
السابق مذبحةُ الأبرياءِ: التاريخُ يعيدُ نفسَه

كتب الخوري جوزف سويد -الوَكِيلُ البَطريركيّ للكنيسة المارونيّة في الأردن
بعدَ رحلةٍ طويلةٍ في المسرحِ والسِّينما والإعلامِ والحوار، رحلةٍ اتَّسمتْ بالبحثِ، والأمانةِ، والمثابرةِ، والصَّلاة، أجدُ نفسي اليومَ أمامَ تجربةٍ فنيّةٍ وروحيّةٍ تستحقُّ التوقّفَ عندها بامتنانٍ واحترامٍ. إنّه لقاءٌ مع فريقٍ محترفٍ تجاوزَ عملُه حدودَ الشاشاتِ والجغرافيا، ليصلَ إلى القلوب، لا بوصفِه إنتاجًا فنيًّا فحسب، بل شهادةً حيّةً على ما يمكنُ أن يبلغه الفنُّ حين يُصاغُ بالضَّميرِ، والجمالِ، والحقيقةِ.
لقد قدَّم فريقُ The Chosen نمُوذَجًا نَادِرًا في الإخراجِ والسَّردِ والإِنتَاجِ؛ نَمُوذجًا لا يكتفي بتصويرِ الإيمان، بل يخدمُه بوعيٍ ومسؤوليّةٍ. أَضافَ هذا العملُ قيمةً حقيقيّةً إلى عالمِ السِّينما والتِّلفزيون والحوارِ الرُّوحيّ، وذكَّرنا بأنَّ الفنَّ، حين يكونُ متجذِّرًا في النَّزاهةِ، قادرٌ على أن يتحوَّلَ إلى مساحةِ لقاءٍ، وتأمُّلٍ، ونعمةٍ.
أعادَ The Chosen الكرامةَ والعمقَ إلى السَّردِ الإيمانيّ. فكلُّ خيارٍ إبداعيّ – من الضَّوءِ، إلى الصَّمتِ، إلى الإيقاعِ، إلى الأداءِ – موجَّهٌ بعنايةٍ ليخدمَ اللقاءَ مع يسوعَ المسيح، لا ليطغى عليه. نحنُ أمامَ عملٍ لا يعتمدُ الإبهارَ لذاتِه، بل أمامَ رؤيةٍ تشكَّلتْ بإتقان.
وبالنِّسبةِ لعددٍ كبيرٍ من المشاهدين، لم يعدْ The Chosen مجرَّدَ مسلسلٍ تلفزيونيّ، بل صارَ مساحةً حيّةً للتأمُّلِ، والحوارِ، والصَّلاةِ، وحتّى الشِّفاءِ الدّاخليّ. وهذا بحدِّ ذاتِه إنجازٌ عميقٌ ونادرٌ في زمنٍ تتراجعُ فيه الأعمالُ القادرةُ على الجمعِ بين الجودةِ الفنيّةِ والصِّدقِ الرُّوحيّ.
من موقعِ خبرةٍ تمتدُّ لأكثرَ من ثلاثةٍ وثلاثين عامًا في الإعلامِ المرئيِّ والمسموع، وإعدادِ وتقديمِ برامجَ ثقافيّةٍ وإيمانيّةٍ على الشاشاتِ اللُّبنانيّةِ والأردنيّة، وفي كتابةِ أعمالٍ موسيقيّةٍ ومسرحيّةٍ وتلفزيونيّةٍ، أسمحُ لنفسي بمشاركةِ تأمُّلٍ مهنيٍّ صادقٍ.
عندما ظهرَ The Chosen في بداياتِه، قلتُ باحترامٍ إنَّه لا يمكنُ أن يحلَّ مكانَ Jesus of Nazareth ، ذلك العملِ الذي شكَّلَ ذاكرةَ أجيالٍ، ومن بينها جيلي. غيرَ أنَّ الزَّمنَ، والمشاهدةَ المتأنِّيةَ، والنَّزاهةَ المهنيّةَ، تفرضُ علينا أحيانًا إعادةَ النَّظر، لا بدافعِ المقارنةِ، بل بدافعِ الحقيقةِ.
بعدَ متابعةٍ دقيقةٍ وانخراطٍ نقديٍّ جادّ، وصلتُ إلى قناعةٍ راسخةٍ: إنَّ The Chosen ليس في منافسةٍ مع الأعمالِ السّابقة، بل هو مرشَّحٌ لأن يكونَ علامةً فارقةً ومفصليّةً في تاريخِ السِّينما والتِّلفزيون الإيمانيّ. إنَّه عملٌ يتحدَّثُ بلغةٍ معاصرةٍ دون أن يخونَ الإنجيل، ويُكرِّمُ التَّقليدَ مع جرأةٍ إنسانيّةٍ نادرةٍ، ويدعو إلى الإيمانِ دون أن يفرضَه. هذا التَّوازنُ بالغُ الصُّعوبة، نادرُ الحدوث، وقويُّ التَّأثير.
في زمنٍ يبحثُ فيه الإنسانُ عن المعنى وسطَ الضَّجيج، يأتي The Chosen كتجربةٍ فنيّةٍ وروحيّةٍ تؤكِّدُ أنَّ اللقاءَ ما زال ممكنًا، وأنَّ الحكايةَ لم تُقفَلْ بعد.
************************
الوَكِيلُ البَطريركيّ للكنيسة المارونيّة في المملَكَِة الاردُنيّة الهاشِمِيَّة الخوري جوزف سويد– إعلاميّ وكاتب ومسرحي ومؤلّف مُوسِيقِيّ، عمل في إعداد وتقديم برامج تلفزيونيَّة عِدَّة على الشَّاشات اللّبنانيَّة والأردنيّة لأكثر من 33 عامًا، واهتمّ في مسيرته بالحِوار بين الفنِّ والإيمان، وبقضايا السَّرد الدِّيني في المسرح والسِّينما.


تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.
No comment yet, add your voice below!