Skip to content
Skip to content

الغذاء والدّواء -حقٌ- وليسا سِلَعًا للمفاوضات مع الاحتلال

تاريخ النشر: يوليو 21, 2025 6:22 م
JAZZERACOVER

عن الجزيرة الإنجليزي

داود كُتّاب

قصفَ في 17 تمّوز الجيش الإسرائيليّ كنيسة اللّاتين في غزّة، ممّا أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ما لا يقلُّ عن عشرةٍ. وكان من بين الجرحى كاهن الرعيّة، غابرييل رومانيلي، الّذي اعتاد إجراء اتصالاتٍ شبه يوميّةٍ مع البابا الرّاحل فرنسيس.

عقب الهجوم، صدرت بياناتُ إدانةٍ. ووصفته رئيسة الوزراء الإيطاليّة جيورجيا ميلوني بأنّه “غير مقبول”. وقال البابا ليو إنّه “يشعر بحزنٍ عميقٍ” إزاءه – وهو تصريحٌ اعتبرهُ الكثيرون “غامضًا” و”جبانًا”. سارعَتِ الحكومة الإسرائيليّة إلى إعلان “أسفها” للهجوم.

وسط الغضب العالميّ، تمكَّنَتِ البطريركيّة اللّاتينيّة في القدس من التّفاوض مع مسؤولي الكنيسة لزيارة المجتمع المسيحيّ، وتوصيل كمّيّاتٍ محدودةٍ من الطّعام والدّواء للعائلات المسيحيّة والمُسلمة على حدٍّ سواء، وإجلاء بعض الجرحى لتلقّي العلاج خارج غزّة.

هذه الأعمال الإنسانيّة، وإنْ كانَتْ موضع ترحيبٍ من المُحتاجين في غزّة، إلّا أنَّها علامةٌ أخرى على الفشل الدّوليّ.

لماذا يجب أنْ يتحقَّق إيصالُ الطّعام والماء والدّواء للمواطنين العُزَّل من خلال المُفاوضات؟ لماذا تخضع الحقوق الأساسيّة المنصوص عليها في القانون الدّوليّ للمُساومات السّياسيّة؟.

يُقدِّر الفلسطينيّون جهود قادة الكنيسة تقديرًا عميقًا. تعكس أفعالهم الرّحمة والوضوح الأخلاقيّ. لكن لا ينبغي أنْ تكون هذه الخطوات ضروريّةً. فبموجب القانون الإنسانيّ الدّوليّ، تقع على عاتق قوى الاحتلال التزاماتٌ مُلزمةٌ تجاه الشَّعب الخاضع لسيطرتها. لا يُمكن اعتبار تأمين الوصول إلى الغذاء والماء والدّواء والخدمات الأساسيّة منحةً خيريّةً، بل واجباتٍ قانونيّةً.

تنصُّ اتفاقيّة جنيف الرّابعة لعام ١٩٤٩ وقواعد لاهاي لعام ١٩٠٧ بوضوحٍ على وجوب حماية المدنيين في الأراضي المُحتلّة وتزويدهم بالخدمات الأساسيّة، لا سيّما عندما تُسيطر قوّة الاحتلال على الوصول إلى الحدود والبنية التّحتيّة والموارد الحيويّة. إنَّ منع أو تأخير المُساعدات ليس عملًا لاإنسانيًّا فحسب، بل يُعدُّ جريمة حربٍ.

كما يحظر القانون الدّوليّ على قوّة الاحتلال ترحيل السُّكّان المحلّيّين قسرًا أو توطين مواطنيها في الأراضي المُحتلّة، وهي مُمارساتٌ تواصلُ إسرائيل مُمارستها في غزّة والضفّة الغربيّة دون عِقاب. يجب على المُحتلّ ضمان وصول المُساعدات الإنسانيّة دون انقطاعٍ، دون أيّ تأخير أو شروطٍ سياسيّةٍ أو مُقايضاتٍ قسريّةٍ.

لقد أخفقَتْ إسرائيل في الامتثال لجميع هذه التُّهم. ولكن بدلًا من مواجهة عواقب استخدامها للعقاب الجماعيّ، وأساليب التّجويع، والهجمات على البنية التّحتيّة المدنيّة -الكنائس، والمُستشفيات، والمخابز، والمدارس- تحصل إسرائيل على تنازلات مقابل التعهُّد بالامتثال للمعايير القانونيّة الأساسيّة. ثمَّ تُسوِّق هذه “الصّفقات” على أنَّها “نجاحاتٌ” دبلوماسيّةٌ من قِبَل القوى الّتي تُشارك فيها.

خلال محاضرةٍ ألقاها مؤخَّرًا في عمّان، كشف سفير الاتّحاد الأوروبيّ لدى الأردن، بيير كريستوف تشاتزيسافاس، عن ذلك. ووفقًا له، أدَّتْ “مُناقشات” الاتّحاد الأوروبيّ بشأن اتخاذ إجراءاتٍ بشأن عدم امتثال إسرائيل لأحكام حقوق الإنسان في اتفاقيّة الشّراكة بين الاتحاد الأوروبيّ وإسرائيل إلى “ضغطٍ سياسيٍّ فعّال”. ونتيجة لذلك، “وافقَتْ” إسرائيل على السّماح بزيادة إيصال المواد الغذائيّة والمُساعدات، والوقود اللّازم للكهرباء وتحلية المياه، وإصلاحات البنية التّحتيّة، وإعادة فتح الممرّات الإنسانيّة عِبر مصر والأردن، ووصول عُمّال الإغاثة والمراقبين التّابعين للأُمم المُتّحدة. أدّى هذا الاتّفاق إلى تعليق 10 عقوباتٍ مُقترحةٍ من الاتّحاد الأوروبيّ. ووصفَتْ مُنظّمة العفو الدّوليّة هذه الخطوة بأنَّها “خيانةٌ قاسيةٌ وغير قانونيّةٍ” لمبادئها المُعلنة.

تكمن مُشكلة هذه “الصّفقة” في أنَّ إسرائيل لا تُطبِّقُها، كما فعلَتْ مع جميع الاتفاقيّات السّابقة. ووفقًا لمصادر أوروبيّة نقلتها وسائل الإعلام، لا تسمح إسرائيل إلّا بدخول 80 شاحنة يوميًّا، بينما تحتاج غزّة إلى أكثر من 500 شاحنة. ومن غير الواضح ما إذا كانت 80 شاحنة تدخل بالفعل، وما هو حجم المساعدات الّتي تصل بالفعل إلى مستحقّيها.

تهاجم العصابات قوافل المُساعدات بانتظام، ويطلق الجيش الإسرائيليّ النّار على أيّ شخص يحاول حماية هذه الشّاحنات من اللّصوص.

تدقُّ وكالات ومنظّمات مُختلفة ناقوس الخطر بشأن وباء سوء التغذية الّذي يفتك بالأطفال يوميًّا. فالمجاعة حقيقة واقعة، حتّى وإنْ لم تعلن الأمم المُتّحدة، تحت الضّغط، عن ذلك بعد.

في هذه الأثناء، تواصل القوّات الإسرائيليّة والمُرتزقة الأجانب قتل طالبي المُساعدات في مواقع التّوزيع الّتي تُديرها مؤسَّسة غزّة الإنسانيّة (GHF) المدعومة من إسرائيل، والّتي أُنشِئَتْ لسحب وظائف وكالات الأمم المُتّحدة، وأبرزها الأونروا، وكالة الإغاثة التّابعة لها للّاجئين الفلسطينيّين. قُتِلَ ما يقرب من 900 شخص في هذه المواقع مُنذ بدء عمليّات GHF في أواخر مايو.

إذا لم يتحرَّكْ الاتّحاد الأوروبيّ ككلّ، فإنَّ الدّول الأعضاء ستتحمَّل المسؤوليّة القانونيّة. على الأقل، ينبغي على الدّول الأوروبيّة تعليق عمليّات نقل الأسلحة، وحظر التّجارة مع المُستوطنات غير الشّرعيّة، وإنهاء التّعاون مع المؤسَّسات المتواطئة في الاحتلال والفصل العنصريّ. هذه ليسَتْ مواقف سياسيّة اختياريّة، بل هي التزامات قانونيّة. وهذا ينطبق على بقيّة العالم.

إنَّ خطر مُناشدة إسرائيل للسّماح بدخول المُساعدات بدلًا من إجبارها عليها عبر العقوبات واضح: فعندما تُغضّ الطّرف عن جرائم الحرب مُقابل تخفيف مؤقَّت، يصبح الإفلات من العقاب أمرًا طبيعيًّا. ويصبح التجويع سلاحًا مقبولًا في الحرب. وتتحوَّل أرواح المدنيين إلى أوراق مُساومة.

يجب على المجتمع الدّوليّ -بما في ذلك الاتحاد الأوروبيّ والمؤسَّسات الكنسيّة وقادة العالم- أنْ يواصل تقديم التّعاطُف والمُساعدة. لكن هذا لا يجب أنْ يحلَّ محلّ العدالة. يجب أنْ تقترن الرّحمة بالعزيمة: يجب أنْ تلتزم إسرائيل بالتزاماتها القانونيّة والأخلاقيّة. يجب ألّا يُعامل الفلسطينيّون -مسيحيّون ومُسلمون- كبيادق، بل كبشر لهم الحقّ في الكرامة والأمان والسّلام.

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

No comment yet, add your voice below!


Add a Comment