخادم رعيّة مار شربل عمّان

أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء، أكتب إليكم اليوم لا لأقرأ لكم ما جاء في رسالة قداسة البابا لاوون للفقراء، بل لأتأمّل معكم في ندائها، ولأضع بعض أسئلتها على باب قلوبنا ورعيّتنا ووطننا.

يضع قداسة البابا لاون الرّابع عشر أمامنا كلمة المزمور: «الرّبّ معتصم الفقير». وأفهم منها أنّ الله لا يقف بعيدا عن الإنسان المتعب، ولا يسكت أمام ظلمه؛ بل يصير له ملجأ وسندا، ويدعونا نحن أيضا أن نكون مكانا آمنا لمن فقد الأمان.
الفقر أنواع. فمنه فقر الخبز والمسكن واللّباس والدّواء، ومنه فقر العلم والفرص والعمل الكريم. ومنه فقر الكرامة، حين يهمّش الإنسان أو يسلب صوته وحقّه. وهناك فقر قد لا تراه العين: فقر السّلام، وفقر الأمان، وفقر الرّجاء.
نحن في الأردنّ نعرف قيمة الأمن والسّلام؛ ونعرف كم يحتاجهما الإنسان ليعيش مطمئنّا، وكم يؤلمنا أن يمسّ أحد أبناء الوطن بأذى. واليوم، وقلبنا يحمل خبر استشهاد رجل أمن في عمّان، نرفع الصّلاة من أجله ومن أجل أسرته ورفاقه، ومن أجل الأردنّ كلّه. ولا ننسى ما ألمّ بالكرك من عنف واعتداء إرهابيّ، وما تركه من جراح في قلوب الأسر والمجتمع.
فنحن نشحذ السّلام والأمان من الرّبّ القدير: نطلبهما منه بصلاة صادقة، ونعمل لحمايتهما بكلمة حقّ، وبعدل ورحمة، وبرفض الكراهية والتّطرّف. فالأمان ليس أمرا نسلّمه للآخرين وحدهم؛ إنّه مسؤوليّة نحملها معا، والسّلام يبدأ حين نصون حياة الإنسان وكرامته، ونحرس وحدة أبناء الوطن.
يذكّرنا البابا لاون 14 أيضا بأنّ صرخة الفقير قد تخنق باللّامبالاة وبالأحكام المسبقة، وأنّ علينا أن نتوقّف عندها ونصغي. فصرخة أبنائنا اليوم هي صرخة المنسيّين والمتروكين والمهمّشين؛ صرخة المحتاجين إلى المال والخبز والكساء؛ صرخة المريض الّذي يعجز عن تكاليف علاجه، والأطفال المحرومين من المدرسة والتّعليم، والمسنّ الّذي يعيش وحده، وكلّ من حكم عليه بالفقر واليأس. وهي صرخة من يعملون في ظروف قاسية لا تليق بكرامة الإنسان، وصرخة العائلات الّتي تخشى أن ينقطع عنها الدّواء أو قوت اليوم. وهي أيضا صرخة من لا يجد من يصغي إليه، أو من يخاف أن يطلب المساعدة لئلّا يهان.
ولكلّ هذا يقول المزمور: «هذا المسكين صرخ، فاستمع له الرّبّ» (المزمور ٣٤: ٧). ويقول الرّبّ يسوع: «طوبى للمساكين بالرّوح، فإنّ لهم ملكوت السّماوات» (متّى ٥: ٣). ويذكّرنا الكتاب أنّ الرّحمة للمحتاج عمل يصل إلى الله: «من يرحم الفقير يقرض الرّبّ» (الأمثال ١٩: ١٧).
إنّ الفقير ليس رقما في قائمة، ولا حقيبة نملؤها بما لا نريد. وكم نحتاج أن نسأل أنفسنا بصدق: هل نعطي الفقير ممّا يحفظ كرامته، أم ندفع إليه ما نتخلّص منه؟
إنّ الطّعام الفاسد واللّباس الّذي لا يليق به لا يصيران عطيّة بمجرّد أنّنا قدّمناهما.
الفقير ليس أقلّ منّا شأنا؛ إنّه أخ وأخت، وصاحب كرامة، ومن حقّه أن نخدمه باحترام فائق.
وقد ذكّرنا القدّيس منصور دي بول أنّ «الفقراء هم أسيادنا». وأن نحبّهم ونخدمهم باحترام. فهم لا يحتاجون إلى يد تمسك بالعطيّة فقط؛ بل إلى قلب يسمعهم ويجلس إلى جانبهم ويشركهم في الحياة. وكم من فقير يعطينا بصبره وإيمانه وكرمه أكثر ممّا نظنّ أنّنا نعطيه.

ويضع البابا أمامنا دعوة واضحة: «أن تكون الجماعة المسيحيّة بيتا يجد فيه الفقير مكانا وخبزا وصحبة ورجاء».
وأنا أقولها كراع وكيل: «لا يكفي أن نتكلّم عن الفقر؛ علينا أن نعرف أصحابه، ونسمع حكاياتهم، ونسعى معهم إلى ما يصون كرامتهم. فخدمة المحبّة ليست عملا جانبيّا في حياة الكنيسة، بل شهادة على الإيمان الّذي نعلنه».
وإلى المسؤولين في الوطن نرفع صوت الضّمير: إحموا حقّ الإنسان في العيش الكريم، وأصغوا إلى الفئات الأشدّ حرمانا، واعملوا لتكون الخدمات والفرص أقرب إلى من هم بحاجة إليها. وإلى كلّ قادر على العطاء نقول: لا تملّوا من العطاء، ولا تجعلوه فضلة؛ أعطوا من وقتكم ومحبّتكم وخيراتكم بسخاء واحترام.
وإلى رجال الأمن وكلّ من يسهر على سلامة النّاس، نقدّم الصّلاة والشّكر. نذكر اليوم الرّجل الّذي استشهد في عمّان، ونطلب التّعزية والقوّة لأسرته، ونضع أمام الله ضحايا العنف في الكرك وجميع من تألّموا. لنحزن برجاء، ولنحفظ حزننا من أن يتحوّل إلى كراهية؛ فلا يشفي جرح الوطن إلّا العدل والحقّ ومحبّة الإنسان.
أيّها الإخوة والأخوات،
نحن فقراء إلى السّلام والأمان، ونشحذهما من الرّبّ القدير. ونحن فقراء إلى قلب يرحم، وإلى يد تخدم، وإلى ضمير لا يسكت عن الظّلم. فلنطلب من الله ما نحتاج إليه، ولنكن نحن أيضا أداة سلامه ورحمته.
عندما نلمس المريض والمحتاج، نقترب من المسيح المتألّم. وعندما نصغي إلى الفقير، ونحفظ اسمه ووجهه وكرامته، نعلن أنّ المحبّة فعل وموقف. فلنكن حيث يحتاج النّاس إلينا، ولنعمل بصمت وأمانة، ولتتكلّم أعمالنا.
إنّ العالم متعب بجراحه، وأردننا يحتاج إلى كلّ قلب يحبّه ويصون أبناءه. فلنجعل من رعيانا ملجأ للفقير، ومن بيوتنا أماكن للرّحمة، ومن كلماتنا دعوة إلى السّلام، ومن أعمالنا شهادة للمحبّة.
الرّبّ معتصم الفقير؛ فلنكن، بمعونته، سندا للمتروك، وصوتا للمظلوم، ويدا للمحتاج، ورسلا للسّلام في أردنّنا الحبيب.
كلمات من قلب الخدمة.
وفي ختام هذه الكلمة، أريد أن أضع أمامكم أقوالا أحملها في قلبي، وأربطها بما نعيشه من دعوة إلى خدمة الفقراء:
• القدّيس منصور دي بول كان يقول للرّاغبين في الإنضمام إلى رهبنته: «عليكم ألّا تنسوا أبدا، يا أولادي، أنّ الفقراء هم أسيادنا. وأن نعمل ما يأمروننا به». ويقول أيضا: «ألا تعتقدون أنّنا، من جهة أخرى، كثيرا ما نعامل الفقراء كأكياس نفايات نرمي فيها كلّ ما لسنا بحاجة إليه أو لا نريده، كالطّعام الّذي لا نحبّه أو الّذي بدأ يفسد؟». فالمأكولات الّتي انتهت مدّة صلاحيّتها والّتي قد تؤذينا نرميها في سلّة النّفايات، أو بمعنى آخر نعطيها للفقراء. كذلك الأمر بالنّسبة للملابس الّتي بطلت موضتها والّتي لا نرغب في ارتدائها مرّة أخرى، نعطيها للفقراء. هذا لا يظهر أيّ احترام لكرامة الفقراء؛ وهذا بعيد جدّا عن اعتبارهم أسيادنا، كما علّم القدّيس منصور دي بول رهبانه؛ إنّه بالحريّ اعتبارهم أقلّ شأنا منّا».
شكرا لكاريتاس الأردن وكل الجمعيّات والجماعات الرّسوليّة ولنساء العمل الرّعويّ الإجتماعيّ اللّواتي يقمن بخدمة الفقراء، وشكرا لكلّ المساهمين في خدمتهم. صرخة الرّعيّة اليوم هي من صميم التزامنا بخدمة المحبّة التّفضيليّة للفقراء، والسّعي قدر المستطاع لتأمين عيشهم بكرامة.
صرختنا اليوم:
• هي صرخة المنسيّين، والمتروكين، والمهمّشين.
• هي صرخة الفقراء المحتاجين إلى مال وخبز وكساء.
• هي صرخة المرضى الّذين يموتون في بيوتهم لعدم قدرتهم على تحمّل تكاليف العلاج.
• هي صرخة ذوي الاحتياجات الخاصّة…
• هي صرخة المتقاعدين والمحرومين من أجورهم…
• هي صرخة الأطفال المحرومين من مدرسة وتعليم…
• هي صرخة مئات الآلاف من الّذين حكم عليهم بالفقر واليأس…
• هي صرخة الموظّفين والأساتذة والمعلّمين، والممرّضات والممرّضين، والعاملين الاجتماعيّين والمساعدين الطّبّيّين، والعسكريّين والقوى الأمنيّة…
• هي صرخة الّذين يعملون في ظروف عمل قاسية لا تليق بكرامة الإنسان، بسبب إهمال المسؤولين في الدّولة وتقاعسهم وفسادهم.
• هي صرخة المسؤولين عن المؤسّسات: مديري المدارس، ورؤساء الجمعيّات الإنسانيّة والاجتماعيّة، ورؤساء المراكز الصّحّيّة ودور استقبال المسنّين، وخدّام المحبّة المجّانيّة.
• قدّاسنا اليوم هو صلاة قلبيّة لإسماع أنين الفقراء والدّفاع عن حقوقهم. هذه الصّرخة هي صرخة الضّمير الرّعويّ والوطنيّ؛
نوجّهها أوّلا إلى المسؤولين في العالم، ليتحمّلوا مسؤوليّاتهم تجاه الفئات الأكثر حرمانا، ويضعوا حدّا لهذا الظّلم، ويقوموا بواجباتهم تجاه شعوبهم.
• نوجّهها ثانيا إلى كلّ متموّل… خائف من الخسارة…
• نوجّهها ثالثا إلى كلّ مؤمن، ليرجع ويتذكّر فلس الأرملة… ونعمة العشور…
ولنتأمّل معا في ما قالته الأمّ تيريزا دي كالكوتا، وأوردته في كتابي عنها: »الحبّ ثمرة كلّ المواسم« إذ قالت:

  • أسألكم أمرا واحدا: »لا تملّوا من العطاء، ولكن لا تعطوا فضلاتكم. أعطوا حتّى يوجعكم العطاء. أعطوا إلى أن تشعروا بالألم. «
  • »الفقراء عظيمون، الفقراء رائعون، الفقراء كرماء جدّا؛ إنّهم يعطوننا أكثر بكثير ممّا نعطيه نحن لهم. «
  • »أشكر الفقراء، لأنّهم أولوني شرف خدمتهم. «
  • »علينا أن نكون حيث لا يجرؤ الآخرون. «
  • »عندما نلمس المريض والمحتاج، نكون قد لمسنا جسد المسيح المتألّم. «
  • »لا يجب أن نخدم الفقراء كأنّهم يسوع. علينا أن نخدم الفقراء لأنّهم يسوع. «
  • »كثر الكلام؛ دعونا نعمل بصمت، ولير الآخرون أعمالنا. «
  • »إن وجد فقراء على سطح القمر، فسنذهب إلى هناك أيضا. «
  • »الله لم يخلق الفقر؛ نحن الّذين خلقنا الفقر. أمام الله نحن كلّنا فقراء. «
  • »العالم جلجلة مفتوحة؛ جلجلة كلكوتا هي جلجلة شرقنا المتالّم. «

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment