Skip to content

 مأدبا تودع شيخها الوقور سلامة حنا الكرادشة (أبو خلدون)

رابط المقال: https://milhilard.org/43sz
تاريخ النشر: يونيو 25, 2024 1:24 م
cpoverabukhaldoun
رابط المقال: https://milhilard.org/43sz

جرى يوم الاثنين 24-6-2024 خدمة وداع وجنازة سلامة حنا الكرادشة (أبو خلدون) الذي انتقل إلى الأمجاد السماوية عن عمر يناهز 94 عام. وشارك في خدمة الجناز القس سهيل عودة مدانات والقس عماد شحادة والقس جليل معايعة. وقام زيدون الكرادشة ابن الراحل بإلقاء كلمة العائلة فيما شاركت حفيدة الراحل أسيل حنا الكرادشة بالعزف على آلة الكمنجة بمرافقة ترانيم الجناز مع العازف سلام عميش. ومن الجدير بالذكر أنه وبناء على رغبة الراحل أقيم الجناز في ساعة متأخرة من بعد الظهر ولم تقدم وجبة الطعام التقليدية خلال العزاء الذي تبع الجناز.

ملح الأرض تنشر كلمات الوداع للقس سهيل مدانات وكلمة العائلة لزيدون سلامة الكرادشة

من اليمين القس جليل المعايعة والقس سهيل مدانات والقس عماد شحادة
من اليمين القس جليل المعايعة والقس سهيل مدانات والقس عماد شحادة

 القس سهيل مدانات: “عرفته على مدى أربعين عامًا، وفيه رأيت معنى الرجولة”

القس سهيل عودة مدانات*

نجتمع اليوم حول جثمانِ رجلٍ أحببناه جميعًا، وفارقَنا بالأمس. نجتمع لا لنقولَ له وداعًا، بل إلى اللقاء، هناك في المجد.

كلمة واحدة تختصر خصال أبو خلدون، وأعتقد أن كل من عرفه يوافقني عليها: رجل. عرفته على مدى أربعين عامًا، وفيه رأيت معنى الرجولة. عرفتُه وعرفناه رجلاً مكتنزًا بالإباءِ والكرامة؛ بالكرمِ والمروءةِ والشهامة؛ بالمحبةِ والرحمةِ والتضحية. تحمّل المسؤوليةَ مبكرًا بعد وفاةِ والدِه فكان خيرَ معيلٍ لوالدتِهِ وإخوانِهِ وأخواتِهِ لسنوات طويلة، وضَعهم فيها قبلَ نفسِه فكان لهم خيرَ ابنٍ وأخٍ وأب. خدم في الجيش العربي فكان شجاعًا مغوارًا، وفيًا في أداء مهامهِ، وذكيًا مجتهدًا في اختصاصهِ. عرفناه قليلَ الكلامِ كثيرَ الفعل، يعمل بصمتٍ وإنكارِ نفس. كان قليلَ الكلامِ لكنه كلما تكلمَ، نطَقَ بكلماتِ الحكمة فكان الجميعُ ينصتون ويمتثلون. وكان شيخًا لعشيرتِه الأصيلة، والتي تشرفتُ بنسَبها، فكان خير الشيوخ وأكثرَهم وقارًا واحترامًا، وكان صوتَ الحكمة، وبؤرةَ مصالحةٍ وتوحيدٍ لأبناء العشيرة.

ومع الفاضلة الوفية أم خلدون، رفيقةِ الدربِ الطويلِ المضني، بنى بيتًا مسيحيًا مبنيًّا على محبةِ الربِ وخوفِهِ، ومزيّنًا بتلك الصفاتِ التي زرعاها معًا فيه، فكان الأبناءُ والبناتُ نتاجًا مشَرِّفًا للتربيةِ المسيحيةِ الأصيلة. لم يخبرْني أحد عن ذلك، بل رأته عينايَ واختبرتُه بأقرب ما يكونُ القرب، في عبير، نصفي الآخر، المرأة الفاضلة التي ثمنهُا فاق اللآلئَ ويفوقُها. شكرًا على هديتِكما الأجمل لي وعلى صفاتها الأصيلة. ثم رأيت هذه الصفات في خلدون، وفي جمانة، وفي حنا، وفي شيرين، وفي زيدون … ستةُ بيوتٍ تحملُ اليومَ إرثَ هذا الرجلِ العظيم، مبنيةٌ كلُها على أساسِ المسيحِ المتين. وعن خلدون، لم أر ابنًا أكرم أباه في سنوات ضعفه كما أكرمه هو، متحليًا بصفاته، بتفانٍ قلّ نظيرُه، وبصمت.

تحلى أبو خلدون بكلِّ هذه الفضائل، لكنه لم يعتبرْها برّاً ذاتيًا يطالبُ على أساسِه باستحقاق سماءِ الأبدية، بل أدرك بأنه خاطئٌ، مثلي ومثلُك، لا تخلِّصه أعمالُه، بل يحتاجُ فداءَ المسيحِ وخلاصِهِ بنعمتِهِ الغنيةِ المجانية، فسلّم قلبَه وحياتَه بتواضعٍ وحكمةٍ للفادي طالبًا غفرانَهُ، ونالهُ. لم يفعلْ كرجل الدينِ الفَريسيِّ الغبيِّ المتكبر الذي ‏وَقَفَ يُصَلِّي متباهيًا ببرِّه الذاتي قائلاً: “اَللَّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي ٱلنَّاسِ ٱلْخَاطِفِينَ ٱلظَّالِمِـينَ ٱلزُّنَاةِ.‏ أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي ٱلْأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ”. لكنه فعلَ كما فعلَ العشّارُ الذي َوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ وهو لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ ٱلسَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ تائبًا وقَائِلاً: “ٱللهُمَّ ٱرْحَمْنِي، أَنَا ٱلْخَاطِئَ”، فنَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّراً دُونَ ذَاك.

أرجوك. لا تمت وأنت حاملٌ خطاياك، لأن واحدةً منها كفيلةٌ أن تلقيك في ظلمةِ الهاوية الأبدية بعيدًا عن مجدِ الله. ألقها اليوم على صليب الفادي يسوع، وخذ منه صكَّ الغفرانِ الأبدي؛ خذ منه مجانًا شيك القيامة موقعًا بيده، وسيقيمك في لحظةِ مجيئه القريب، والقريب جدًا.

أبو خلدون ألقى ذنوبَه على الصليب، وظُهرَ الأمسِ غادرنا مغسّلاً بدم الفادي، لا يحمل ولا خطيةً واحدة؛ غادرنا حرًّا بارًا ببر المسيح، حاملاً شيئّا واحداً يسوى الحياةَ من أجلِهِ ويسوى الموتَ من أجلِه، هو أثمنُ كنزٍ يمكن أن يحملَه إنسانٌ معه: صكَّ الغفرانِ الكامل ووعدَ القيامةِ المجيدة. غادرَنا ليكونَ مع المسيح، مستمتعًا بجمالِه، مبتهجًا بمجدِه، ومنبهرًا ببريقِ عينيه المشعتين بحبه العجيب، منتظرًا ذلك اليومَ البهيج عندما يصرفُ شيك القيامة فيقومُ بجسده، ليس بضعفه هذا، بل جديدًا ممجدًا لامعاً كجسدِ يسوع المقام، الذي أنارَ الحياةَ والخلود في فجر ذاك الأحد ثم صعد إلى المجد. هناك نلتقي عن قريب.

*القس سهيل مدانات صهر الراحل

كلمة عائلة الكرادشه

من اليمين القس جليل المعايعة، زيدون الكرادشه، القس سهيل مدانات، القس عماد شحاده

زيدون سلامه الكرادشة: أبو خلدون، لم يكن عادياً بأي شيء بل بكل شيء. قلب غير عادي يتسع لمحبة الكل

أبو خلدون! لم يكن عادياً بأي شيء بل بكل شيء!
فطفولته لم تكن عادية، فتحمّل مسؤوليات كبيرة في عُمر صغير، حمل حِمل العائلة والأخوة والوالدة! فكان الأخ والإبن والمعيل في آن واحد.

دخل الجيش ولم يكن عادياً فخدم بعمر صغير جداً، تألق مع رفاقه، حمل على صدره خدمة الوطن والجيش! فتعلّم الإصرار والمثابرة وعدم الإستسلام.

بالحب لم يقبل بحب عادي، فكان الرفيق والصديق والزوج الأمين! عينه على رفيقة الدرب ليلي…يقدم خدماته ومحبته بلا كلل لأكثر من ٦٣ سنة..فكان زوج غير عادي أولويته الأولى والأخيرة الزوجة والعائلة! حتى آخر أيامه كان يتابع بوكسات البندورة والكوسا وعروض اللحمة ويتأكد أن غاز المطبخ مليان!

بالعائلة لم يقبل بعائلة عادية صغيرة فأحب فكرة العائلة الكبيرة، أراد منزل ملىء بالحيوية، محشور، كثير الأحداث…خلّف وربّى وكبّر وعندما تسأله عن فكرة العائلة الكبيرة يقول “لو عاد بي الزمن لضاعفت العدد.”

مع أولاده لم يكن أب عادي، فكان عسكري بقوانينه، حازم بتربيته، قوي بقرارته، فاخرج ٦ أولاد قادة، الكل يشهد لهم، وأولهم الإبن البكر الذي وقف بجانبه في كل أمراضه كجيش من الممرضين والخداّم والباقي تعرفونهم.

مع أحفاده لم يكن جد عادي، فكان يفرح بهم، يقدم بسخاء عند كل مناسبة وموقف، فرح بتعليّمهم ودعمهم وحتى فكّر بزواجهم بآخر أيامه…ومع أنسبائه كان لهم الوالد قبل أن يكون الحمى! فكان أيضاً غير عادي.

بالتعلّم غير عادي ، رفض أن يكون متأخر، فأخذ دورة بالكمبيوتر بعمر ال 80 ودخل عالم السوشال ميديا بينما ما زلنا نستكشفه، رفض الجهل الديجاتيلي، فأصبح فطحل العشيرة يحفّز من بعمره بالدخول لهذا العالم الإفتراضي واصبح منتنفسه اليومي حتى ختم لعبة الألغاز اليومية فطحل العرب.

مواقفه غير عادية! نعم قد تكون حادة، ولكن صادقة وبلا لف ودوران…فكان رجل المواقف، شيخ العيلة وصاحب الكلمة الأولى والأخيرة.

أبو خلدون تعابيره غير عادية، يصمت كثير، يتكلم بوقته، يعلّق تعليقات ساخرة، بسرعة بديهة تصدم الحضور وتترك أثر غير عادي…عيونه تتكلم أكثر من لسانه! ولكن نغاشته تقود كل جلساته…

إيمانه غير عادي، فحفظه في قلبه، صلّ بهدوء، قدّم بخفاء فأنتج عائلة مكرسّة للمسيح فهذا لم يعد شيء عادي في هذا الأيام.

في مرضه كان غير عادي، صارع عشرات النكسات، حارب المرض كجيش بكل بسالة، قضى على المرض بعقله قبل أن يقضي عليه في جسمه! فكان “فولاذ” العيلة وعابر الأمراض وصادم كل برتوكولات الأطباء! حتى آخر أيامه.

حتى آخر ساعاته لم تكن عادية، فالروح تصارع جسده وهو يصارع بكل قوته من أجل أن تفارق جسده المنهك، عندما صلينا الصلاة الأخيرة هز رأسه يمين وشمال! فسّلم الروح بهدوء وصلابة وقوة…أما قلبه الصامد يضرب ضرباته الأخيرة والطبيب يقول، ما هذا القلب الجبّار؟ قلت له هذا قلب غير عادي يتسع لمحبة الكل، ثم أعلن نهاية مشواره.

اليوم نودّعك بسلام يا سلامة ونستذكر مواقفك الصلبة!

لأن حتى وداعك لن يكون عادي، فقد مُتَ بشيبة صالحة، شيخاً وشبعان أياماً
مع المسيح حيث لا وجع ولا تعب…

لا تقلق فإرثك مستمر وصلابتك معنا ومحبتك العملية في قلبنا
إلى اللقاء أيها الرجل غير العادي!

على الأقل أنت لنا غير عادي

نحبك

تكافح مجلة “ملح الأرض” من أجل الاستمرار في نشر تقارير تعرض أحوال المسيحيين العرب في الأردن وفلسطين ومناطق الجليل، ونحرص على تقديم مواضيع تزوّد قراءنا بمعلومات مفيدة لهم ، بالاعتماد على مصادر موثوقة، كما تركّز معظم اهتمامها على البحث عن التحديات التي تواجه المكون المسيحي في بلادنا، لنبقى كما نحن دائماً صوت مسيحي وطني حر يحترم رجال الدين وكنائسنا ولكن يرفض احتكار الحقيقة ويبحث عنها تماشيًا مع قول السيد المسيح و تعرفون الحق والحق يحرركم
من مبادئنا حرية التعبير للعلمانيين بصورة تكميلية لرأي الإكليروس الذي نحترمه. كما نؤيد بدون خجل الدعوة الكتابية للمساواة في أمور هامة مثل الإرث للمسيحيين وأهمية التوعية وتقديم النصح للمقبلين على الزواج وندعم العمل الاجتماعي ونشطاء المجتمع المدني المسيحيين و نحاول أن نسلط الضوء على قصص النجاح غير ناسيين من هم بحاجة للمساعدة الإنسانية والصحية والنفسية وغيرها.
والسبيل الوحيد للخروج من هذا الوضع هو بالتواصل والنقاش الحر، حول هويّاتنا وحول التغييرات التي نريدها في مجتمعاتنا، من أجل أن نفهم بشكل أفضل القوى التي تؤثّر في مجتمعاتنا،.
تستمر ملح الأرض في تشكيل مساحة افتراضية تُطرح فيها الأفكار بحرّية لتشكل ملاذاً مؤقتاً لنا بينما تبقى المساحات الحقيقية في ساحاتنا وشوارعنا بعيدة المنال.
كل مساهماتكم تُدفع لكتّابنا، وهم شباب وشابات يتحدّون المخاطر ليرووا قصصنا.

Skip to content