Skip to content

هل تعاني بعض النساء المسيحيات في المشرق من ظاهرة إعادة إنتاج الثقافة الذكورية؟

رابط المقال: https://milhilard.org/rofk
متلازمة-ستوكهولم-..-كيف-يمكن-للضحية-أن-تتعاطف-مع-جلادها؟-1-1
رابط المقال: https://milhilard.org/rofk

داود كُتّاب

سطا عام 1973، جان إيريك أولسون على بنك “كريديت بأنكن” أحد أكبر البنوك في العاصمة السويدية ستوكهولم، واتخذ أربعة موظفي البنك رهائن.، طلب من الشرطة فدية قيمتها 700 ألف دولار وسيارة وإطلاق سراح صديقه من السجن لمساعدته. احتجز أولسون وصديقه الرهائن لمدة ستة أيام في إحدى الغرف المحصنة بالبنك، والعجيب أن الرهائن بعدما حررتهم الشرطة من أيدي الخاطفين، رفضوا الإدلاء بشهادتهم ضدهما في المحكمة، والأغرب أنهم شرعوا في جمع الأموال للدفاع عنهما.

لجأت شرطة ستوكهولم إلى الطبيب النفسي نيلس بيجيروت الباحث في علم الجريمة، تحليل رد فعل الرهائن المحير تجاه خاطفيهم. وصاغ بيجيروت مصطلح “متلازمة ستوكهولم”(Stockholm Syndrome) لتفسير فكرة التلاعب بعقول الرهائن أو الضحايا أو بالأحرى “غسل أدمغتهم”.

سردت هذه القصة بعدما فوجئت في الأيام الأخيرة رفض عدد من السيدات المسيحيات قرار مجلس رؤساء الكنائس المساواة في الإرث بين الذكور والإناث. غالبية النساء والرجال أيدبقوة (93 % من استفتاء موقع العشائر المسيحية لأكثر من ألف شخص أيد المساواة) ولكن هنا نريد أن نحلل سبب الأقلية النسوية المعارضة لقرار هو في الجوهر لمصلحتهن.

ففي محاولة لمعرفة رد فعل عدد من المواطنين قام مصور ملح الأرض خلال مهرجان فني في إحدى المحافظات بسؤال حول رأي الحضور بموضوع المساواة في الإرث المسيحي. فوجئنا من رد فعل عدد من السيدات. الجميع رفض الحديث امام الكامير، ولكن عددا من السيدات قدمن دفاعا مستميتا عن الوضع القائم، المجحف للمرأة، في توزيع الإرث، أي أن امرأة عربية مسيحية ترفض تحقيق حقها ولها قناعة بأنها لا تستحق ذلك!!

قد أفهم صدور مثل هذا التعليق لدى رجال متسلطين يرغبون بالحفاظ على منافع أو أشخاص غير مثقفين أو محافظين بصورة مبالغ فيها، ولكن أن نسمع مثل هذا الكلام من أشخاص مثقفين ويدعوا أنهم منفتحون فإن الأمر يجبرنا العودة للأطباء النفسيين لتفسير هذه الظاهرة.

يقول الأطباء النفسيون إن متلازمة ستوكهولم تنشأ في البداية عندما يتحول ارتياح الرهينة عند انتهاء التهديد من خاطفيهم إلى مشاعر الامتنان تجاه الخاطف لمنحه حياته أو حياتها.

كما أثبتت حادثة السطو على البنك أن مرحلة التغيير لم يستغرق سوى بضعة أيام. ففي فترة قصيرة تم ترسيخ هذه العلاقة وتبني آراء الخاطف، مما يثبت أن رغبة الضحية في الحياة، والاستمرار على الوضع، تفوق الرغبة في كره الشخص الذي خلق الموقف السلبي.

قد يتعرض الشخص لسوء المعاملة والتهديد الشديد من قبل الخاطف أو المعتدي، لكنه يعتمد عليهما أيضا للبقاء والتمتع النسبي في الحياة، فإذا كان المعتدي لطيفا فقد تتمسك الضحية بهذه الصفة من قبل المتسلط كوسيلة من أجل البقاء خلال فترة الاحتجاز، ولكن المحير هو استمرار هذا الشعور بعد الانتهاء من حالة التهديد.

قد لا يكون مثال متلازمة ستوكهولم هو التشبيه المناسب. ويشير بعض الخبراء في موضوع النسوية عن دراسات خبراء نفسيين في العلوم الاجتماعية مثل ميشيل فوكو وبير بوردو والذين نشروا كتبًا عن الهيمنة الذكورية والسلطة وكيف أن المسلط عليه يعيد إنتاج الهيمنة والثقافة الذكورية. المهيمن قد يكون الأبيض على الأسود أو الرجل على المرأة بحيث يعتبر المتضرر نفسه مسؤولا عن إعادة إنتاج الثقافة السلطوية ويصبح أحيانا سطوة الأسود على الأسود أكثر من سطوة الأبيض على الأسود.

تصل المشكلة لتقبله من قبل النساء على أن زوجها أو أخاها على حق، وأنها هي المشكلة بسبب عدم قيامها بالعمل المنزلي، أو عدم الطهي المناسب، أو غير ذلك من الحجج الواهية.

ولكن عودة للوضع الحالي فكيف يمكننا معالجة الفكر الذكوري المهيمن على بعض (وأكرر بعض) السيدات يسودها فكر عفا عليه الزمن. والسؤال المهم لدينا: هل ينطبق هذا الأمر هنا؟ لا أعتقد أن النساء المعارضات للمساواة (وهم قلائل على فكرة) مهددين أو مضطهدين بصورة خطيرة، لكن من المؤكد أنه تم إشباعهن وإقناعهن بالفكر الذكوري والذي يعتمد على دور الرجل في حماية المرأة وتوفير ما تحتاج.

يقول البعض انه هناك حالة واسعة من العنف المنزلي على النساء والذي يتم إخفاؤه وتصل المشكلة لتقبله من قبل النساء على أن زوجها أو أخاها على حق وأنها هي المشكلة بسبب عدم قيامها بالعمل المنزلي أو عدم الطهي المناسب أو غير ذلك من الحجج الواهية.

كما وسمعنا عن قصص كثيرة لنساء في الأيام الأولى من وفاة والدهم يأتيهم الأخ ويقنعهم بالتنازل عن حقوقهن في الميراث (رغم أن حصتها نصف حصة الرجل) بقولهم لهن: “ما تخافي بندير بالنا عليكي “. وفي خضم الوضع النفسي تقوم النساء المسيحيات بتخارج حصتهم النصفية تمشيا مع الفكر الرجعي أن زوجها وعائلته هم “غرباء!” وبعد مرور السنوات يتخلى الأخ والذكور في العائلة عن أختهم رغم تلك الوعود وتبقى المرأة في حصره من قرارها.

مشكلة التخارج من قبل النساء أصبحت ظاهرة مقلقة في المجتمع المسيحي لغاية أن المحاكم الكنسية قامت بوقف أي قرار تخارج أراض وأملاك سوى بعد مرور على الأقل شهر (وهناك من يطالب أن تمتد فترة الامتناع لثلاثة أشهر) من وفاة صاحب الأرض أو الأملاك لكي يكون قرار المرأة عن وعي وليس في ساعات الحزن على وفاة الوالد.

لا شك اننا امام ظاهرة محزنه تتطلب التوقف والبحث والوعي. يقول العلماء إن الأمر يتطلب توعية وأحيانا تغييرًا في الأجواء والعلاقات والتواصل مع أشخاص آخرين غير المعتاد عليهم، والاستماع إلى تجارب مختلفين.

قد يكون من الضروري على الحركات النسوية والمجتمع المدني والنشطاء التقدميين دورًا مهما في البحث المعمق في هذه الظواهر وتقديم برامج توعوية لتلك النساء لمعرفة حقوقهن والدفاع عنها ومحاربة الفكر الذكوري المهيمن والذي يبدون أنه قد أصبح يعكس متلازمة ستوكهولم أو غيرها من نظريات هيمنة السلطة الذكورية. فهل من مجيب؟

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

Skip to content