Skip to content

مقال: “لن يُنقذنا أحد: لحظة الحسم لمسيحيي المشرق”

تاريخ النشر: يونيو 26, 2026 6:12 م
الصورة بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي مقترحة من مؤلفي المقال

الصورة بالتعاون مع الذكاء الاصطناعي مقترحة من مؤلفي المقال

بقلم: جاك نصار وإحسان سلايطه*

على مدى عقود طويلة، عاش مسيحيو المشرق على أملٍ راسخ بأن الغرب المسيحي سيكون سندًا لهم في أوقات المحنة. وكلما اشتدت الأزمات، توجّهت الأنظار نحو العواصم الغربية على أمل أن “الإخوة في الإيمان” لن يتركوا الكنائس المشرقية تواجه مصيرها وحدها.

غير أن التجربة التاريخية، بكل ألمها، كشفت محدودية هذا الرهان. ففي اللحظات المفصلية، غابت الحماية الحقيقية، وحضرت البيانات والتعازي والصلوات الباردة والتبرعات الرمزية وبعض المساعدات الإنسانية، فيما بقيت معاناة المسيحيين في المشرق بلا معالجة جذرية.

“أنتم لستم ضحايا محكومين بالانقراض.انتم أبناء كنيسة صمدت أمام حروب واضطهادات لألفي عام”.

واليوم، بات واضحًا أن مستقبل الوجود المسيحي في هذه الأرض لا يمكن أن يُبنى على انتظار تدخل خارجي، مهما حسنت النوايا. وهذه الحقيقة، على قسوتها، ليست هزيمة، بل بداية نضج ووعي ومسؤولية.

جراح مفتوحة في أكثر من وطن
لقد تكلّم التاريخ بوضوح لا لبس فيه. ففي محطات حاسمة، تُرك مسيحيو المشرق إلى حدّ كبير يواجهون مصيرهم وسط انشغال القوى الكبرى بمصالحها الجيوسياسية والاقتصادية والعسكرية وصفقاتها الاستراتيجية.

في العراق، أدّت الحروب الغربية والفوضى منذ عام 2003 إلى إحدى أكبر عمليات النزوح الديني في التاريخ الحديث، حيث انخفض عدد المسيحيين من نحو مليون ونصف إلى أقل من مئتي ألف. وسهل نينوى، مهد المسيحية العراقية، أصبح شبه خالٍ من أهله.

وفي سوريا، واجه المسيحيون سنوات الحرب بضعف الحماية وقلّة الدعم، فيما تهدّمت كنائس ومدن وقرى عريقة. مَن بقي يعيش في خوف دائم، ومَن رحل لم يعد.

أما في فلسطين، فيستمر النزيف الصامت للوجود المسيحي، خاصة في القدس وبيت لحم والناصرة. وفي ظل الاحتلال الاستعماري، ونظام الفصل العنصري، ومصادرة الأراضي، وتقييد الحركة، وخنق الاقتصاد، وإرهاب المستوطنين، تتضاءل أعداد المسيحيين يومًا بعد يوم. فالكنيسة الأم، في أرض المسيح ذاته، تُخنق ببطء أمام أعين العالم.

وفي مصر، يعاني الأقباط من تمييز وعنف متكرر، من حرق الكنائس إلى الاعتداء على البيوت والقرى المسيحية، بينما يبقى الضغط الدولي محدود الأثر ومتقطعًا.

أما في لبنان والأردن، فالتحدي مختلف الشكل لكنه واحد في الجوهر. ففي لبنان، حيث كان المسيحيون يومًا أغلبية، يواجهون اليوم هجرة كاسحة بفعل الأزمة الاقتصادية، وانهيار الدولة، وتآكل الاستقرار، والتدخلات الخارجية، والحروب. وفي الأردن، ورغم الاستقرار النسبي الذي يميّزه عن جواره، يبقى القلق حاضرًا من التحولات الديموغرافية والاقتصادية التي قد تؤدي إلى تقلّص الحضور المسيحي على المدى الطويل.

والقاسم المشترك بين هذه السياقات المختلفة هو شعور متزايد بأن مسيحيي المشرق تُركوا، إلى حدّ بعيد، ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم.

لم تعد الوحدة ترفًا فكريًا أو شعارًا أخلاقيًا رومانسيًا. الوحدة اليوم ضرورة وجودية

الوحدة الداخلية: من التنوع إلى القوة المشتركة
لم تعد الوحدة ترفًا فكريًا أو شعارًا أخلاقيًا رومانسيًا. الوحدة اليوم ضرورة وجودية. وهي لا تعني إلغاء التنوّع الطقسي والتراثي الغني في كنائس المشرق المختلفة — من الأقباط إلى السريان، ومن الموارنة إلى الكلدان والآشوريين، ومن الأرمن والروم الأرثوذكس إلى الكاثوليك واللاتين والبروتستانت والإنجيليين وغيرهم — بل تحويل هذا التنوّع الجميل إلى قوة مشتركة وشهادة موحّدة.

الانخراط الوطني: المواطنة لا الانعزال
في الوقت عينه، لا يمكن أن تكون هذه الوحدة انعزالًا أو انسحابًا من المجتمعات التي نعيش فيها. على العكس تمامًا، فإن جزءًا أساسيًا من بقاء المسيحيين هو نضالهم من داخل أوطانهم ومجتمعاتهم من أجل مواطنة كاملة، ومساواة حقيقية، ودول مدنية ديمقراطية وعلمانية تحمي الجميع دون تمييز. والانخراط الكامل في المجتمع لا يعني الانصهار أو التخلي عن الهوية الدينية أو الخجل منها.

لا مستقبل لنا كـ”أقليات محمية” أو طوائف مُتسامَح معها. فهذا النموذج، من نظام الملل العثماني إلى الحماية الطائفية الحديثة، أثبت فشله الذريع. كان دائمًا مؤقتًا وهشًا، يتهاوى أول ما تتغير موازين القوى، ويتركنا رهائن للخوف والابتزاز السياسي والحزبي والطائفي.

إن الدولة المدنية والعلمانية ليست تهديدًا لهويتنا المسيحية، بل الضمانة الأمتن لبقائها. فالخبرة التاريخية تؤكد أن الوجود المسيحي لا يُصان بالامتيازات الطائفية ولا بالاستقواء بالخارج، بل بالحقوق المتساوية، وسيادة القانون، والمشاركة الوطنية الكاملة والمسؤولة.

مسارات عملية مطلوبة: من الشعار إلى الفعل
لتحويل الوحدة من شعار إلى واقع حي، لا بد من خطوات ملموسة وعاجلة تتحرك من الصوت إلى الفعل، ومن الوعي إلى التأثير:

أولًا، تأسيس تنسيق كنسي مشرقي وعربي دائم يجمع البطريركيات والكنائس في القضايا المصيرية المشتركة، بعيدًا عن الخلافات الطقسية أو التنافسات التاريخية. فالصوت الموحّد يُسمع أقوى من أصوات كثيرة متفرقة.

ثانيًا، بناء حضور إعلامي مسيحي عربي ومشرقي موحّد وواضح، وإنشاء منصات إخبارية مسيحية ووطنية شاملة بلغات مختلفة، تروي قصتنا بصوتنا لا بصوت الآخرين. ففي عصر الإعلام الرقمي، مَن لا يروي قصته، يُروى عنه ما يُراد.

ثالثًا، تشجيع الشباب على الانخراط في الشأن العام لا الهروب منه. نحن بحاجة إلى جيل مسيحي يشارك في السياسة والإعلام والأكاديميا والحقوق والاقتصاد والمجتمع المدني والقوات الشرطية والعسكرية، لا جيل ينتظر الهجرة.

رابعًا، دعم مؤسسات تنموية وتعليمية وتراثية وصحية تُثبّت الناس في أرضهم. فالبقاء مقاومة، والعودة انتصار. وكل مدرسة مسيحية، وكل مستشفى، وكل مؤسسة ثقافية أو تنموية، هي خط دفاع عن الوجود.

خامسًا، إنشاء مراكز اجتماعية ونفسية وتأهيلية متخصصة لمعالجة المشاكل العائلية، خاصة في أمور الإرث والطلاق وغيرها، والعمل على تشجيع الشباب على الزواج، وتعزيز ثقافة اجتماعية تدعم تكوين الأسر والاستقرار وزيادة الإنجاب.

سادسًا، تنظيم وتوحيد جهود المسيحيين في بلدان الاغتراب للدفاع عن قضايا المشرق. فعشرات الملايين من مسيحيي المشرق في أميركا الشمالية والجنوبية وأوروبا وأستراليا والخليج العربي يمتلكون نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا وأكاديميًا يمكن توظيفه لخدمة هذه القضية.

سابعًا، بناء لوبي مسيحي مشرقي وعربي منظّم وقوي في العالم العربي والمهجر، يؤثّر سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وإعلاميًا. فعصرنا هو عصر المصالح المنظمة. الضعيف يُسحق، والمنظّم يُسمع، والقوي يُحترم.

وهذه المسارات لا تُضعف الدور الروحي للكنيسة، بل تعزّزه عبر شهادة متجسدة في التاريخ والواقع، وكنيسة حاضرة في قلب معاناة شعبها وأمله.

فلسطين: امتحان الضمير المسيحي
تبقى فلسطين في قلب هذا التحدي. فالكنيسة التي وُلدت فيها، والتي شهدت ميلاد المسيح في بيت لحم وقيامته في القدس، لا يمكن أن تكون مسألة هامشية في الوعي المسيحي المشرقي.

إن دعم المسيحيين الفلسطينيين، والحفاظ على حضورهم، ورفع الصوت من أجل العدالة والسلام، والوقوف ضد الظلم والاحتلال والهرطقات الدينية الصهيونية، هو جزء لا يتجزأ من الشهادة الإنجيلية في منطقتنا. فلسطين ليست قضية سياسية فحسب، بل قضية إيمان وضمير وهوية. إن صمتنا عن فلسطين هو خيانة لإيماننا، وجذورنا، وإخوتنا، وتاريخنا.

رسالة إلى الشباب المشرقي والعربي
أيها الشباب، في الوطن والمهجر، أنتم اليوم أمام مسؤولية تاريخية لا تُعاد. لا تنتظروا حلولًا جاهزة من الخارج، بل اصنعوا مستقبلًا يقوم على الوحدة، والمواطنة الكاملة، والإيمان المتجذّر في هذه الأرض.

لا يجدي نفعًا البكاء على الأطلال، بل العمل من أجل حياة ووطن أفضل.

تعلّموا تاريخكم جيدًا. احفظوا لغاتكم — العربية، والسريانية/الآرامية الحديثة، والقبطية، والأرمنية وغيرها — واعرفوا تراثكم الغني. لكن لا تكونوا سجناء الماضي، بل كونوا بناة المستقبل. فلا يجدي نفعًا البكاء على الأطلال، بل العمل من أجل حياة ووطن أفضل. أنتم لستم ضحايا محكومين بالانقراض. أنتم ورثة حضارة، وأبناء كنيسة صمدت أمام الإمبراطوريات والغزوات والحروب والاضطهادات لألفي عام. وإن كنتم في المهجر، فلا تنسوا جذوركم. فالمشرق يحتاجكم، وصوتكم، ومواردكم، ونفوذكم.

الوقت الآن
قد تكون الحقيقة المؤلمة أننا لن نُنجى بتدخل خارجي. لكنها في الوقت نفسه حقيقة مُحرِّرة، تعيد إلينا زمام المبادرة والمسؤولية. تحرّرنا من وهم الانتظار، وتضعنا أمام حقيقة الفعل. فبوحدتنا، وبإيماننا، وبعملنا المشترك من أجل أوطان عادلة تتسع لجميع أبنائها، يستطيع مسيحيو المشرق أن يواصلوا شهادتهم التاريخية، لا كجماعات خائفة منكمشة، بل كخميرة رجاء وملح الأرض في قلب هذا الشرق المتألم.

إما أن نتوحد فننجو، أو نتشتت فنندثر.

المشرق ينتظر قرارنا. فلسطين تنادي ضميرنا. والتاريخ لا يرحم المتقاعسين ولا المترددين. الوقت الآن. القرار لنا. والمسؤولية على عاتقنا جميعًا. أنتم لستم ضحايا محكومين بالانقراض. أنتم ورثة حضارة، وأبناء كنيسة صمدت أمام الإمبراطوريات والغزوات والحروب والاضطهادات لألفي عام. وإن كنتم في المهجر، فلا تنسوا جذوركم. فالمشرق يحتاجكم، وصوتكم، ومواردكم، ونفوذكم.

الوقت الآن. القرار لنا. والمسؤولية على عاتقنا جميعًا.

******************************************************************

جاك نصار كاتب فلسطيني مسيحي يكتب عن القضية الفلسطينية من منظور ديني وحقوقي واجتماعي، مع تركيز خاص على واقع مسيحيي فلسطين والمشرق وتحديات حضورهم التاريخي والمعاصر. نُشرت مقالاته في منصات دولية، من بينها Baptist Standard و Catholic Herald و Baptist News Global وChurch Times وPremier Christianity Magazine يحمل درجة الماجستير في الاتصال السياسي من جامعة لندن، ويشغل منصبًا قياديًا في القطاع الخاص، إلى جانب تأسيسه وإدارته لـ”مؤسسة مودة فلسطين”، وهي مؤسسة مجتمعية تُعنى بالتماسك الاجتماعي والمناصرة والحوار بين الأديان. للتواصل: jacknassar@aol.com

إحسان سلايطه محامٍ ومحكّم تجاري معتمد، عضو جمعية المحكمين الأردنيين، وعضو الاتحاد العربي لحقوق الملكية الفكرية. يشغل منصب الممثل الإقليمي للمرصد الآشوري لحقوق الإنسان – السويد (Motala). حاصل على شهادة من معهد Nyköping الجامعي – السويد، وعلى دبلوم الشرع الكنسي من جامعة الحكمة – لبنان. عضو رابطة مسيحيي المشرق.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment